واخيرا توصل الفرقاء الى الاتفاق بعد مخاض عسير خلال حوار مكة الذي عقد بجوار البيت العتيق، ما يزيد جرعة التفاؤل الشعبي بأن يفضي ذلك الاتفاق إلى توافق وطني بين الحركتين الأكبر في المشهد السياسي الفلسطيني، ولو على الحد الأدنى الذي يضمن حقن الدماء التي يمكن أن تهدر على مذابح الخلاف العدمي، كما يضمن تخفيف حدة الحصار الدولي الظالم، الذي بدأ بعيد الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي حملت حركة حماس إلى الحكومة، كل ذلك بالطبع إلى جانب الحفاظ على الثوابت الوطنية الفلسطينية، الدينية والتاريخية والسياسية، لضمان أن تتسلمها الأجيال المقبلة كاملة غير منقوصة أو مجتزأة، دونما إفراط أو تفريط.لكن علينا رغم كل ذلك أن نقر بأن ثمة مخاوف أيضًا بأن يكون ذلك الاتفاق شكليًا، بحيث يبقى ما في النفوس على حاله، ما يمكن أن يقود إلى انفجار الوضع الداخلي من جديد، لتدور دوامة الموت الحرام، التي ابتلعت في الأيام القليلة الماضية عشرات الأرواح البريئة، التي أزهقت على مذابح خلافات صغيرة، لا حظ فيها -مع شديد الحسرة- لدين أو وطن.أحد بنود الاتفاق الذي تم ابرامه ينص على التزام حماس - أو على الأقل حكومة الوحدة الوطنية التي ستقودها- بقرارات المجالس الوطنية المتعاقبة، وعلى وجه الخصوص قرارات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني وهي القرارات التي تتضمن صراحة الاعتراف بإسرائيل، وهذه سابقة لا مثيل لها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وهي سابقة في منتهى الخطورة والتأثير السلبي على مسار هذا الصراع الممتد عبر التاريخ والجغرافيا الفلسطينية المعاصرة، إذ إنها تمثل تراجعًا لا يقبل التأويل عما دأبت الحركات الإسلامية الفلسطينية على التمترس خلفه طوال السنوات الماضية، في مواجهة العدوان والاحتلال الذي حظى بالشرعية الدولية منذ أيامه الأولى، ولكنه ظل يتطلع إلى امتلاك شرعية اعتراف أصحاب الحق أنفسهم بحقه في أرضهم وديارهم.كثيرون ينظرون إلى الاعتراف بإسرائيل باعتباره خيانة، وكثيرون يعتبرونه مجرد واقعية سياسية ليس إلا، لكن الموقف الأول هو الذي ظل دومًا يصبغ سياسات ومواقف الإسلاميين الفلسطينيين، ولعلي لا زلت أذكر ما قاله لي الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ذات يوم عقب محاولة اغتياله الأولى أثناء لقاء جمعني به في منزله: "إن الاعتراف بإسرائيل خيانة"، وبغض النظر عن الوصف، إلا أن هذا الموقف ظل بالفعل يمثل الخط الأحمر الذي وقفت الحركات الإسلامية بالذات دونه، ومثلت بذلك ما يمكن اعتباره الجدار الأخير في الحفاظ على بعض خيارات الأمة مفتوحة في ميدان المواجهة، خصوصًا في ظل حالة الهزيمة والتراجع التي تعيشها وتعانيها الأمة في هذه المرحلة، والتي تحتاج فيها إلى من يتمترس خلف كلمة "لا"، التي أصبحت ضرورة سياسية وواجبًا شرعيًا، فضلاً عن كونها خيارًا يجب ألا يتنازل عنه السياسيون الذين يتخذون القرار نيابة عن الأمة، إذ من السهل أن تقول بعدها: "نعم"، بينما من الصعب أن تقولها بعد النعم، وهو ما حافظت حركة حماس بالذات عليه طوال السنوات الماضية التي سبقت فوزها بالانتخابات التشريعية الأخيرة، بل ونابذت من خالفه.نعم، إن لضرورات المشاركة في النظام السياسي ضغوطًا هائلة على صاحب القرار، وهي ضغوط كثيرًا ما تخرجه عن مساره المبدئي الذي دأب على تقديم نفسه للناس على أساسه، لكن للأمة -في الوقت ذاته- خياراتها المتعددة في مواجهة أية تداعيات تعترضها، دون أن يعني ذلك أن نمارس الانغلاق السياسي، أو نعيش خارج الزمن، ودون أن يعني كذلك أن نخضع للابتزاز السياسي، الذي أفقد أصحاب القرار العربي والإسلامي -على مدى سنوات الصراع- مساحات واسعة للمناورة، التي تعتمد أساسًا على تعدد خيارات الأمة، وعدم التيه في دوامة الضرورات الواقعية المزعومة. كثيرون تمنوا لو لم توافق حماس على الالتزام بما يتضمن الاعتراف بإسرائيل، رغم إيمانهم العميق بالواقعية السياسية الملتزمة، حتى لو كان ذلك يعني أن تتخلى حماس عن مكانها في الحكومة، مستندين إلى حقيقة أن كل حكومات الدنيا، وكل المواقع السياسية أو القيادية -مهما بلغت- لا تساوي التنازل عن المواقف الثابتة التي لا ينبغي لها أن تتغير، رغم أنه لا أحد هنا ضد أن يجري التفاوض مع إسرائيل كأمر تفرضه تلك الواقعية السياسية الملتزمة، التي تعطي أصحابها مساحات غاية في الرحابة والاتساع، فوق أنها توفر لصاحب القرار قوة هائلة في التمسك بثوابت الدين والوطن. إن للموقع السياسي ضروراته القاسية والضيقة، هذا صحيح، لكن للأمة أيضًا خياراتها المتعددة والمفتوحة، التي لا يجوز أن تتخلى عنها، وليس ثمة شيء على الإطلاق يوازي قيمة التزام الحقيقة، التي لا تتغير بتغير المواقع أو المصالح.mahabbash@yahoo.com