|
|
|
| |
أقلام
|
|
 |  |
علامات على الطريق
يحيى رباح
من يضع جدول الأعمال؟؟؟
| أحداث يوم الجمعة الفائتة في مدينة غزة هي أحداث أكثر من مؤسفة، بل إنها أحداث خطيرة للغاية، وربما تكون جزءا من عملية تمهيد الميدان لما هو أخطر وأشمل.
ولنبدأ بالتفاصيل حيث أودى انفجار بحياة القائد الميداني أبو يوسف القوقا، وهو القائد العسكري للجان المقاومة الشعبية والانفجار نسب إلى إسرائيل التي سارعت إلى نفي الاتهام،مع العلم أن إسرائيل تستطيع أن ترتكب الجريمة ليس بالوسائل التقليدية المعروفة مثل إطلاق صاروخ من طائرة أباتشي أو طائرة دون طيار!!! بل تستطيع ارتكاب الجريمة بوسائل أخرى عديدة !!! فمن المعروف للقاصي والداني أن إسرائيل لديها اختراقات واسعة، وأنه ما من فصيل أو مجموعة عسكرية فلسطينية تستطيع الإدعاء أنها عصية بالمطلق على هذه الاختراقات، فحتى الدول الكبرى جدا لا تستطيع أن تدعي ذلك!!!
ولكن السؤال لماذا اختارت إسرائيل ارتكاب هذه الجريمة على هذا النحو وخلال قيام الحكومة الجديدة ـ حكومة حماس ـ بتسلم مهامها؟؟؟ والإجابة واضحة تماما، أن إسرائيل تريد أن تقوم هي بوضع جدول الأعمال، وأن تفرضه وأن تغرقنا به عكس الاتجاه الوطني الذي يسعى إلى ترتيب الأولويات، ووضع جدول الأعمال بما يحقق أكبر قدر من المصلحة الوطنية، حيث إسرائيل تريد أن يكون موضوع السلاح الفلسطيني، السلاح الذي في يد الفصائل والمجموعات والأفراد والعائلات هو البند الأول على جدول الأعمال، وهو الاختيار الأقسى الذي تبدأ به الحكومة الجديدة باكورة أعمالها، وبالتالي، فإن الاشتباكات المحلية التي انتشرت في مدينة غزة يوم الجمعة الفائتة، وأدت إلى مقتل ثلاثة وإصابة العشرات، إنما تصب بالمطلق في خانة الهدف الإسرائيلي، وتساعد بشكل واضح على فرض جدول الأعمال الإسرائيلي!!!
ولا يفيد في هذه الحالة تبادل الاتهامات، والتنصل من المسؤولية، خاصة وأن كثير من التفاصيل التي تجري أمام عيوننا تصب كلها في تمهيد الساحة الفلسطينية لما هو أخطر من ذلك بكثير، أي توسيع رقعة هذه الاشتباكات إلى ما يشبه الحرب الأهلية!!! أقول ذلك، وأعرف أن كثيرين سوف يستعيذون بالرحمن من الشيطان عند سماعهم لهذه الكلمة ـ الحرب الأهلية ـ وخاصة أنهم ينامون على حرير الطمأنينة بأن فلسطين ليس فيها طوائف ولا أعراق تنطلق منها شرارات الحرب الأهلية، وهذا صحيح، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولكني أعتقد أن هناك عمليات شحن اجتماعي وسياسي تجري منذ فترة، وأن يد القوى الإقليمية والدولية ليست بعيدة، وأن السلوكيات السياسية في الساحة لم تكن بالحكمة المطلوبة لسد الطريق أمام الأخطار المحتملة في هذه الاتجاه!!! واسمحوا لي أن أسجل بعض النقاط الرئيسية في هذه الاتجاه:
النقطة الأولى هذا الفشل الذي يتحمل مسؤوليته الجميع في عدم القدرة على تشكيل حكومة وحدة وطنية، فالموضوع ليس نوعا من الترف، وإنما هو موضوع جذري وهام جدا، وكان يتوجب على حماس وعلى حركة فتح بشكل أساسي خلق الظروف المواتية لتشكيل حكومة وحدة وطنية بأوسع ائتلاف ممكن.
النقطة الثانية أن القوى الإقليمية والدولية جعلت من فوز حركة حماس في الانتخابات حدثا مضخما جدا، وهولت من أمر هذا الفوز، وخلطته بتعمد مع الدعوة إلى الويل والثبور، وكل ذلك خدمة لأهدافها الإقليمية والدولية، وليس حرصا على مصلحة الشعب الفلسطيني، مع أننا في كثير من أنحاء العالم شاهدنا فوز أحزاب وحركات وكيانات سياسية لم تكن موضوعة على قائمة الفوز أصلا، مثلما جرى في أميركا اللاتينية، وفي بعض مناطق أوروبا وأفريقيا، وآسيا، وكان من الواجب فلسطينيا تطبيع هذا الفوز ووضعه في سياقه الحقيقي والمعقول، وليس الغرق في الدعايات المضخمة التي صاحبته وجاءت من مراكز إقليمية ودولية لها حساباتها المختلفة عن حساباتنا!!!
النقطة الثالثة أن الدعاية السياسية داخل الساحة الفلسطينية ارتكزت على موضوعات حساسة جدا، ويجب الحذر في التعامل معها، وعدم الانسياق الأعمى وراءها، مثل موضوع الفساد والحديث عنه ليل نهار بطريقة فيها قدر كبير من الرعونة وعدم المسؤولية، لأنه في ظل الإحباط السياسي الكامل الذي مصدره الاحتلال، وفي ظل الوضع الاقتصادي البائس الذي سببه الاحتلال، فإن الحديث بهذا الحجم وهذه الطريقة عن الفساد، واعتباره الركيزة الوحيدة للدعاية السياسية، أمر في غاية الخطورة، لأنه يشحن النفوس، ويوصلها إلى نقطة الاشتعال، ويقذف بها في أتون الاحتكاك الوطني الواسع!!! وليس معنى ذلك أن نغض النظر عن الفساد، بل المطلوب وضع هذا البند في مكانه الصحيح، وحجمه المناسب، وإدارته بشكل عملي، أي إجراءات قضائية، وليس اعتباره ركيزة الدعاية السياسية!!! وأعتقد أنه ما زالت هناك فرصة لتدارك الأمر، بحيث لا نستسهل تكرار الحديث عن الفساد كما لو أنه الموضوع الوحيد الذي نعمل فيه مع عجزنا عن التقدم في الموضوعات السياسية والوطنية.
وإلحاقا لهذه النقطة فهناك الطريقة الثأرية التي تدار بها الدعاية السياسية حتى الآن، وعلى المسؤولين أن لا يطربوا للكثير من التحريض والنفاق الذي يسمعونه، وتصوير الأمور كما لو أن جيشا معاديا اجتاح حياتنا، وكما لو أن كل شيء على الإطلاق كان خطأ في خطأ، وحراما في حرام!!! هذا شيء خطير للغاية، وكثير من منابع هذه الدعاية السوداء هي منابع إسرائيلية مئة في المئة حتى لو تحدث بها أشخاص من الصف الوطني!!! يجب الانتباه بشدة، ومرة أخرى يجب الوصول إلى مستوى من التوافق بحيث نقوم نحن فلسطينيا بوضع جدول أعمالنا ولا نترك للاحتلال فرضه علينا، وأن نصوغ مبادراتنا ولا نقف مكتوفي الأيدي ونكتفي بردود الأفعال تجاه مبادرات الاحتلال!!! الأمر ليس سهلا، ولكن إرادتنا الوطنية مطلوب منها أن تنجح في الاختبار.
yahayrbah@yahoo.com |
|
|
|
|
|
|