خلال الحرب الاسرائيلية على غزة منذ ثلاثة اسابيع، اتضحت لي حقائق لم اكن اعرفها من قبل عن حركة حماس وعن قادتها الموزعين بعناية واتقان في العواصم العربية من دمشق الى الدوحة، فقادة الداخل يختفون منذ اليوم الاول لاندلاع الحرب لاسباب امنية ولم نسمع من خطبهم الا المسجل في اماكن مجهولة، واول الحقائق ان حماس حركة مبدئية لا تتراجع عن مواقفها ولو ادى ذلك الى قطع رؤوس كل الفلسطينيين، وهو ما يحصل حاليا، وثانيها انها ملتزمة بموقف النخبة القيادية ( مجلس الشورى ) الموزع وفق نظام المحاصصة بنسب متفاوتة وليس بالتساوي، بين الخارج وغزة والضفة، فاذا قالت النخبة للعناصر موتوا في سبيل معبر او حتى نفق فلن يتأخروا عن تلبية الاوامر. ثالث هذه الحقائق وأهمها هو موقف حماس الثابت المثير للاستغراب والمتشبث بكل قوة بفتح معبر رفح ووضعه تحت سلطة حماس المطلقة والانفرادية الى يوم يبعثون، وكأنها تقول خذوا ما تريدون بما في ذلك اهل غزة واتركوا المعبر، فهو ماء الحياة ودونه فلا عيش لنا على هذه الارض، واعتقد ان المعبر كان احد الاسباب الرئيسية من وراء الانقلاب، فقد لوحظ ان قضية المعبر لم تفارق تصريحات قادة حماس منذ بداية الحرب، وبطبيعة الحال منذ الانقلاب. وموضوع معبر رفح بالنسبة لحماس غير قابل للمساومة او النقاش مع اي طرف وخصوصا السلطة الوطنية ( التي وقع عليها فعل الانقلاب) وهي الجهة الموقعة على اتفاق المعابر لسنة 2005، فالمعبر احد اسرار قوة حماس وبقائها على قيد الحياة السياسية وفي دائرة الضوء ومحط الاهتمام، ولذلك فانها لم تترك مناسبة الا وذكرت بهذا الموقف المبدئي، فاذا سئل امير المؤمنين خالد مشعل رئيس المكتب السياسي عن رأيه في الحرب ونتائجها الكارثية على الناس، قال : افتحوا المعبر، واذ قيل لنائبه اسامة حمدان في لبنان، عن سبب رفض حماس لقرار مجلس الامن قال : لان المعابر مغلقة، واذا قيل لابي زهري عن سر التمسك بالمعبر، قال : ان تواجد غير حماس يفشل جهودها وخططها فلا تفريط ولا مساومة بالمعبر والانفاق، ولو تجندل كل ما في غزة من بشر وشجر وحجر. لماذا المعبر؟ ولماذا الاستماتة في التمسك بفتحه والسيطرة عليه؟ سؤال اصبح ساذجا، والاجابة عليه تعد " كلمة السر " التي باتت معروفة لكل من يود الانخراط في اية ترتيبات سياسية في المستقبل، فمن يمتلك المعابر يمتلك المنابر، ويتحكم بالناس ويكون قادرا على ادارة شؤون السلطة والجباية الجمركية والتهريب والتجارة، ثم ان السيطرة على معبر رفح تلغي الحاجة لوجود الالف نفق، وفي النتيجة فلا يهم حماس اذا ما تعرضت غزة لحرب ابادة كالتي تشهدها اليوم، فتحقيق هذا الحلم التاريخي الذي راود حركة حماس منذ سنوات طويلة، يستحق التضحية بالغالي والثمين مقابل ممر بري يستخدم لحركة الافراد وما يخبئونه من بضائع واموال، يعتبر المتنفس الوحيد والحبل السري مع العالم الخارجي. كلمة السر هذه او ( دافنشي كود حماس ) كانت واحدا من الاسباب الرئيسية للانقلاب، وتمسك حماس بها يعادل التمسك باقدس المبادئ، فاحكام سيطرتها على غزة لا تكتمل دون السيطرة على معبر رفح، والتنازل يعني زوال سبب وجودها على راس السلطة، ولذلك فانها ترى فيه الضمان الوحيد لبقائها على قيد الحياة السياسية وما الموقف الاخير للاستاذ خالد مشعل عن موافقة حركته على شراكة ما بين السلطة وحماس والاوروبيين في ادارة المعبر، الا تكتيك سرعان ما تجد السلطة نفسها فيه معرضة للطرد، وبعد ذلك سوف يسارع المراقبون الدوليون الى الهرب، تماما مثلما حصل في الانقلاب. لهذا نقول للاطراف التي تبذل جهود الوساطة لنزع فتيل الحرب، ان فرص نجاح جهودهم معدومة، ما لم تتضمن المبادرات بندا صريحا يعترف بحق حماس في السيطرة على المعبر دون شريك، اما انهاء الحرب وانسحاب اسرائيل من غزة، فلن يكون انجازا دون المعابر، فحماس مستعدة للتضحية بأهل غزة جميعا، في مقابل منفذ بري، أليس هذا موقفا مبديئا يستحق الاعجاب الى حد الدهشة. . !!
باسم ابوسمية
تعليقـــات حول الموضوع
الاثنين 12 كانون الثاني (15 محرم ) 2009 العدد 4741