أقلام  

تجهيز نسخة للطباعةأرسل المقال

يحيى رباح

علامات على الطريق-صناعة الوهم وصناعة القوة

شاهدت على شاشة احدى الفائيات العربية نقاشاً حول كتاب جديد لمؤلفة الكاتب وعالم الآثار اليهودي الأميركي «نورمان فلنكستاين» يوجه فيه انتقادات حادة لاسرائيل على ممارساتها العنيفة والاجرامية ضد الفلسطينيين، وخاصة في الحرب الأخيرة على قطاع غزة قبل سنة وأربعة شهور، ويعتمد فلنكستاين في كتابه على العديد من المقتطفات من تقرير القاضي «غولد ستون» المشهور، ومعروف أن «غولد ستون» هو يهودي أيضاً، من جنوب أفريقيا، محب لاسرائيل كما يقول هو نفسه، ولكن حبه لها لم يمنعه من انتقادها بشدة.
ما لفت نظري بقوة في النقاش، أن الدكتور مهدي عبد الهادي، وهو أكاديمي وباحث ومفكر فلسطيني مرموق، أكن له قدراً كبيراً من الاحترام، أعطى استنتاجات كبرى تعليقاً على كتاب فلنكستاين وغيره من مواقف النقد لاسرائيل الصادرة عن أفراد أو مؤسسات يهودية في داخل اسرائيل وخارجها، ووصل باستنتاجه الى حد القول بأن اسرائيل فقدت صورتها اليهودية كضحية، وفقدت صورتها الصهيونية_ على اعتبار الزعم بأن الحركة الصهيونية حركة تحرير وطني_ وفقدت صورتها الدولية، باعتبار أن اسرائيل ولدت بقرار دولي!!!
والسؤال الذي أطرحه بكل محبة، هل هذه الاستنتاجات صائبة، وفي محلها، وموضوعية، أم أن فيها قدراً كبيراً من الجنوح الى صناعة الوهم، وهي الصناعة الرائجة الآن في عالمنا العربي والاسلامي؟ دعونا نذهب الى اسرائيل، لنرى أنه لم يمر وقت من الأوقات الا وكانت تجد منتقدين أشداء سواء من رموز يهودية في العالم أو من أفراد وقوى ومؤسسات اسرائيلية في الداخل، وكان الجميع ينتبهون الى قوة هذه الانتقادات، ولكن قلة فقط هم الذين ذهبوا باستنتاجاتهم بعيداً.
في بريطانيا مثلاً، انتقد اللورد موين برامج الهجرة اليهودية الى اسرائيل، وكان جزاؤه القتل، ولكن الهجرة استمرت حتى يومنا هذا, وبرغم أنني لست متخصصاً في الدراسات الاسرائيلية، ولكنني أستطيع أن أعرض عدداً كبيراً من الكتب المهمة جداً لمؤلفين يهود التي انتقدت اسرائيل بوثائق دامغة منذ لحظة انشائها، وحتى أيامنا هذه، مثل كتاب «ألفرد ليلنتال» الشهير، THE PRICE OF ISREAL، وكتابات الحاخام المر بيرجر، وكتاب «سيمور هيرش» عن السلاح النووي الاسرائيلي THE SAMSON OPTION، وكذلك التقارير التي سربها فعنونو، والكتب الهامة التي أصدرها نعوم شومسكي وخاصة كتابه THE FATE TRIANGLE، وكتابه TRRORISM CULTURE OF THE والكتاب الخطير الذي أصدرته حركة ناطوري كارتا JENOCID IN ISRAEL عن الأطفال اليهود اليمنيين « خمسة ألاف طفل « الذين سرقتهم السلطات الاسرائيلية من أهلهم، مدعية أنهم ماتوا وباعتهم لعائلات اسرائيلية ثرية في أميركا وكندا وأوروبا، لان هذه العائلات غير قادرة على الانجاب , وكتاب زئيف ستيرن هيل THE FOUNDING MYTHS OF ISRAEL هذا بالاضافة الى عشرات من الكتب التي أصدرها من يعرفون بالمؤرخين الجدد، ومن أبرزهم بني موريس»، وكشفوا بالوثائق ما ظلت اسرائيل تنكره على طول الخط، وهو استخدام المجازر الوحشية لدفع الفلسطينيين الى مغادرة مدنهم وقراهم ومضارب خيامهم في عام 1948، يضاف الى كل ذلك ما كتبه عشرات من الكتاب والشعراء والروائيين والقصاصين في اسرائيل وخارجها من أشعار وروايات ونصوص أدبية أخرى، تنتقد اسرائيل انتقادات عميقة وحادة، كل هذا وأضعافه المضاعفة، جرى على امتداد الاثنتين والستين سنة الأخيرة، ولكننا حتى الآن لم نرى اسرائيل في حالة يرثى لها, بل ظلت أقوى قوة في الشرق الأوسط وأصبحت اكبر مصدر للتكنولوجيا المتقدمة في العالم ومن بينها التكنولوجيا العسكرية والزراعية والطبية والالكترونية، ويكفي أنها اكبر مصّدر للصين والهند اللتين هما اكبر أمتين في العالم !الفكرة التي تروجها بعض الأطراف هذه الأيام، ويقع فريستها الكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب والمسلمين « باجر أو بدون وعي « بان اسرائيل تنتهي الى زوال من تلقاء نفسها، أو لمجرد انتقادات توجه لها على أيدي بعض اليهود أو غير اليهود، هي فكرة ساذجة، ولكنها خطيرة، لأنها تدخل في صناعة الوهم، بينما اسرائيل نفسها تستمع الى منتقديها على طريقتها الخاصة، سواء كانوا من داخلها أو خارجها، وتصلح الأخطاء وتتخلص من المثالب والنواقص، وتستعيض عن صناعة الوهم بصناعة القوة !!! فاسرائيل لم تنتظر القانون الدولي لكي تنجز سلاحها النووي في نهاية الخمسينيات !!! واسرائيل بمؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية والقانونية قرأت بدقة تقرير فينوغراد عن التقصير في حربها ضد لبنان صيف 2006 وتقرير غولد ستون عن حربها ضد غزة 2009، وهي لن تغرق في بحر الخوف من الفضائح الأخلاقية بل طورت أنظمة الدفاع الصاروخية القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، واستكملت بناء شبكة واسعة جدا من الملاجئ الحديثة، وتوسعت في صناعة الطائرات بدون طيار، وأصبح لديها عربات مدرعة بدون سائق، وأصبح لديها روبوت عسكري جندي آلي، ليس له أهل يبكون عليه حين تصيبه قذيفة معادية.
صناعة الأوهام تنطلق من فلسفة بعينها، وصناعة القوة تنطلق من فلسفة بعينها.
وقد ثبت أن الكثير من الأوهام التي نتداولها في حياتنا هي صناعة اسرائيلية بامتياز يتم تصديرها الينا، فكم مرة صدمنا حين اكتشفنا أن هذه الأوهام لا تصمد أمام الحقائق ؟
توهمنا أن اسرائيل لا تستطيع احتمال الخسائر في الحروب وأنها لا تستطيع أن تنام الليل اذا اسر احد جنودها !!! أو اذا فقدت جثة احد قتلاها, أو اذا انهالت الصواريخ فوق رؤوس مواطنيها في المدن الكبيرة أو المستعمرات الصغيرة, ثم اكتشفنا في لهيب الحروب والمعارك أن اسرائيل تحتمل أكثر بكثير من أوهامنا، بينما نحن نعبد الأوهام، ونصدق الأكاذيب الملونة، التي نروجها بأنفسنا ونكون أول ضحاياها.
وبعد،
فهل كتاب «نورمان فلنكستاين» يستحق النقاش الصاخب والاستنتاجات المبالغ فيها التي سمعتها على شاشة احدى الفضائيات العربية ؟


يحيى رباح
تعليقـــات حول الموضوع
أضف تعليق
  الاسم *
 البريد الالكتروني *
 البلد*
 عنوان التعليق*
 التعليق*
ملاحظة:الحياة الجديدة غير مسؤولة عن التعليقات وهي تعبر عن رأي الكاتب فقط
الأحد 9 أيار ( 25 جمادى الأولى ) 2010 العدد 5216  
الأولـــــــى
الحياة المحلية
اقــــلام
الحياة الاقتصـــادية
الحياة الرياضــــية
اسرائيليــــات
كاريكاتـــــير
منوعــــــــات
الحياة الثقــــافية
  الحياة الجديدة
اتصـــــل بنا


ملخص تقرير غولدستون بالعربي
تقرير غولدستون بالانجليزي

نص الورقة المصرية للمصالحة


8 18
7  17
9  19
7  16
10  21
7  17
11  21
11  21
15  26
12 20



3.465 3.495 
4.7904.810 
4.905 4.950 
0.707 0.710 


  
©2006 حقوق الطبع محفوظة
This site is designed by InterTech Co.