أقلام  

تجهيز نسخة للطباعةأرسل المقال

أحمد دحبور
عيد الأربعاء -
شاعرتان من العراق والأردن: من يسمع الصوت الجديد؟

أصبحت في حذر مشوب بالقلق، من أن كثيرا مما نقرأ ونكتب، سينطوي ذات يوم في النسيان، لا لنقص في القدرة على عبور الزمن، بل لانكسار وهبوط في أداء المتلقي. ولعل رولان بارت عندما نبه الى موت المؤلف، لم يكن ليدور في خلده أن ثمة بلادا، مثل بلادنا، مهددة بموت القارئ. ولا أنكر أن صيحة الحداثة مشفوعة بما بعدها، قد شغلت الكثيرين عن التعامل مع المقروء لصالح المرئي والمسموع. ولعل قارئا يذكر ما كتبته منذ بضع سنين في هذه الجريدة، عما قاله لي اديبنا الراحل نجيب محفوظ حول استحالة ان ينتقل الى الاملاء والتعامل مع الكمبيوتر بعد عقود من الزمن قضاها بالتعامل مع القلم. لكن المعضلة الآن اكثر تعقيدا من ان تتعلق بتقنية توصيل النص، فهناك معضلة اصعب، تتصل بفقدان الحاجة الى القراءة لدى قطاعات واسعة من الجمهور العربي. زد على ذلك أزمة تسويق الكتاب حيث لا يستطيع المطبوع في بيروت ان يصل الى رام الله، ناهيك عن انقطاع الخطوط الاجرائية بين المشرق والمغرب. واذا كان الجيل الأسبق، الذي ظهر انتاجه قبل ثلاثين عاما قد لحق بقطار ما، فان الاجيال اللاحقة محكومة بالطالع والمصادفة.

والشاعرتان اللتان امامي مجموعتاهما، انموذجان حيان على ذلك.. فلو صدرت هاتان المجموعتان في الوقت الملائم، لكان لهما شأن وأي شأن، مع أنهما - وهما الأردنية والعراقية - قد اصدرتا كتابيهما في سورية التي تنتعش سوقها الأدبية بما يحاول ان يسد الفراغ الذي احدثته التحولات السياسية فحجبت اسواقا وابعدت عواصم ثقافية عن مركز التأثير. والحق ان مصادفتين سعيدتين بالتأكيد، قد جمعتاني الى هاتني الشاعرتين، فكان ان رأيت العراقية دنيا ميخائيل في احد مهرجانات المربد - عندما كان هناك مربد حقيقي في العراق - ورأيت الأردنية مهى العتوم في مهرجان جرش الذي اتمنى له اطراد الازدهار والجدوى. ولقد كتبت، في هذه الصفحة، مقالة قبل خمس سنوات للتعريف بدنيا ميخائيل. وفي العام ذاته سعدت بالتعرف الى مهى العتوم التي اهدتني مجموعتها - الجميلة حقا كما سنرى - وهي دوائر الطين.

وما زلت أسأل: هل من العدل ان يغيب هذا الشعر الحقيقي لهاتين الشاعرتين وغيرهما عن مركز الضوء، لا لشيء الا لأن احداهما اغتربت في امريكا فاختفت، والثانية احتجبت او كادت في مجتمع محكوم بتقاليد مذكرة؟ وهل هي مشكلة ثقافية ام اجتماعية؟ ولكن من جهة ثانية يجب الاعتراف للشعر، اي شعر، بأنه أكثر أنفة من أن نتعامل معه بالحدب وتقدير الظروف. فالفن إما أن يفرض نفسه او لا يكون، بشرط واحد موجب، هو ان يتاح له ان نراه..
ولقد اتيح لي ان ارى، فماذا اقول؟.. بالأحرى ماذا يقول هذا الشعر لي؟..


دوائر الطين
حين طالعتني الشاعرة مهى العتوم، بكبرياء وحياء ومنديل اسود، في احد مواقع مهرجان جرش، لا أنكر انني اشفقت، مخطئا طبعا، على خطابها الشعري من ان يكون تقليديا او متمحكا بالحداثة حيث لا حداثة ولا معرفة. ولكن كان يكفي ان افتح مجموعتها "دوائر الطين" التي كرمتني مشكورة بنسخة منها، حتى وقعت على أمر آخر. فقد كان هناك الشعر، وكان الشعر حديثا موزونا، بمعنى ان الشاعرة الفتية لم تلجأ، بتمردها، الى القطيعة مع الوزن، لكنها بالتأكيد قطعت مع النسق التقليدي في التعبير. فخطابها اكثر حساسة من ان يكون مجرد "شعر تفعيلة" - مع انه كذلك بالحسبة الاجرائية - واكثر ارتباطا بالأصل من أن يستسلم لسطوة النثر..
بل ان في عنوان المجموعة - دوائر الطين - ما يشير الى ورطة وجودية بين اسوار الدوائر ومعوقات الطين، وهو ما يتضمن رغبة في الانعتاق، مع وعي اكيد بالخسارة:
ان من ضيع الورد،
يركض من غير ورد
ولكنها تقبل التحدي، وعيا منها بأن خروجها على السائد هو انتساب الى الحياة وليس انتحارا، فالوردة التي تذبل في يدها عاشت "وعادت من الموت خضراء من غير سوء". وسنضع منذ الآن باعتبارنا ان النص الغائب عند الشاعرة مترع بلغة القرآن الكريم "من غير سوء" تقابلها لغة لوركا وغيره من رموز الحداثة، سواء أكان ذلك في قصيدته "خضراء" ام في اشاراتها المباغتة الى الرموز التموزية:
يقولون: تحيا لتكتب،
لكنني الآن أكتب،
حتى أعود من الموت..
ولا يحرج الشعر ان نقاربه باليومي مما نرى. فالشاعرة ليست موظفة لدى مشروع غامض للكتابة، بل انها تعي حجم الموت المحيط الذي تعبر عنه التقاليد، وتعي انها تقهره بالكتابة بوصف الكتابة فعل حياة، ولسوف تنكشف مرجعيتها الثقافية بالاشارة الى حياة النبي محمد، وسيرة خديجة، ومعجزات السيد المسيح الذي ما قتلوه ولا صلبوه، وتأويلات النبي يوسف للسنوات السبع العجاف تليها سبع سمان. وهي وإن كانت تدرك "ان الذين يروحون لا يرجعون" الا انها واثقة من خضرة الحياة التموزية حيث "سترجع اشياء منهم - واشياء تشبههم – واسماؤهم" حتى لو كان في ذلك ألم الفقدان والتغير "لا الفيء عاد يفيء ولا الشمس أرحم".

هكذا تتضح الحال والمآل. فالشاعرة مغتربة وسط دوائر الطين، تؤلمها معرفة ما ينتظرها من موت اذا تحدت هذه القيود، ويغبطها ان الموت العارض تعقبه حياة ولكنها حياة متجددة، فهي لن تعيد انتاج مأساة هوانها والا لكانت المغامرة مجانية.
بموازاة هذه الرحلة الوجودية يحقق الخطاب الشعري تحولاته في خضم التراث، فهي ابنة الموروث الذي تتعامل معه بطلاقة، ولكن من موقع التناص لا النقل، اما الخلاصة فيعبر عنها قول مثل "النهر المخبأ في الوريد" ونحن نعلم ان النهر لا يبقى نهرا اذا كان حبيس الوريد الذي لن يبقى وريدا كذلك في تلك اللحظة. لكن النهر والوريد معا سيصبحان شيئا جديدا في هذه المعادلة الجديدة، شيئا يتصل بدورة الحياة التي لا تنسخ ما كان لكنها تصنع مما كان بدائل تغري بما سيكون: "اليوم اعرف اي نرجسة هوت في ماء صورتها، واعرف انها في الماء، تحيا فكرة للماء او معنى".. والفكرة قادرة، بقوة المعنى، على الخلاص من أسر الدوائر الطينية.


سحر الماء
على كثرة ما في تربة "دوائر الطين" من ماء، يصعب ان نعتبره ماء رمزيا او مرآة تعكس صورة ما يقابله في الواقع، فثمة ثلاث قصائد تتضمن عناوينها الماء: أزمنة الماء، الغيمة، النهر.. وفي قصيدة لها بعنوان وداع، نرى سفينة وماء ونبعا، ويطلع الرمل والماء في قصيدة بعنوان توتر، لنعود فنرى نهرا ومياها في قصيدة بعنوان "لا احتويه"، اما الدفتر الثالث من المجموعة فله عنوان عام يتصل بالمطر، وكذلك في قصيدة عنوانها أحمد، حيث المطر والغيم. اما قصيدة "كأس 2" فمطلعها: هل شربنا كثيرا؟ وتطالعنا علة الغيم في قصيدة "تغيرت جدا" حيث المطر وتوالي الشتائيات، وفي قصيدة "نصف عام" يروينا ماء الوصال والغمام، ليظهر الماء والمطر من جديد في قصيدة "الشتيت"، وتفتتح الشاعرة قصيدتها "مقولة هذا الصباح" بالقول: لأني اشرب، وثمة دموع، اما في قصيدة "كينا" فتسأل أباها: لماذا ارتويت وأظمأتني؟ وفي قصيدة "بابة الخلاص" نجد شيئا من حنين الظماء، وأظمأتني السماء.

وبشيء من التأمل المنتعش بماء الشعر، نكتشف ان الماء وما يتعلق به من مطر وغيم وظمأ وشراب لا يؤدي الى مدلول واحد حتى نقول إن في ذلك رمزا او ما شابه. لكنها نداوة الحياة ومجرى الروح المتعطشة الى ارتواء لا ينتهي. وقد تشتبك العناصر التي يوحدها الماء في بضع كلمات تجمع البكاء الى السفر الى النهر الذي يستحيل غيما:
فهل أتقي سكة الدمع او انتقي؟
كنت
لكن نهرا جرى فانهمر
هنا لا يؤلف بين الكلام إلا الماء الذي ليس ماء، بل هو التوق الى الري في لحظة ظمأ كاوية. بل ان الطين الذي يحتل نصف عنوان المجموعة يتضمن شيئا من الماء، بمعنى ان بحث الشاعرة عن الري العميق تتخلله معاناة من الماء المضاد اذا جاز التعبير. وكثيرا ما رددنا قول الشاعر إيليا ابي ماضي:
كما غارق في البحر، يا ويله قد مات ظمآن الى قطرة
فلديها من الماء كثير في الطين والدمع. لكنها وسط دوائر القهر تبحث عن مائها النظيف، عن النبع والمطر.. وربما الطوفان.

ان استقصاء حالة العطش لدى الشاعرة، يضع في ايدي قرائها مفاتيح للأبواب المغلقة في وجهها، والتي لن تستريح او تفتحها جميعا، خارجة الى حريتها حيث ترى نفسها انسانة حقيقية. واذا قال فرويد ان المرأة رجل ناقص فإن الخروج من دوائر الطين كفيل بأن يمنحها صفة الإنسان السوي.


المكان الغلط
تكاد مهى العتوم تلخص مأساة الشرقية العاثرة في هذا الزمان بسطرين من الشعر:
كي نموت.. نعيش فقط
غيمة.. في المكان الغلط
ثم يتكفل الشعر باضاءة الدرب المؤدية الى الموت، حيث "غيمة.. الزمان الغلط - ونقط - غيمة وأدتها السماء ولم يرثها مطر، غيمة.. او حجر". سنلاحظ اولا ان الغيمة الاولى تعيش لتموت، لأنها في المكان الغلط، حيث البيئة المنغلقة ودوائر الطين المقفلة، حتى اذا استطردت وجدنا "غيمة.. الزمان الغلط" فليست الغيمة في الزمان كما كانت في المكان، ولكن هذه الغيمة هي، بحد ذاتها، الزمان الغلط، حيث يضيئها النص الغائب حين يذكرنا بالموءودة التي سئلت بأي ذنب قتلت، فلا يرثها مطر او حجر.

واذا كان النهر، اضافة الى جسمه المائي، رمزا للزمن فان الزمن يعبرنا ونشيب، اما نهرها فليس ابيض .كالشيب ما دام الحبيب أسمر، وبهذه الأناقة الشعرية تفارق معادلتها لحظة القهر ولو الى حين:
"بعين حين من النهر - نتلو ملامحنا ونشير الى الشيب - لا،
لست أبيض يا نهر، أسمر مثل حبيبي الذي مثل عينيك يجري الى جهة القلب"
هكذا تنزاح اللغة عن محدداتها، فيصبح للنهر حين وللقلب جهة ويغدو جريان النبع معادلا موضوعيا لخطوات الحبيب. واذا كان خط الشعر البياني يواصل صعوده فإن الخط العاطفي سرعان ما ينكسر، حتى اذا صعد نهر الحب الى أعلى ذراه، تحول الى غيمة وانهمر في مجرى الدمع..
واذا كان للقلب اسراره، فإن القضايا العامة تتعالى على الأسرار وتكاشفنا بالأسئلة، حتى لتواجه الشاعرة أباها:
لماذا تغاويت يا ابتي
فغويت وانجبتني؟
لكننا نعلم ان الأب لا يتكفل وحده بالانجاب، ومع ذلك فهي تعي معنى السؤال: ان الثقافة الأبوية هي التي تحكمت بمجيئها الى هذه الدنيا، اما اذا كان للأم من دور - وهي امرأة كابنتها - فهو الحريق لا أكثر: "لماذا ارتويت وأظمأتني؟ - وانكويت بشهوة أمي - واحرقتني؟". فقد أخذ الرجل مكافأته ارتواء يسبب ظمأ سرمديا للبنت التي سترث ظمأ الأم وحريقها، فلا تملك إلا أن تبتهل لتولد ثانية عساها تحصل على فرصة لم توفرها لها أمها: "وأصرخ: ربي أعدني الى أول النشء حتى أموت جنينا" فهي في ولادتها الطبيعية، كأنثى شرقية، لم تحصل حتى على الموت الانساني، فهل تولد من جديد قبل تعقيدات الذكورة التي تقهر الأنوثة؟:
قد نسد النوافذ بالورد،
لكننا لا نسد القلوب بما ليس فيها
فلا ورد في القلب ما دام قلب الموءودة مكرسا للقهر وعدم الاعتراف، وهي تصرخ أعلى فأعلى.. ولكن هيهات وليس في الوادي مجيب:
فلي عذر آدم لما انتهك
ولي حضن حواء لما ارتبك
ولي صوت آدم لما اندهش
وبي جسم حواء لما ارتعش
ان فيها من آدم وحواء ما لا يعترف به المحيط الا تركة حواء المدومة في دوائر الطين.. وعزاؤها انها تكتب هذا الشعر.


دنيا ميخائيل
اما دنيا ميخائيل التي يواجهني نتاجها الشعري للمرة الثانية في هذه الزاوية، فان تجربتها مع النشر أكبر. وقد يذكر القارئ المعني انني اشرت في مقالة سابقة الى مجموعاتها "نزيف البحر - مزامير الغياب - موجة خارج البحر - على وشك الموسيقى"، وها أنذا في مواجهة مجموعتها "الحرب تعمل بجد" التي صدرت عن دار المدى عام 2000، وهي تتضمن، اضافة الى قصائدها الجديدة في تلك الفترة" مختارات من مجموعتها "على وشك الموسيقى".

والانطباع الذي يسبق تقليب صفحات مجموعتها الجديدة، هو ان عناوينها السابقة تجهر باللغة المركبة حيث البحر ينزف، والغياب ذو مزمور او مزامير، والموجة تفلت من أسر البحر او تتلاشى في اليابسة، والموسيقا على وشك.. من غير ان تفصح عن عزف او انقطاع. اما الآن، فاللغة تتناص مع الحديث اليومي، حيث الحرب تعمل بجد، وان كان الحديث اليومي لا يحظى بهذا التركيز الذي يحيل الى المأساة. وحين تكون القصيدة الاولى بعنوان "امريكا" فقد نستعد لنستحضر ما كتبه في امريكا شاعرها والت ويتمان، او الاسباني الشهيد لوركا، او السنغالي الرئيس ليوبولد سنغور، او العربي السوري ادونيس.. وشاعرتنا، خريجة الأدب الانكليزي، ليست بعيدة عن هؤلاء، ولكنها تقترب من امريكا، التي تعيش فيها الآن، بحساسيتها الخاصة فتاة، شرقية، مثقفة، ولكنها بنت بلد تعتب وتفضفض الهموم فتكشف عن اعماق ثرية:

لا تسأليني رجاء امريكا - لا اذكر - في اي شارع - او مع من - او تحت اي نجمة - لا تسأليني - لا اذكر لون الناس - ولا تواقيعهم
هنا لا محاكمة لفجر نيويورك واعمدتها الطينية، او للدولارات التي تخرج كالدبابير الهائجة، بل استراحة محارب لمسافرة عراقية لا تطلب اكثر من الأمان في خفر مسيحي يرفض ان يربح العالم ويخسر نفسه. لهذا تسأل: فما جدوى ان تربحي العالم وتخسري الروح يا امريكا؟ على انه ليس سؤالا للمقاضاة والادانة، بل للمكاشفة، فهي تكمل بوحها: "من قال ان السماء - تخسر كل نجومها - اذا مضى الليل دونما جواب؟" والشاعرة ليست سماء بطبيعة الحال، ولكن السماء معادل موضوعي لحيرتها في غربتها، هي التي علمتها الغربة الكثير، حتى لتقول:
وأنا كبرت
صرت أكبر من أبي
لكنها، وان اكتسبت خبرة جعلتها اكبر من أبيها، تظل تفتقد أباها واحبتها وتسألهم: "لماذا يا احبائي؟ - لماذا لا تأتون - الا في الأحلام؟". ولأنهم لا يطرقون بابها في الغربة فقد "رسمت بابا - وجلست خلفه - لأفتحه فور وصولكم".. ومفارقة كهذه تجعلنا نعيد النظر في الخبرة التي اكتسبت من العالم الذي ظنت انها ربحته، فيما تلمس لمس اليد انها تخسر الروح والفرح.


الحرب تعمل..
لا تنكر دنيا ميخائيل كرامات الحرب. فالحرب تنشط سيارات الاسعاف وتستمطر الدموع وتزرع الألغام لتفجرها وتمنح الجنرالات أوسمة وتسهم في صناعة الأطراف الصناعية وتنشىء دورا لليتامى وتنشط صانعي التوابيت
تربت على اكتاف حفاري القبور
وتعمل بجد لا مثيل له
ومع هذا لا يمتدحها أحد بكلمة

ولسوف تنمو ظاهرة المتواليات في هذا الشعر حتى تتحول القصائد الى قوائم لكل ما يمكن ان نحصيه، واذا سمحت لها المفارقة الدموية بتعداد مزايا الحرب التي تعمل باخلاص من غير ان يشكرها أحد، فانها تعد الاقدام التي يخدمها صانع الأحذية من غير ان يتاح له حتى ان يقال ان الناس لم يشكروه. مع أن الاقدام التي يخدمها تغامر وتركل وتغوص وتتبع وتدوس وتتهاوى وترقص وترتجف وهي الاقدام التي.. ثم ينوب الفراغ عن الوصف والتحديد، فالاقدام تمضي بعيدا كما تمضي ايام صانع الاحذية الوحيد الذي نشبهه في الغربة والمكوث في النسيان. اما متوالية "اللعبة" فتأخذ منحى آخر، حيث تشفق على البيدق في الشطرنج لأنه لا يملك من أمره شيئا تجاه الوزير، وتشفق على الوزير الذي يأتمر بأمر الملك، وتشفق على الملك الذي يحركه لاعب ماهر، وتشفق على اللاعب المحكوم بحياة مسكينة، لتكون النتيجة ورطة للخلق والوجود. على ان هذه العدمية لا يمكن ان توفر سببا مقنعا لأم السجين الذي تزوره فتحصي ذكرياتها عنه، ثم لا تفهم
ام السجين لا تفهم
ما معنى ان تغادره
لمجرد ان الزيارة انتهت
وهذه اللحظة المستعصية على الفهم، تحيل الى قصيدة "خمس دقائق"، ففي خمس دقائق - هي اقصر من وقت الزيارة المتاحة لأم السجين - يمكن ان ينتهي العالم، اما الحبيب فقد كان اتفق مع صديقته للخروج في نزهة:
لا ادري اذا انتهت النزهة
قبل نهاية العالم
ام ان العالم انتهى قبل النزهة
وهذا الاحساس الكوني الفاجع بمأساة العالم يدق جرس انذار في كل لحظة من حياتنا. ولكن دنيا ميخائيل المنتسبة بهذا الفزع الى الأدب القيامي، لا تبشر بالفصح بل تترك نصوصها رهينة جمعة حزينة مستدامة:
لأننا فيلم صامت
ومخرجنا رديء
فلا عجب ان تضجر منا الآلهة

ولكن هل نحن فيلم صامت فعلا؟ ان الحركة، كما تؤكد قوانين الذرة، تمور حتى في عمق السكون. ونحن في سكينتنا واستسلامنا يمكن ان نفعل شيئا، حتى لو كان هذا الشيء مجرد انتظار مثل العمة التي لا تزال هناك "على الكرسي الهزاز - منذ ثلاثين سنة - وهي تهتز" ولكن حين خطبها الموت وأعطته يدها، ذهبت دونما كلمة "تاركة الكرسي - وحيدا - يهتز".

لقد عملت الحرب بجد. فقتلت من قتلت، وحين هدأت كانت لا تزال آثارها فينا، فنحن ضحايا الحرب الدائمة. ومع ذلك لا يجود علينا هذا الشعر حتى بالرثاء.


نشيد الخراب
في صلاة الجمعة الحزينة يرتل المسيحيون: "اليوم علق على خشبة"، اما دنيا ميخائيل، في نصها القياموي القاتم، فتعلن: "اليوم كل شيء علق على خشبة - المشهد طاعن في الخراب - والجمهور فرقته الحرب - ليجتمع في الغياب".. كانت خشبة الجمعة الحزينة رمزا للخلاص. لكنها خشبة واحد من اجل الجميع، اما في الجناز الذي تقيمه الشاعرة للعالم فيعلق الجميع وحتى الاشياء على خشبة، حيث الخراب مستتب. والحرب تفرق الناس ليجمعهم انهم موتى. فهل هذه هي المرثية التي كنت ابحث عنها في شعرها؟

انها لا تندب ولا تعدد صفات الراحلين، لكنها تطبق بيديها على ما لا ترى وتفتحهما فاذا هو الهباء. وفي قصيدة "الفنجان" تلعب لعبة تحضير الارواح حيث الفنجان المقلوب محاط بدائرة ملأى بحروف الابجدية، ولا تدري وهي تضع اصبعها على الفنجان انها هي التي تقوده الى الكلمات التي تشي وتغمغم ولا تقول. فقد تقول الروح: نعم، وقد تقول: لست ادري، لكنها لا تؤدي الى جملة مفيدة، وهذه اللعبة العدمية ستصل بها الى التعبير العراقي الأثير الذي اصبح عنوانا لقصيدة "شكو.. ماكو؟" وهو تعبير يقابله في لهجة بلاد الشام قول "شو في ما في؟"، اما الكلام فهو:
واحد صعد على اكتاف الآخر
آخر نزل الى العالم السفلي
امور اخرى تجري في الخفاء
ولكن هذه الأمور تجري في العلن أيضا. فما الحياة الا ملهاة، كما يقول شكسبير، وكما يؤكد جبران:
فأكثر الناس آلات تحركها اصابع الدهر يوما ثم تنكسر

ليكون آخر سطر في القصيدة مؤلفا من بضع كلمات هي: هذا هو كل شيء. ولعلها مصادفة ان تكون هذه العبارة هي عنوان مجموعة شعرية للعبقري الالماني برتولد بريخت. ولكن لا بريخت ولا دنيا ميخائيل ولا جبران ولا حتى شكسبير، في وارد القدرة على الجزم بأن هذا هو كل شيء، الا اذا كان ذلك نشيد الختام في مرثية العالم. والسؤال المر هو: ما الذي يدفع شاعرة امامها عمرها، وموهبتها رهن طاقتها المتأججة، في المكان الموحش الذي اسمه العالم.. وما وحشة العالم الا بسبب الحروب والدكتاتوريات والقهر فضلا عن اللحظة الوجودية المتصلة بمسألة الموت..

كان يمكن لهذه الشاعرة ان تفلسف حياتها وتختبر اسئلتها الوجودية في الغربة بمعنييها المادي والمجازي.. ولكنها آثرت ان تدون حياتها نشيدا مبحوحا في شعر حر وقصيدة نثر، لا تمرداً على الوزن الذي لا تعترف به أصلاً، بل للرد على عبث الحياة بعبث الكتابة. والعبث غير اللهو وان كان الجمال يشيد بدور الشاعر بما هو انسان لاعب.
ليست هذه القصائد حشرجة. ولكنها ضربات حبيس التابوت على الخشب بعد ان صحا فاكتشف انه على قيد حياة هو جدير بها.. شعر متميز لشاعرة متميزة.


أحمد دحبور
تعليقـــات حول الموضوع
أضف تعليق
  الاسم *
 البريد الالكتروني *
 البلد*
 عنوان التعليق*
 التعليق*
ملاحظة:الحياة الجديدة غير مسؤولة عن التعليقات وهي تعبر عن رأي الكاتب فقط
الأربعاء 13أيلول 2006 العدد 3916  
الأولـــــــى
الحياة المحلية
اقــــلام
الحياة الاقتصـــادية
الحياة الرياضــــية
اسرائيليــــات
كاريكاتـــــير
منوعــــــــات
الحياة الثقــــافية
  الحياة الجديدة
اتصـــــل بنا


ملخص تقرير غولدستون بالعربي
تقرير غولدستون بالانجليزي

نص الورقة المصرية للمصالحة


16 26
15  25
17  27
15  25
18  30
15  25
17  28
17  28
22  36
18 26



3.790 3.820 
4.8805.000 
5.300 5.410 
0.707 0.709 


  
©2006 حقوق الطبع محفوظة
This site is designed by InterTech Co.