أقلام  

تجهيز نسخة للطباعةأرسل المقال

عيد الاربعاء - أحمد دحبور

في مئوية هنريك أبسن! عودة الى "البطة البرية"..

تحتفل النرويج والبلاد الاسكندنافية، هذه الفترة، كذلك المثقفون وعشاق المسرح في العالم، بالذكرى المئوية الاولى لرحيل الكاتب الفذ هنريك أبسن، الذي اضافه جورج برنارد شو الى قائمة شكسبير في سجل العلامات النوعية لتاريخ المسرح. واذا كنا، نحن العرب، نهتم بين مسرحيات أبسن باثنتين على وجه الخصوص هما >اعمدة المجتمع< و>بيت الدمية<، فقد كان ممكنا ان افكر في تناول احداهما لهذه المناسبة، ولكنني تناولت >بيت الدمية< في وقت سابق، وفي هذه الصفحة تحديدا، اما >اعمدة المجتمع< فرأيت انها مشهورة الى حد أشك معه في ان يكون عندي جديد يتعلق بها. وهكذا اهتديت الى مسرحية أبسن >البطة البرية< التي كثيرا ما وصفها نقاد ذوو صدقية عالية بأنها اهم اعماله، او - في اقل تقدير - بأنها تفوق >بيت الدمية< من حيث الضبط الدرامي والعمق، فضلا عن امتثالها لمشروع أبسن في تعرية المجتمع، وهو ما لم يشذ عنه في أي من أعماله الكبيرة..
طبعا، نعلم ان هنريك أبسن من مواليد عام 1828، في النرويج، وانه توفي عام 1906، وبين هذين التاريخين تنتشر ثمان وسبعون سنة من الموهبة المتأججة والعطاء النوعي. ومع ان مسرحياته متهمة بشيء من التجهم والجدية، الا ان الجانب المهني فيها يختلف حاله من التشويق والاثارة، فضلا عما تتميز به هذه المسرحيات من اشغال للذهن وتحديات للفكر، يعينها على ذلك تدافق الحوار وسلامته. فهنريك أبسن يجمع الحبكة المسرحية المتقنة، الى الرمزية الشفافة التي تفتح آفاقا يطل منها المتلقي، متفرجا او قارئا، على ما وراء الكلام، الى متعة المنطق الذي يتسلسل ويتدرج في تعميق الخط الدرامي وفي تقديم الرسالة المرجوة من المسرحية على حد سواء. وقد مر أبسن بأساليب تختزل مسيرة المسرح في اوروبا. فمن المسرحية الكلاسيكية المتقنة، الى المسرحية التي تستبدل الحل التقليدي بالمناقشة التي تفسر العمل وتقود الى الخاتمة، وصولا الى المسرحية الرمزية التي تتماشى مع النزعة الواقعية، حتى ليمكن وصف مسرح أبسن بأنه مسرح أفكار ومعان ووقائع ورموز، مع التشديد على مزاجه الثوري الذي يمنح البعد الاجتماعي قوة راديكالية نوعية، وقد اجتاز ثلاث مراحل تبدأ بالتاريخية وتمر بالرومانسية الشعرية وتتوجها المرحلة الاجتماعية.
في مكتبتي من مسرحيات أبسن، اذكر >بيت الدمية - اعمدة المجتمع - بيت آل رومرز - حورية من البحر - البطة البرية< ولكن هذا لا يعني انني لم أقرأ له >الاشباح - هيدا جابلر - عدو المجتمع< فضلا عن ان له مسرحيات في ذاكرة الدراما العالمية مثل >عندما نبعث نحن الموتى< و>ايولف الصغير< و>البناء العظيم< و>بيرجنت<، ولم يحدث ان مرت له مسرحية مرور الكرام على الخشبة، فقد كان كل عمل له حدثا نوعيا، حتى لو اختلفت فيه الآراء، وهو ما يفسر استمرار حضوره القوي الى الآن بعد مرور قرن كامل من الزمان على رحيله.

البطة البرية
كان من عادتي ان الخص العمل الذي اشتبك معه، لأتيح للقارئ، الذي لم يطلع عليه، أن يأخذ فكرة عنه تمكنه من المتابعة معي.. وكنت بعد ان انهي من التلخيص، اعتذر عن عدم تمكني من الحفاظ على روح النص. فالتلخيص يخل بالجوهر مهما كنت أمينا. اما الآن، في حضرة أبسن وبطته البرية، فأنا أعلن، قبل أن أبدأ، يأسي المطلق من أن يفي تلخيصي بالغرض. ذلك ان قوة هذه المسرحية تتركز اساسا في طريقة العرض، حتى لتكاد تكون قائمة على بنيتها الفنية المدهشة. فأنت ما إن تبدأ القراءة - والستارة ما إن ترتفع عن الفصل الاول - حتى تكون معظم أحداث المسرحية قد وقعت، وتكون مهمة الشخصيات ان تضيء للقارئ والمتفرج ما فاتهما من وقائع، ثم تمضي الفصول الخمسة في رحلة شيقة عجيبة مركبة، تكشف احداثا مضت، وتقودنا الى الأحداث الجديدة التي لا تتوقف الا بوقوع المأساة الختامية.
بعد هذا الاحتراز الاعتذاري، احاول عرض الخطوط العامة للمسرحية، بالاشارة الى اسرة هيلمر اكدال المؤلفة منه ومن امرأته جينا وابنتهما هدفيج. هو يعمل مصورا فوتوغرافيا وتساعده جينا بعملية الرتوش، وبيتهما الصغير يستوعب الاستديو والسكن وغرفتين صغيرتين للايجار. في احدى الغرفتين يقيم الدكتور رلنج ومولفيك طالب اللاهوت السابق الذي تحول الى سكير، أما الغرفة الثانية فيحل فيها المستأجر جريجرز فرليه الذي يعتلي كيان الاسرة عقبا على رأس، عندما يواجه هيلمر صاحب البيت بالحقيقة المرة، فهو يخبره ان أباه هاكون فرنيه كان على علاقة بامرأته جينا، وأن هذا الأب انما ساعد هيلمر على بناء الاستديو بسبب هذه العلاقة. ولا يلبث هيلمر ان يعرف اكثر مما يجب، اذ يكتشف ان هدفيج ليست ابنته بل هي ابنة هاكون فرنيه. وتتعزز هذه المعلومة بخطاب يقع في يد هيلمر، وقد كتبه هاكون فرنيه الى هدفيج يبلغها انه سينظم مرتبا ضخما لجدها مدى الحياة، وأن هذا المرتب سيجري عليها بعد ذلك..
ويكون هذا الاكتشاف المروع مناسبة لإدارة صراع ذهني على مستوى الأخلاق بين المثالية كما يعبر عنها جريجرز وما يسمى بكذبة الحياة كما يشرحها الدكتور رلنج. وفي خضم هذا الصراع ترمز البطة البرية لشخصية هدفيج، الفتاة البريئة. فهي بطة معطوبة تحتاج الى الحماية ولكن يمكن التضحية بها. وحين يكتشف هيلمر أن هدفيج ليست ابنته الحقيقية، ينفر ويرفضها، فيطلب منها ريجرز ان تقتل البطة البرية، العزيزة عليها الى أبعد حد، لتثبت لأبيها غير البيولوجي هيلمر استعدادها للتضحية من أجله بأعز ما يمتلك، حتى لو كانت البطة البرية.. لكن هدفيج تفعل ما هو أكثر، اذ تقتل نفسها، فهي البطة البرية الحقيقة التي لا تظهر اهميتها الا بعد هذه التضحية المثالية التي تزعزع كيان هيلمر والأم جينا، وتدفع الجميع الى اعادة النظر في مفهومات المثالية والأخلاق والوفاء.

رمز حساس
تحتل البطة البرية مكانة رمزية حساسة في هذه المسرحية، حتى أنها تستأثر بالعنوان. ومع ذلك لا نرى منها ريشة واحدة، انها ظاهرة تشغل الشخصيات الرئيسة جميعا بالحديث، لكن المسرحية لا تفصح عنها. وقد كان أبسن يعرف ما يفعل. فهو يوحي بأن البطة البرية هي فكرة في الأساس. ولما كان أبسن كاتبا رمزيا بقدر ما هو واقعي، فإن الشحنة الرمزية التي يغذي بها البطة البرية، سرعان ما تحولها الى معادل موضوعي مركب. فهي معادل موضوعي لشخصية هدفيج، تلك الفتاة البريئة الهشة المهددة بالعمى الوراثي، والتي هي قرة عين هيلمر طالما كان يظن انه ابوها البيولوجي، ولكنه سرعان ما نفر منها بعد أن أدرك انها ابنة فرنيه. وقد نصحها جريجرز - وهو اخوها غير الشقيق من جهة أبيها - بالتخلص من البطة البرية بقتلها، لتثبت لأبيها غير البيولوجي هيلمر أنها تضحي حتى بالبطة البرية، وهي معادلها الموضوعي، في سبيل ان تبقى ابنة حقيقية لهيلمر وجينا.
لكن البطة البرية اكثر من معادل موضوعي لهذه الفتاة المنكودة. انها ذلك الشيء العزيز الثمين الموجود في حياة كل منا، الذي لا نشعر بأهميته الا بعد ان نفقده. تقول هدفيج واصفة علاقتها بها: >لقد جاءتنا البطة البرية هي الاخرى كهدية، ومع ذلك فأنا أحبها أشد الحب<.. وعندما نتذكر أن هدفيج انما جاءت لهليمر اشبه بالهدية، ولكن من حيث لا يدري - فقد كان يظن انها ابنته الحقيقية - ندرك انها كالبطة البرية تماما من حيث انها هدية، بدليل احساسه بالفجيعة الهائلة عندما تقتل هدفيج نفسها. لقد طلب منها ريجرز ان تقتل البطة البرية لاثبات وفائها لأبيها غير البيولوجي، فقتلت البطة الحقيقية، غير البرية، أي نفسها. وكان امرا ذا دلالة أن هدفيج، بعد ان اطلقت النار على نفسها، لم تتلفظ بكلمة واحدة. لقد ماتت فورا، في حالة من التماهي التراجيدي مع معادلها الموضوعي الذي تجسده البطة البرية العجماء. واذا كانت البطة البرية معطوبة منذ ان ظهرت في ذلك البيت - فهي مصابة بطلق ناري في جناحها وتعاني من اثر عضة كلب - فان هدفيج ظهرت في حياة هيلمر معطوبة ايضا. فهي مهددة بالعمى. وهيلمر وجينا يحبانها مرتين: مرة لأنهما ابواها او هكذا يظن هيلمر، ومرة لأنها ضعيفة. والانسان يحب ابنه المريض حتى يشفى. لكنه حب متأصل في المشاعر لا ندرك حجمه الحقيقي الا بعد فوات الأوان، فما بالك بهيلمر اذا ادرك انه انما فقد هدفيج، بطته غير البرية، بسبب تعلقها به. فقد قتلت نفسها افتداء لحبه لها، مع انها لا يد لها في الا يحبها. وقد فازت بما استشهدت من أجله، لكن حياتهما، كانت الثمن.

نفعية ومثالية
لا يوجد نفعيون في هذه المسرحية، فحتى هاكون فرنيه، الثري المتنفذ الذي ينال ما يريد بالمال، يحافظ على مستوى انساني في اعماقه، لكن بطريقته الجائرة، فقد طارد جينا حتى حملت منه وهي تعمل خادمة في بيته، ونكل بصديقه الضابط القديم اكدال حتى دفعه الى المهانة والفقر. لكنه من جهة ثانية حاول ان يضمن مستقبل جينا فزوجها هيلمر الذي هو ابن اكدال، وحاول ان يعوض عن اكدال فوجد له عملا عنده ناسخا للمعاملات. وأخيرا جبر ان يساعد هدفيج، ابنته غير الشرعية، برصيد مرتب لها حتى نهاية العمر. لكننا، على مستوى آخر، نرى ان هذه الخطوات ليست الا رشوة لضميره المعذب، هذا الضمير الذي ينمو بشكل متطرف لدى ابنه ريجرز، الذي نشأ مثاليا حتى الحماقة، فهو لم يطق ان يظل في كنف أبيه الثري عندما ادرك مخازي هذا الأب. وضحى بالثروة الهائلة التي يمكن ان يرثها عنه. لكنه أخطأ بشكل قاتل عندما أسبغ مثاليته المتطرفة على سواه، فأبلغ الى هيلمر حقيقة لا حدود لقسوتها، هي أن أباه هاكون فرنيه هو الوالد الحقيقي لهدفيج. وهذا يعني رزمة كوارث لهيلمر الذي ادرك دفعة واحدة ان امرأته الوفية جينا هي ذات ماض، وأن هدفيج ليست ابنته، وأن الاستديو الذي يعتاش منه انما منحه اياه هاكون فرنيه ثمنا لغلطة جينا. ولما كان هيلمر يحلم باختراع لتطوير التصوير، فقد بدا له أن هذا الحلم قائم على وهم وخديعة. ولهذا لم يملك الا أن يغادر البيت. ولكن الى أين؟ لقد حاول الانتحار مرة ولم يستطع فقال: >ان البقاء على قيدة الحياة يتطلب شجاعة غير عادية<.. لكن أي شجاعة؟؟.. فقد بقي حيا ولكن بلا شجاعة. ومع ذلك يظل هيلمر مثاليا بدوره. فهو يعتبر نفسه مدينا، مع الفائدة، لها كون فرنيه بكل ما أعطاه، وهو لا يريد أي شيء من البيت الذي قرر أن يغادره.
في هذا الزحام تبدو جينا شخصية مسكينة مكسورة. وهي بذلك على النقيض من شخصية نورا، بطلة مسرحية أبسن >بيت الدمية< التي اججت مشاعر نساء اوروبا عندما صفقت الباب. لكن انكسار جينا هو شكل من اشكال انتصار أبسن للمرأة. فهو عندما قدم هذه الشخصية الضعيفة، انما ربط ضعفها باستغلال الرجل واستحواذه وهيمنته. لقد جبنت امام مخدومها فحملت منه، وجبنت امام زوجها فلم تصارحه بماضيها. وجبنت امام ابنتها هدفيج فلم تستطع ان تحميها. ولم تكن تطلب اكثر من الأمان، فخسرت الأمان وابنتها معا. ومع ذلك يمكن اعتبار جينا شخصية مثالية اذا اعتبرنا المثالية، في احد مستوياتها، هي المحافظة على القيم. وجينا لم تفرط بالقيم بل عجزت عن أن تحميها، فلم يكن أمامها الا ان تحافظ على المظاهر، وكانت النتيجة هذه المأساة. لقد قال أبسن في مسرحيته >اعمدة المجتمع< ان الصدق والحرية هما عماد اعمدة المجتمع. وقد سقطت هذه الاعمدة على رأس جينا في مسرحية >البطة البرية<.

كذبة الحياة
على النقيض من شخصية جريجرز المثالية الحمقاء، ومن شخصية هيلمر المثالية المهزوزة، تقف شخصية الدكتور رلنج المؤمن بما يسميها كذبة الحياة. فهذا الطبيب الواقعي لا ينظر الى الحياة بمنظار القيم والمثل العليا بل يأخذ على ريجرز عدم واقعيته، ويلومه قائلا: >انك ترتكب أفحش الاخطاء كلما تصورت مخلوقات مثالية رائعة في كل من ترى حولك. فها أنت تدعو الى نداء الكمال الأمثل، بينما الناس لا قبل لهم على الاستجابة<.. ود. رلنج هذا يربط بين كونه طبيبا ودوره في الحياة حيث >من واجبي أن امد يد المؤاساة والعون لجيراني التعساء بابقائهم في كذبة الحياة<. واذا بدت نظرية كذبة الحياة هذه غير واضحة لأول وهلة، فانه يعطي مثلا في شخصية صديقه مولفيك. وليس مولفيك هذا الا طالبا سابقا في اللاهوت، قد ارتد عن دراسته وتحول الى سكير، فأقنعه د. رلنج بأن عليه عفريتا؟؟ وقد يبدو كلام د. رلنج ضربا من الهذيان لو لم منفهم منه ان الخلاص من المشكلات يقتضي ان نتجاهلها. فهو لا يلوم صديقه طالب اللاهوت السابق على تدهور وضعه، بل يقنعه بأن نصيبه من الدنيا هو ان عليه عفريتا، قد يكون هو الحظ او المزاج، او الظروف. وهو - اي د. رلنج - راض عن اكدال والد هيلمر الذي هرب من هزائمه واخفاقه الدائم باقناع نفسه بأنه صياد، فاقتنى ارانب وبطا وفراخا وراح >يصطادها< وهي في الحظيرة بين وقت وآخر. وكان يمكن لهيلمر، من وجهة نظر د. رلنج، ان يهرب من همومه بانشغاله في اوهام اختراعه الخاص بالتصوير الفوتوغرافي لولا ان ريجرز افسد عليه حياته باعادته من كذبة الحياة الى حقيقة ان هدفيج ليست ابنته. ويرد ريجرز على د. رلنج بأن الكذب لا ينفع وانه عقد العزم >على ازالة الغشاوة عن عيني هيلمر ليرى الارض التي يقف عليها<.
ولكن بعد ان قتلت هدفيج نفسها، وحاول مولفيك ان يواصل كذبة الحياة فيقول ان الطفلة لم تمت، بل ترقد في سبات عميق، نرى ان الطبيب يستيقظ في شخصية د. رلنج فيصف زعيم صديقه مولفيك بأنه كلام فارغ.. لأن كذبة الحياة تتوقف عند حقيقة الموت. وهو يراهن على ان هيلمر سينساها بعد سنة، بمعنى ان النسيان حليف كذبة الحياة، معلنا: >لن تكون الحياة بالغة السوء اذا تخلصنا من اولئك الحمقى الذين يطاردوننا نحن المساكين بالمثل العليا<.. ولكن أبسن، بوصفه كاتب المسرحية، لا يمكن أن يمنح نظرية د. رلنج شرف انها الحل البديل لمشكلات العالم. فهنريك أبسن شخصيا هو كاتب مثالي، ولهذا نرى رلنج يهلع حين يبدو ان ريجرز المثالي يقتنع بأفكاره، فينهي المسرحية بكلمة واحدة: يا للشيطان.. وهكذا تشكل المثالية والنفعية صراعا سرمديا بلا حل مقنع.

اوهام الرسالة
يبدو ان د. رلنج قد وقع على صيد ثمين في وجوده بين شخصيات هذه المسرحية، فهو، بوصفه طبيبا، يستعين بلغة الطب ويشخص حالة ريجرز بالمعاناة من التهاب حاد في الضمير. اما هيلمر العاجز عن تحقيق شيء هام، فهو يعاني من الوضع المزري الذي انتهى بأبيه من صياد دببة الى عجوز معتوه يظن نفسه صياد طيور، ويعاني كذلك من الاخفاق في بيت صغير لا يلبي طموحه، فيعلن انه سيحقق رسالته. ولكن ما هي رسالة هيلمر؟ انه قبل كل شيء يبدأ من موقع سلبي، من الدفاع لا الهجوم. فقد سهر في بيت الغني هاكون فرليه - قبل ان يكتشف الحقيقة طبعا - وحاول وجهاء القوم ان يتسلوا معه فطلبوا منه قراءة بعض الشعر، لكنه رفض. ويعلق بعد ذلك قائلا:
>يجب الا يكون الانسان طوع أمر الآخرين.. لست انا على أي حال< ويحاول تعزيز فكرة انتصار لنفسه فيضيف: >لا افهم لماذا اكون انا الذي يسليهم في هذه الحفلات، فليفعل ذلك اولئك الذين يجب ان يفعلوا شيئا مقابل الطعام الفاخر الذي يتناولونه<.. وهذا خطاب فاخر فاقع لولا مشكلة صغيرة، هي ان هيلمر نفسه كان من اولئك الذين يتناولون الطعام الفاخر. انه انموذج للمثقف الذي حصل من الوعي ما يكفي للانتباه الى نقاط ضعف الوسط المحيط به، لكن الممارسة لم توفر له الحضور الكافي للخروج من دائرة الضعف تلك، فهرب الى اوهام انه صاحب رسالة. ولما كانت الرسالة في المجتمع تقتضي ان يكون صاحبها خلاقا، فقد اوقع نفسه في وهم الاختراع، وراح يشرح بلا كلل اهمية اختراقه الذي سيدر عليه ربحا وفيرا من عوائد التصوير الفوتغرافي. لكن وقائع الأحداث تشير الى ان هذا الاختراع لن يتحقق. ولو تحقق - وهذا غير وارد - فانه سيكون في كنف هاكون فرليه صاحب المأدبات التي يتناول فيها الطفيليون والادعياء طعامه الفاخر وزد على ذلك ما سيكتشفه هيلمر فيما بعد، من ان فكرة التصوير من اساسها هي فكرة فرليه نفسه، ثمن علاقته السابقة بامرأة هيلمر.. اي ان رسالة هيلمر الموهومة اشبه بالزوبعة في الفنجان من حيث انها تدور وهي في مكانها المحدود المغلق.
هذا المثالي الحالم الواهم. هو انموذج المثقف العاجز، هو ابن ابيه بامتياز. بل ان أباه المهزوم سبق له ان حقق نجاحا من نوع ما عندما كان ضابطا وصياد دببة، لكنه حين انهدم عالمه وخسر مكانته وقدراته، لم يعلن عن رسالة وهمية ومسمديها الى المجتمع كما فعل ابنه، بل تحول الى صياد خيالي لا نفع منه ولا مستقبل امامه.
ترى، هل جعل هنريك أبسن من اسرة اكدال المنكودة مثالا لذوي المصائر المعطلة، اولئك الذين تحملهم اوهامهم الى المرايا التي سرعان ما تكشف لهم انهم هم من يحملون تلك الاوهام ويسمونها رسالة؟

حيث لا بطولة
قيل في مسرحية أبسن هذه انها خالية من البطولة، حتى ان الاخلاق المثالية التي يتمتع بها ريجرز فرليه لم تكن كافية لتجعله يحتفل بها، او لتجعل المجتمع يهنئه عليها. كذلك الفكرة المضادة المتعلقة بكذبة الحياة، لم تمنح د. رلنج فرصة ليكون صاحب القول الفصل في هذه المسرحية. وعندما بدأ فرليه الأب كريما مع اسرة اكدال، تبين انه يسدد ثمن اخطائه الفاحشة. ولم تستطع جينا ان تظفر بدور الشهيدة التي تحصل على عطف الجمهور مع انها تستحق ذلك. اما الفتاة البريئة هدفيج، فهي - بشكل او آخر - تذكرنا بمأساة اوفيليا في مسرحية هملت، التي لم يعطها شكسبير نقطة عزاء واحدة وهي التي لا ذنب لها، الا انها وجدت نفسها في بيئة مدانة، ولا خلاص لها في اي مكان، مهما مدت يديها الى خشبة الخلاص.
هل معنى ذلك ان >البطة البرية< هي مسرحية متشائمة؟.. لا أظن، ولم أقرأ لأي من النقاد رأيا يفيد هذا المعنى. ولكن هنريك أبسن التواق الى البطولة والمثل العليا، يعي ان الحياة ذات بناء عجيب متناقض. هي هكذا وعلى خلاف ما هو هكذا. ولهذا يجب ان نعيد النظر في تفسير عرض أبسن لوقائع المسرحية، فقد ابتدأنا بالقول اننا حين ترتفع الستارة ونلاحظ ان القسم الاساس من حوادث المسرحية قد مضى وما علينا سوى المتابعة، واذا اعطينا علامة نجاح للكاتب في هذا، من حيث انه حقق لذة النص تشويقا واثارة ومتابعة، فإن للكاتب هدفا اكبر وأهم. هو ان يصف الحياة كما هي. فنحن لا نعيش حياتنا من نقطة الصفر، بل نجد انفسنا في مجتمع يواصل مسيرته وما علينا الا ان نأخذ دورنا فيه. وفي هذا الزحام قد لا تنتظرنا البطولة عند الباب، ربما ولا في نهاية الطريف. لأن البطولة الحقيقية هي مواصلة الحياة، ولكل شيخ طريقة في ذلك..
ربما لهذا السبب كان أبسن عادلا مع النقيضين، ريجرز المثالي ود. رلنج القابل بكذبة الحياة، وليس معنى ذلك ان المسرحية محايدة، فهنريك أبسن صاحب رسالة حقيقية وليس مثل هيلمر المنكود. ورسالة أبسن هي التي حددها في رائعته >اعمدة المجتمع<: ان نعيش ممتلئين بروح الصدق وروح الحرية..
تعليقـــات حول الموضوع
أضف تعليق
  الاسم *
 البريد الالكتروني *
 البلد*
 عنوان التعليق*
 التعليق*
ملاحظة:الحياة الجديدة غير مسؤولة عن التعليقات وهي تعبر عن رأي الكاتب فقط
الاربعاء 14 حزيران 2006 -14العدد 3825السنة الحادية عشرة  
الأولـــــــى
الحياة المحلية
اقــــلام
الحياة الاقتصـــادية
الحياة الرياضــــية
اسرائيليــــات
كاريكاتـــــير
منوعــــــــات
الحياة الثقــــافية
  الحياة الجديدة
اتصـــــل بنا


ملخص تقرير غولدستون بالعربي
تقرير غولدستون بالانجليزي

نص الورقة المصرية للمصالحة


16 26
15  25
17  27
15  25
18  30
15  25
17  28
17  28
22  36
18 26



3.790 3.820 
4.8805.000 
5.300 5.410 
0.707 0.709 


  
©2006 حقوق الطبع محفوظة
This site is designed by InterTech Co.