قصص موجعة يرويها طبيب فلسطيني يعمل في ايطاليا

المصابون يتساقطون على الأرض وتصيبهم "التشنجات" والهستيريا"... الموت بكورونا شنيع.. نحن عاجزون أمام قدرة الخالق

غزة - الحياة الجديدة ـ عماد عبد الرحمن- "بينما كان فيروس كورونا ينتشر في مدينة ووهان بالصين، والتي بدأت السلطات فيها باتخاذ إجراءات وتدابير صارمة فرضتها على مواطنيها، كان المواطنون في ايطاليا يمارسون حياتهم المعتادة بشكل طبيعي.

يقول الطبيب الفلسطيني الذي يعيش في ايطاليا عز الدين أبو الخير: " كنا في إيطاليا مستهترين بالوضع ولم نعيله أي اهتمام معتقدين ان الفيروس محصور في قارة اسيا ولن يأتي الى اوروبا، وانه مجرد فيروس كالإنفلونزا سرعان ما سنتعافى منه".

يضيف: "لكن هذه الاعتقادات سرعان ما اثبتت خطأها، وفجأة صحونا على الكارثة ووجدنا أنفسنا أمام عدو قاتل غير مرئي يفتك بنا ونحن عاجزون أمامه بل فقدنا السيطرة عليه".

بداية انتشار المرض

أبو الخير من مدينة رفح بقطاع غزة والمقيم في مدينة بريشيا شمال إيطاليا بإقليم لومبارديا، التي تعد أكثر المدن إصابة بفايروس كورنا في إيطاليا تواصلت معه "الحياة الجديدة" ، يقول: "الوضع في البداية كان مستقرا والحياة طبيعية، بينما كان الفايروس ينتشر في الصين، وبدأ يخرج منها ويزحف باتجاه أوروبا وكانت المفاجأة ظهور أول حالة بتاريخ 18/2 لشاب في قرية صغيرة في مقاطعة لومبارديا شمال إيطاليا ليس له علاقة بالصين ولم يدخلها ولا توجد شكوك باختلاطه بأحد من هناك، وهنا كانت المفاجأة ولم يعرف من هو المريض الأول "الحالة صفر"  ومن أين بدأ المرض".

إجراءات غير صارمة

ووصف الطبيب عز الدين الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيطالية بأنها غير صارمة، ولم تتخذ بالسرعة المطلوبة، فبعد اكتشاف أول حالة اتخذت سلسلة إجراءات لم ترق لمستوى الخطر، بدأت بإغلاق المقاهي والمطاعم وبعد يومين أغلقت المدارس وأخيرا فرض منع التجوال، ولكن للأسف لم يكن هناك حزم من قبل السلطات لمنع الاختلاط وفرض عقوبات قاسية على من يخالف هذه القرارات ولم تفرض حالة منع التجوال او اغلاق مداخل ومخارج الإقليم.

ويضيف انه قابل هذا تراخي من قبل المواطنين في البداية في ظل عدم وجود إجراءات عقابية للمخالفين، واعتقد الاغلب ان الفيروس كالانفلونزا وسرعان ما سينتهي، لكنه بدأ بالانتشار من قرية لأخرى لتطال إيطاليا.

الهروب الكبير

ويجزم الطبيب عز الدين أن الكارثة الحقيقية والسبب الأكبر وراء انتشار الفايروس كانت عندما أعلن رئيس وزراء إيطاليا إغلاق وعزل إقليم لومبارديا عن كافة إيطاليا لأن الفايروس كان محصور فيها ، ولكنه أغفل إعطاء الأوامر بتوقيف القطارات والمواصلات ولم ينشر قوات الجيش والشرطة على مخارج ومداخل المقاطعة، وهذا أدى لهروب كبير للكثير من المواطنين عبر القطارات بدون اتخاذ اجراءات الوقاية، مما ساهم في انتشار المرض.

أسباب ارتفاع أعداد الإصابات الوفيات

وأكد الطبيب عز الدين أن المنظومة الصحية بشكل عام في إيطاليا متقدمة وتعد إيطاليا من أوائل الدول في النظام الصحي العالمي ولكن في نفس الوقت عدد المسنين فيها هائل وتعد إيطاليا ثاني أو ثالث  دولة على مستوى العالم في عدد المسنين، وبالتوازي عدم ظهور أعراض مبكرة للفايروس والاختلاط بين المواطنين وعدم تطبيق التجربة الصينية التي استطاعت من خلال منظومة تكنولوجية متطورة مثل كاميرات المراقبة التي تحصر التحرك وتكشف مبكرا عن المصابين والالتزام الصارم من قبل مواطنيها والخوف الشديد من الخروج والعقاب، بدأ الفايروس في الانتشار خاصة في منطقة الشمال ومع مرور الأيام بدأت الأعراض في الظهور على المصابين وتزايدت الحالات على المستشفيات خاصة الحالات المتقدمة من المرض والمستعصية وعدم وجود أسرة كافية لغرف الإنعاش أدى لانهيار الوضع الصحي وزيادة عدد الإصابات والوفيات.

الفايروس لا يميز بين أحد

وحذر الطبيب عز الدين من أن فايروس كارونا لا يميز بين شيخ وشاب وطفل ورجل وامرأة فهو فايروس قاتل وشرس يلتهم من يصيبه وكون مناعة كبار السن أقل من الشباب فيستطيع الفايروس هزيمتهم، ولكن هذه ليست دعوة لتهاون الشباب فلا أحد منا يعرف طبيعة جسمه ولا مناعته إلا عندما يجرب الفايروس فإن كان الشاب مدخنا أو مناعته ضعيفة فهذه ثغرة يستطيع الفايروس الولوج منها والقضاء على الشباب، مؤكدا أن هناك كثيرا من الشباب في إيطاليا دخلوا في حالات مستعصية بعد إصابتهم بالفايروس ومنهم شباب كانوا رياضيين وهناك حالات وفاة بين شباب في عمر 18 و20 عاما، فهذا الفايروس لا يميز  بين كبير وصغير.

أطباء فلسطينيون وعرب  يواجهون الموت

يقول الطبيب عز الدين للحياة الجديدة " نحن هنا في مدينة بريشيا حوالي 60 طبيبا عربيا منهم حوالي 45 طبيبا من أصل فلسطيني نعمل في تخصصات مختلفة، تغيرت حياتنا بشكل كبير في ظل هذا الوضع الصعب، فمهمتنا الأولى خدمة المواطنين وإن كان الوضع صعب جدا وهناك خطر حقيقي علينا ومن الطبيعي الشعور بالخوف خاصة أثناء عملنا في المستشفيات مع الحالات المصابة، وسهوة واحدة كفيلة بالقضاء على أحدنا وهذا بالفعل ما حدث مع طبيب صديق لنا من أصل أردني انتقلت إليه العدوى وتوفى منذ أسبوع ولكن واجبنا يحتم علينا الذهاب للعمل ومساعدة المحتاجين.

وفي ذات السياق يضيف الطبيب عز الدين " أشعر أنا وزملائي الأطباء بالعجز أمام هذا الفايروس الذي جعل العالم أجمع يركع أمامه ووضعه في مأزق، أشعر شخصيا بالكبت والإحباط لعدم قدرتنا كأطباء حتى الآن على فعل شيء، ففي كثير من الأحيان يموت المريض أمامنا ولا نعرف علاجه ولا نعرف من أين وصل إليه الفايروس، وأصبح هدفنا الأول هو ألا يصاب الشخص وليس كالعادة في المجال الطبي العلاج والقضاء على الفايروس، فكل ما نستطيع فعله حتى الآن الحد من العدوى فقط، وأنا شخصيا تعلمت من هذه التجربة أننا لا شيء أمام قدرة الله.

قصص موجعة

وعن بعض المواقف المؤلمة التي واجهته كطبيب وكإنسان قال عز الدين أن وفاة صديقه الطبيب الأردني أثرت عليه وعلى زملائه كثيرا لأنه قبلها بساعات قليلة كان يتكلم معهم وفي فترة وجيزة وبدون أية مقدمات شعر بضيق تنفس أثناء ممارسته لعمله وفي غضون ساعتين توفاه الله  .

ويضيف الطبيب عز الدين هناك الكثير من الحالات المؤلمة كموت ممرضة لم تجد لها سريرا للعلاج ووقوفك كطبيب عاجز أمام حالات متطورة من المرض لم يعد عندها المصاب يمتلك رئتين بعد أن فتك بهما الفايروس وهنا لا تجد مبررا لإعطاء المريض أكسجين وليس بيدك شيء إلا إعطاؤه مسكنات ليموت بدون ألم.

 ويستطرد الطبيب عز الدين أن الخلاصة هي أن فايروس كرونا ليس سهلا ولا يوجد أحد مستثنى منه ولا يوجد أحد يعرف نفسه أو يثق في جسمه أو مناعته فالكثير منا لا يعرف صحته ويعتقد أنه قوي وصحته جيدة ولكن الاختبار الحقيقي عند إصابة الشخص بكورونا وقتها لا ندري كيف ستتعامل أجسامنا وجهازنا المناعي معه، فالفايروس شرس جدا ويؤدي الى تمزق الرئتين في الحالات المتطورة والمصاب يموت من هذا الفايروس متوجعا يموت بألم، نحن نرى كيف المصابون يتساقطون على الأرض وحالات تبدو كتشنجات وهستيريا ولكن هذا نتيجة الألم وتمزق الرئتين فلا يستطيع المصاب التحكم بنفسه، والحقيقية هي أن الموت من فايروس كورونا موت شنيع، وبالتالي علينا الحذر واتخاذ الحيطة وعدم تعريض أنفسنا وعائلاتنا للخطر لأن العدو أمامنا ولكننا لا نراه يغزونا من مكان لا نستطيع الاستغناء عنه وهو جهازنا التنفسي.

رسالة الى شعبنا الفلسطيني

ونصح عز الدين شعبنا الفلسطيني الالتزام بالاجراءات واتخاذ التدابير الوقائية لمنع انتشار المرض، وعدم الاختلاط  والالتزام بالبيت، خوفا على من نحب من الاصابة، وإذا كانت العلاقات الاجتماعية دليل على المحبة فالآن البعد عنها وعدم التواصل المباشر دليل على محبة أكبر.