رجل عدن .. رواية شعرية للإسبانية كلارا خانيس

شريف عبد الله

كتبت كلارا خانيس روايتها "رجل عدن والسيدة ذات العيون الزرقاء" من وحى رحلتها إلى صنعاء لحضور اللقاء الشعري العربي الأسباني، وتعكس خلالها الحياة في العاصمة اليمنية التي يعيش فيها الإنسان مستخدما أحدث أدوات التكنولوجيا، مع احتفاظه بعاداته وتقاليده التي تعود إلى قرون مضت، مما يجعل اللقاء بين الكاتبة وزملائها من المبدعين العرب لقاء بين الحضارتين الغربية والشرقية، لقاء له مذاق خاص، يدفع ببطلة الرواية "المرأة الأوروبية، ذات العيون الزرقاء والحاسرة الرأس" إلى الغور في أعماق المدن اليمنية التي زارتها، وبشكل خاص صنعاء وعدن، لأنهما مدينتان تدعوان إلى المغامرة.
هكذا يقول الأديب والمترجم الدكتور طلعت شاهين في مقدمة رواية "رجل عدن والسيدة ذات العيون الزرقاء" للأديبة الأسبانية الشهيرة كلارا خانيس، وهى الرواية التي ترجمها د.طلعت إلى اللغة العربية، وصدرت عن "دار سنابل" بالقاهرة، وهى العمل الثاني لكلارا خانيس الذي يترجمه د.طلعت بعد ديوانها "حجر النار" الذي صدر عن المجمع الثقافي في أبو ظبي في العام 1998، والذي قدمت كلارا من خلاله صياغة جديدة لقصة الحب العذري "قيس وليلي".
ويقول د.طلعت شاهين مستطرداً: تجد بطلة رواية "رجل عدن" أول خيط سرى يجذبها إلى تلك الحياة فى "صبية الخبز" التي تحمل طبقها متجولة في شوارع صنعاء، وتحاول البطلة أن تتبعها لعلها تستطيع أن تقيم معها تفاهماً، يسمح لها بدخول "الحريم" المتخيل في عقلها الغربي، والذي لا تعرف عنه سوى ما طالعته فى "ألف ليلة وليلة" والأفلام السينمائية الغربية، التي كان اليمن مسرحاً لتصوير بعضها، وما تقرأه من كتابات انتشرت في الغرب مؤخراً حول وضع المرأة العربية، وما سمعته من حكايات لأشخاص يدعون أنهم زاروا بلادنا واطلعوا على أسرارها.
لكن افتقاد لغة الحوار مع صبية الخبز لم يمكن البطلة من اختراق الحاجز اللامرئي، فظلت على حدود المعرفة بالمجتمع الأنثوي المغلق على نفسه في اليمن، عندها قررت أن تلجأ إلى المثقفين العرب الذين تختلط بهم في الفندق، رغم أن حب استطلاعها لم يجد تشجيعاً من جانب زملائها من الجانب الأسباني، وكأن حالة من التوجس تلبستهم جميعاً، ودفعت بهم باتجاه الإبقاء على الحاجز بين الثقافتين، بدلاً من التوصل إلى تخطى هذا الحاجز الوهمي، فكانوا "أي الأسبان" يتجنبون الاختلاط بزملائهم من المثقفين العرب الذين يشاركونهم اللقاءات الثقافية، وحتى فى الفنادق وطاولات الطعام، فتقرر المغامرة وحدها. ويعرضها هذا البحث عن "المعرفة" للمجتمع العربي، إلى أن تصبح محط أنظار عيون الرجال العرب، من الشعراء والنقاد المشاركين في اللقاء الشعري، دون أن تنتبه إلى أن "المثقف" العربي أكثر تردداً من "صبية الخبز"، بل إن مرض هذا المثقف العربي المتمثل في "ازدواجيته" أو "فصامه" قد يُعَرِّض محاولاتها تلك لخطر حقيقي! .
توجه كلارا خانيس- يضيف د. طلعت شاهين- خلال الرواية كل طاقتها للعثور على مفاتيح العلاقة مع هذا المجتمع الذي تعيش فيه تلك التجربة المؤلمة والجميلة في آن، لعلها تستطيع أن ترضى هذا الرجل الذي أعجبها، وتجذبه إليها. وكل هذه الأحداث، تقدمها لنا الكاتبة من خلال قالب روائي أقرب إلى الشعر في لغته، بل وفى أجزاء كثيرة تشكل مقاطع الرواية قصائد حقيقية، يمكن اقتطاعها وقراءتها بعيداً عن سياقها، لكن عند إعادتها إلى سياقها تظل تشكل جزءاً من التسلسل الحدثي للرواية، بل وتضفى عليه مسحة صوفية تُعمِّقه، وتزيده كثافة، وتفتح له آفاقاً جديدة، وهذه التقنية متأثرة ولا شك بالثقافة العميقة للكاتبة في هذا المجال، ويمكن وصف هذه الرواية أيضاً بأنها "رواية شعرية"، وأجزاؤها ليست سوى "قصائد" تشكل وتصف حدثا روائيا.
وتشكل هذه الرواية جزءاً من محاولات كثيرة من جانب بعض المبدعين الغربيين لفهم الواقع العربي المعاصر، وعلاقاته الاجتماعية المتشابكة التي يغلفها الغموض بالنسبة للغربي، خصوصاً في ظل الوضع الراهن الذي يستغله أعداؤنا لتشويه صورتنا، فقد استخدمت الكاتبة المجتمع اليمنى ليكون نموذجها الذي أُتيح لها التعرف عليه، لتقدم رؤيتها للعالم الأوسع والأرحب، وهو العالم العربي، ومهما كان اختلافنا مع تلك الرؤية، فيجب أن نتعامل معها بشكل عقلاني، ونحاول أن ننطلق منها، لنقيم حواراً مع ذلك المجتمع الذي جاءت منه، لعلنا نستطيع أن نوضح ما انغلق عليها، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الرواية ليست سوى "عمل أدبي"، ولهذا الفن ضروراته الفنية المفروضة على المبدع.
وتنتمى كلارا خانيس شعرياً- كما يوضح د.طلعت شاهين- إلى ما يمكن تسميته "جيل الستينيات" الذي مهد وشارك في الثورة الشبابية في العام 1968، التي كانت تهدف إلى أن تكون تحولاً في الحضارة الأوروبية المعاصرة، لكن سرعان ما انتكست هذه المحاولة، لتسقط أوروبا في مستنقع الاستهلاكية المادية التي تطحنها الآن، ولا تترك لها مجالاً لترى أبعد من مكان قدميها، فذابت المثل العليا التي نادى بها هؤلاء الشباب تحت وطأة عمى الألوان السياسي للزعامات الأوروبية التي لا تزال ترى في الأمم الأخرى مشروع عبودية، والدول التي لا تنتمي إلى تلك القارة مشروع مستعمرات، لكن بعض هؤلاء الشباب، خصوصاً المبدع منهم، حاولوا الإفلات من تلك القبضة القاسية التي أمسكت بخناقهم، ليشكلوا منحى جديداً في مجال الإبداع.
وكلارا خانيس من مواليد برشلونة في العام 1940، وقد بدأت دراستها الجامعية في برشلونة، وحصلت على الليسانس في الفلسفة والآداب في بامبلونا، وقامت بدراسة الأدب المقارن في جامعة السوربون في باريس، ونشرت عملها الأول "النجوم المنتصرة" في العام 1964. وتعتبر كلارا خانيس من أبرز المبدعات المعاصرات، ليس في أسبانيا فحسب، بل في الدول الناطقة باللغة الاسبانية، سواء في مجال الرواية أو الشعر. وأصبحت خلال السنوات الأخيرة من أبرز المشاركات في معظم اللقاءات الثقافية من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وبشكل خاص عندما يتعلق اللقاء بالتصوف: إبداعاً ودراسة. وقد حصلت كلارا على جائزة مدينة برشلونة في المقال في العام 1972 مقالها "الحياة الصامتة لفدريكو مونبو"، وفى العام نفسه حصلت على جائزة "كافيه خيخون"، كما حصلت على جائزة مدينة برشلونة في الشعر في العام 1983عن ديوان "يعيش".