عشرون عاما على اتفاقية أوسلو.. تقييم الأبعاد الاقتصادية

خبراء: بروتوكول باريس الاقتصادي لم يعد صالحا واصبح يشكل عبئا اقتصاديا وسياسيا
حياة وسوق - ابراهيم ابو كامش - يجمع خبراء اقتصاديون من القطاعين الخاص والأكاديمي البحثي على أن "اتفاقية اوسلو"، و"برتوكول باريس الاقتصادي"، لم يعودا صالحين وأصبحا يشكلان عبئا اقتصاديا وسياسيا كبيرا بعد مرور عشرين عاما على اتفاق اوسلو بين منظمة التحرير واسرائيل، بالرغم من مساهمتهما في تطور الاقتصاد الفلسطيني خلال السنوات الخمس الاولى لانشاء السلطة الوطنية عام 1994، ويؤكدون انه كان يفترض ان يستعاض عنه باتفاق آخر اكثر عدالة وتكافؤا وتوازنا لتننظيم العلاقة بين فلسطين واسرائيل.
عرض وتحليل للمؤشرات الاقتصادية الرئيسية:
وأكد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية "ماس" التحول الكبير الذي طرأ في تركيبة الاقتصاد الفلسطيني منذ عام 1994، أي بعد مرور عشرين عاما على توقيع اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، حيث بات الاقتصاد الفلسطيني أكثر نزوحا نحو القطاعات الخدمية والإنشاءات، على حساب القطاعات الإنتاجية ومساهمتها في الناتج المحلي.
وتشير البيانات التي عرضها المعهد في ورقة الخلفية لجلسة طاولة مستديرة عقدها مؤخرا بعنوان "عشرون عاما على اتفاقية أوسلو - تقييم الأبعاد الاقتصادية"، إلى أن حصة الخدمات في الناتج المحلي ارتفعت من 25 % قبل عام 1994 إلى نحو 58 % نهاية عام 2012، كما تضاعفت حصة الإنشاءات لتصبح 14 %. وتراجعت بالتالي حصة القطاعات الإنتاجية الأخرى كالزراعة التي تراجعت حصتها في الناتج لتصبح أقل من 5 % فقط بعد أن كانت بحدود 12 %، والقطاع الصناعي الذي كانت مساهمته 22.3 % عام 1994 لتصبح أقل من 12 %.
ويؤكد مدير عام معهد "ماس" د. سمير عبد الله، أن الاقتصاد الفلسطيني شهد خلال السنوات العشر الأخيرة، تغيرات نوعية في تركيبة الناتج المحلي، وبرزت قطاعات انتاجية جديدة مثل قطاع تكنولوجيا المعلومات. وتشير البيانات إلى أن حصة هذا القطاع في الناتج المحلي ارتفعت من 0.8 % إلى 5 % خلال الفترة من (2003-2008). ويشكل حاليا نحو 7 % من الناتج المحلي، ومن المتوقع أن يستمر النمو في مؤشرات هذا القطاع في المدى المتوسط.
وفي نفس السياق، شهد الاقتصاد الفلسطيني تطورا ملموسا في مساهمة القطاع المالي المصرفي وغير المصرفي. إذ تدل البيانات على حدوث تطور كبير على مؤشرات الجهاز المصرفي، الذي كان هامشيا في الفترة التي سبقت إنشاء السلطة عام 1994. وتشير البيانات المتعلقة بالقطاع المصرفي إلى تزايد أعداد المصارف وفروعها بشكل ملحوظ، فبعد أن كان العمل المصرفي يقتصر تقريبا على البنوك الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، ارتفع عدد المصارف المحلية والأجنبية إلى 17 مصرفا و232 فرعا في نهاية عام 2012. ورافق ذلك زيادة ملموسة في كافة المؤشرات المصرفية، حيث ارتفع حجم الودائع من 522 مليون دولار عام 1994 لتبلغ 7,201 مليون دولار، وارتفعت التسهيلات المقدمة من تلك المصارف لتصل إلى 4,121.6 مليون دولار، كما ارتفع صافي موجودات المصارف ليبلغ نحو 9.8 مليار دولار.
من جهة أخرى، بدأ سوق فلسطين للأوراق المالية نشاطه عام 1997 ليشكل مصدرا مهما لتمويل الاستثمارات وتعزيز الحركة الاقتصادية في فلسطين. وتشير البيانات إلى أن عدد الشركات المدرجة في السوق هو 48 شركة، وبلغت القيمة السوقية لأسهم الشركات المدرجة 2,859 مليون دولار بنهاية عام 2012.
وشهد قطاع التأمين تطورا ملحوظا منذ قدوم السلطة الفلسطينية. وبلغ حجم المحفظة التأمينية في المناطق الفلسطينية نحو 113 مليون دولار تقدمها 10 شركات بنهاية عام 2011. وتوفر هذه الشركات خدماتها للأفراد والمنشآت الاقتصادية في مجالات التأمين المختلفة. وتعمل هذه الخدمات على تحسين البيئة الاستثمارية وتوفير غطاء تأميني ضد المخاطر والتقلبات التي يمكن أن تواجه الأنشطة الاقتصادية.
ومن الصناعات التي شهدت تطورا أيضا حسب ورقة المعهد المرجعية، الصناعات الكيماوية والمنظفات، خاصة صناعة الأدوية، حيث ارتفعت حصتها في السوق المحلية نتيجة لتطور مستوى جودة الإنتاج وتنوع المنتجات، إضافة إلى السياسات التمييزية التي تتبعها السلطة في العطاءات والمشتريات الحكومية إزاء المنتج المحلي. ومن أسباب تطور هذه الصناعة أيضا وجود منافذ تسويقية في الخارج لمنتجات الأدوية المحلية، خصوصا في أوروبا وبعض الدول العربية. وينطبق التحليل السابق إلى حد كبير على بعض الصناعات الغذائية.
في المقابل، تراجعت قطاعات أخرى تقليدية مثل الزراعة وبعض الصناعات الحرفية وصناعة الجلود والأحذية وصناعة الملابس والمنسوجات متأثرة بالتنافسية الكبيرة مع المنتجات المستوردة، وعدم تطور أساليب الإنتاج ومنافذ التسويق بالشكل المطلوب، إضافة للمعيقات والقيود الإسرائيلية التي استهدفت هذه القطاعات على مدار الفترة السابقة.

الحسابات القومية
ويؤكد د. عبد الله، تطور الأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ بعد إنشاء السلطة. فالناتج المحلي ارتفع في الأعوام الأولى بأكثر من 42 % ليبلغ نحو 4,535 مليون دولار عام 1999. وفي الأعوام التي تلت اندلاع الانتفاضة، وما رافقها من إجراءات إسرائيلية، تراجع الناتج المحلي بنسبة 30 % حتى عام 2002. وعاد الاقتصاد الفلسطيني ليحقق معدلات نمو مرتفعة في ظل الهدوء النسبي الذي ساد المناطق الفلسطينية بدءا من العام 2003 قبل أن تتأثر معظم المؤشرات الكلية في عام 2006 إثر الحصار المالي الذي فرض على السلطة الفلسطينية.

تطور الناتج المحلي الإجمالي في الأراضي الفلسطينية
للفترة (1995-2012) بالأسعار الثابتة
(ألف دولار)












المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سنوات مختلفة، إحصاءات الحسابات القومية، رام الله - فلسطين

تطور معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي
في الأراضي الفلسطينية للفترة (1995-2012)













المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سنوات مختلفة، إحصاءات الحسابات القومية، رام الله- فلسطين
ويجمع اقتصاديون على بدء مرحلة جديدة تأثرت فيها غالبية المؤشرات بعد الانقسام الداخلي، فالدعم الدولي تزايد للحكومة في الضفة، والبيئة الاستثمارية بدت أفضل في مناطق الضفة. وانعكس ذلك في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بالرغم من الضغط المالي والتذبذب في تدفق المساعدات وأموال المقاصة الذي عانته السلطة خلال تلك الفترة. في حين تراوحت معدلات النمو في غزة بين انخفاض بسبب العدوان الإسرائيلي عام 2009، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة جدا في العاميين اللاحقين بسبب البدء بمشاريع إعادة الإعمار في غزة.

الاقتصاد الخارجي
ولا يختلف الاقتصاديون على ان العلاقة التجارية لفلسطين بالعالم الخارجي شهدت تغيرات كمية ونوعية هيكلية خلال العقدين الماضيين. وعقدت السلطة الفلسطينية العديد من الاتفاقيات التجارية مع الدول والتجمعات الاقتصادية بهدف تسهيل التجارة والحصول على امتيازات لنفاذ المنتجات المحلية للأسواق العالمية. ورغم أهمية هذه الاتفاقيات من الناحية النظرية، إلا أن التجربة الفعلية لم تثبت تحقيق الاستفادة المطلوبة من تلك الاتفاقيات. إذ تأثر التبادل

التجاري بمحددات أخرى مرتبطة أساسا باستمرار تحكم إسرائيل بالمعابر وتطبيق الغلاف الجمركي الموحد مع إسرائيل الذي نص عليه اتفاق باريس الاقتصادي. وظل تعامل الفلسطينيين مع العالم الخارجي محكوما ببنود ذلك الاتفاق.
ويتفقون بالمحصلة، على ان أحجام التبادل التجاري تطورت بشكل ملحوظ، حيث تضاعف حجم الواردات الفلسطينية من الخارج خلال الفترة من 1996-2012، ليصل إلى 4,218 مليون دولار. وارتفع حجم الصادرات الفلسطينية بنسبة 118 % (من 339.5 مليون إلى 739.1 مليون) خلال نفس الفترة. وبالنتيجة ارتفعت قيمة العجز التجاري، والذي بلغ بنهاية عام 2012 نحو 3,479 مليون دولار.

تطور الصادرات والواردات الفلسطينية وصافي
الميزان التجاري خلال الفترة (1996-2012)











المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سنوات مختلفة، إحصاءات التجارة الخارجية، رام الله- فلسطين

كذلك طرأت تحولات مهمة فيما يتعلق بالأسواق الرئيسية للمنتجات الفلسطينية (باستثناء السوق الإسرائيلية)، حيث شكلت إسرائيل الوجهة الأولى لتلك المنتجات قبل وبعد اتفاق أوسلو وحتى اللحظة، واستحوذت على 86 % من الصادرات الفلسطينية عام 2011، بعد أن كانت تشكل أكثر من 94 % عام 1996. وكان انخفاض نسبة الصادرات إلى إسرائيل لصالح المجموعات الدولية الأخرى

كالدول العربية والأوروبية ودول أميركا الشمالية.
أما تركيبة الواردات من العالم الخارجي، فقد طرأ عليها تغيرات مهمة أيضا. فبعد أن كانت الواردات من إسرائيل تشكل ما نسبته 86.5 %، انخفضت بشكل ملموس لتصل إلى أدنى مستوى لها في عام 2007، وبشكل رئيسي بسبب انخفاض واردات غزة من إسرائيل في ظل الحصار المفروض على القطاع، قبل أن تعاود النسبة للارتفاع في الأعوام اللاحقة لتستقر عند مستوى 70 %. وشهدت الفترة السابقة أيضا دخول منتجات من أسواق جديدة، مثل الواردات من الصين التي ارتفعت من 10 ملايين دولار إلى أكثر من 194 مليون دولار، والدول العربية والأوروبية والآسيوية كذلك التي زادت الواردات منها بشكل ملحوظ.
وفيما يتعلق بالمدفوعات الرأسمالية والمالية وحساب الدخل، تظهر البيانات أن حساب الدخل سجل فائضا طوال السنوات السابقة بفضل تحويلات العاملين في إسرائيل. إلا أن قيمة هذا الفائض تأثرت بالطبع بأعداد العاملين والظروف السياسية في المناطق الفلسطينية.
وفي نفس السياق فان معهد "ماس" يؤكد ان التحويلات الرأسمالية حققت فائضا نتيجة ارتباطها بتحويلات الدول المانحة ودعمهم للمشاريع التطويرية في الأراضي الفلسطينية. أما بالنسبة للحساب المالي والمرتبط أساسا بالاستثمارات المباشرة واستثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى في الأصول، فتشير البيانات إلى تأثر هذا البند بالأوضاع السياسية والاقتصادية والمناخ الاستثماري السائد في المناطق الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، شهد العامان 2001 و2002 هروبا كبيرا للاستثمارات من فلسطين إلى الخارج، وبواقع 377 مليون دولار و360 مليون دولار على التوالي. في المقابل شهدت الفترة من (2009-2012) ارتفاعا ملحوظا في مستويات الاستثمار الخارجي في المناطق الفلسطينية في ظل الهدوء النسبي وتحسن البيئة الاستثمارية.

واقع سوق العمل
ويرى د. عبد الله، ان مؤشرات سوق العمل ارتبطت إلى حد بعيد بالتطورات السياسية التي مرت بها المناطق الفلسطينية خلال العقدين الماضيين. ولعل التطور الأبرز هو ارتفاع حصة القطاع العام بشكل كبير في استيعاب الأيدي العاملة بعد إنشاء المؤسسات المدنية والعسكرية للسلطة واستيعابها لعدد كبير من الموظفين العموميين من أجل القيام بالمهام والمسؤوليات التي تسلمتها السلطة في القطاعات الخدمية والإدارة والدفاع.
وأشار الى تطور آخر مهم وهو انحسار أعداد العاملين في إسرائيل والمستوطنات بعد عام 2000، حيث انخفض العدد من 130 ألف عام 1999 إلى أقل من 50 ألف عام 2002، كما تراجعت حصة القطاع الخاص في التوظيف في العامين اللاحقين للانتفاضة، بسبب تأثر المنشآت بالأوضاع الاقتصادية وتراجع مستوى انتاجها.
وبالنتيجة، أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل ملحوظ لتصل إلى أكثر من 31 % في عام 2002، قبل أن تنخفض تدريجيا في الأعوام اللاحقة لتستقر عند مستوى 23 % في عام 2012. وارتفعت حصة الخدمات في التشغيل من 50 % عام 1995 إلى أكثر من 62 % نهاية عام 2012. وتراجعت حصة القطاع الصناعي من 19 % إلى حوالي 14 % خلال نفس الفترة.

المالية العامة
ويشير د. عبد الله، الى المراحل المالية التي مرت بها السلطة الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، وتقسم إلى خمس مراحل أساسية:
- المرحلة الأولى (1994-1999)، حيث كان الإنفاق الجاري يمول بشكل أساسي من الإيرادات المحلية مع انخفاض مستمر في عجز الموازنة الجارية ووجود فائض في موازنة 1998 و1999.
- المرحلة الثانية (2000-2002)، تراجعت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية، وارتفعت معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، الأمر الذي استدعى استيعاب جزء كبير من فائض العمالة والعاطلين عن العمل في القطاع الحكومي، ما أدى لارتفاع فاتورة الرواتب والإنفاق الجاري مع تراجع (أو ثبات نسبي) في جانب الإيرادات. وهنا بدأت المشاكل المرتبطة بالعجز المزمن في موازنة السلطة، وامتد الأمر ليشمل دينا داخليا وخارجيا.
- المرحلة الثالثة (2003-2005)، على الرغم من بدء عملية الإصلاح المالي في هذه الفترة إلا أن نفقات السلطة الفلسطينية واصلت الارتفاع بسبب تطبيق الشق المالي من قانون الخدمة المدنية وارتفاع عدد الموظفين إلى 146 ألفا.
- المرحلة الرابعة (2006-2007)، وتعتبر من أصعب المراحل المالية للسلطة الفلسطينية لعدم قدرتها على تغطية رواتب الموظفين، بسبب توقف إسرائيل عن تحويلات إيرادات المقاصة بالإضافة إلى توقف العديد من الدول المانحة عن تقديم أي مساعدات مالية للحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس.
- المرحلة الخامسة (2008-2012)، شهدت هذه المرحلة تأثيرات الانقسام الداخلي، وحصلت تغيرات كبيرة على هيكل الموازنة ومصادر التمويل. ففي حين ارتفعت الإيرادات لتحسن الإدارة الضريبية وتسارع وتيرة المساعدات الخارجية، برزت أعباء جديدة على السلطة الوطنية من خلال قيامها بتحويل نحو 45 % من الموازنة إلى قطاع غزة لدفع الرواتب والتحويلات الاجتماعية، بينما انخفضت مساهمة قطاع غزة في الإيرادات العامة من 28 % عام 2005 إلى نحو 2 % بعد الانقسام. وظلت المشكلة الأساسية المتمثلة بالعجز الجاري والديون الداخلية والخارجية من دون حلول.

المساعدات الدولية
شكلت المساعدات الدولية للفلسطينيين، التي تم التعهد بها في مؤتمر واشنطن في تشرين الأول 1993 بعيد توقيع اتفاقية اعلان المبادئ (اتفاق اوسلو) والتي بلغت نحو 2.4 مليار دولار لتمويل بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ولاطلاق اعمال التنمية على نطاق لم تشهده الأراضي الفلسطينية من قبل. ومنذ ذلك الوقت، مرت المساعدات الدولية بمراحل وتطورات عديدة ارتبطت بالتطورات السياسية. وبشكل عام، بلغ إجمالي المساعدات الدولية المقدمة للفلسطينيين في الفترة من (1994-2000) حوالي 3,316.7 مليون دولار، وبمتوسط سنوي بلغ نحو 500 مليون دولار. وتم توجيه معظم الدعم في تلك الفترة إلى أربعة قطاعات رئيسية هي: (البنية التحتية، القطاعات الإنتاجية، المجالات الاجتماعية، وبناء المؤسسات).
بعد عام 2000، طرأت تغيرات مهمة على حجم وتوزيع المساعدات ومصادرها واستخداماتها. فقد ارتفع المتوسط السنوي للمساعدات لنحو مليار دولار. وتم لأول مرة توجيه جزء من المساعدات الدولية لدعم الخزينة العامة ودفع الرواتب. واستمر الاتجاه التصاعدي في دعم الموازنة بمرور الوقت، حيث ارتفع من 510 ملايين دولار في عام 2000 ليصل ذروته في عام 2008 عند مستوى 1,763 مليون دولار، قبل أن يتراجع تدريجيا في الأعوام اللاحقة ويستقر عند 932 مليون دولار بنهاية عام 2012.
كما تزايد الدعم الموجه للأغراض الإغاثية والمساعدات الطارئة بشكل ملموس بعد عام 2000. وبالتأكيد كان هذا الارتفاع على حساب الدعم الموجه للمشاريع التطويرية، التي شهدت تذبذبا واضحا، وبلغت في عام 2012 نحو 156 مليون دولار بعد أن كانت تستحوذ على نصف المساعدات الخارجية.
وأشار د. عبد الله، الى جملة من المتغيرات التي طرأت بعد توقيع اتفاق اوسلو، ابرزها قيام السلطة الوطنية، وبات للشعب الفلسطيني لأول مرة سلطة صديقة للتنمية، وان كانت بصلاحيات قليلة ومسؤوليات كبيرة وشاملة، كما تدفقت المعونات الدولية التي ارتبطت بالنجاح الجزئي لعملية السلام في البداية، وأخيرا وضع اتفاق للتعاون الاقتصادي بين السلطة واسرائيل سمح بهامش محدود للتطور.
ويقول د. عبد الله: "الناس في العادة يضعون اللوم على بروتوكول باريس في تراجع الاقتصاد، وهو اتفاق نقل العلاقة من أمر واقع الى واقع تعاقدي، وسمح اتفاق اوسلو بتغير آخر تمثل بتخفيف الرقابة وادارة الاحتلال لتفاصيل الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، وانتقلت معظم هذه التفاصيل الى أيدي السلطة الوطنية".
وتابع عبد الله: "لكن الاتفاق، ابقى مفاتيح أساسية للاقتصاد الفلسطيني بيد اسرائيل، اهمها المعابر، كما بقيت اسرائيل تسيطر بالكامل على المنطقة المسماة (ج)، وتشكل 60 % من مساحة الضفة الغربية فيها معظم الموارد الطبيعية كالمياه، كما ان البنية التحتية كلها مرتبطة بالموافقات الاسرائيلية، وابقى ثلثي ايرادات السلطة بيد اسرائيل. وفي المحصلة، فان نمو الاقتصاد الفلسطيني مرتبط بسلوك اسرائيل حيال الاتفاقات، لهذا فان تعاونهم (الاسرائيليين) أمر ضروري لتحقيق هذا النمو".
ويؤكد رئيس مجلس ادارة هيئة سوق رأس المال ماهر المصري، ضرورة التركيز حاليا على اولويات الصمود وليس اولويات التنمية. وقال: "بات واضحا ان الوضع السياسي كان دوما الموجه الأساسي للاقتصاد، لهذا فان الهدف يجب ان يكون تمكين الفلسطيني في ارضه، وهذا يفرض على السلطة والقطاع الخاص النظر في مفاصل بروتوكول باريس، والاصرار على ذلك، كالمعابر".
واعتبر المصري ان عام 99 والأرباع الثلاثة الاولى من عام 2000 فترة الذروة في انتعاش الاقتصاد الفلسطيني، حيث حقق تنمية حقيقية، والقطاع الخاص استوعب لأول مرة عمالة أكثر من السلطة، رافق ذلك نمو في حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي الاجمالي الى 16 %، وتقدم كبير في قطاع الخدمات، ونشوء قطاع تكنولوجيا المعلومات، لكن القطاع الزراعي بقي متخلفا، لينقلب الأمر في بدءا من عام 2000، حيث انضم قطاعا الصناعة والخدمات الى قطاع الزراعة في اتجاهه الهبوطي.
وقال المصري: "اتفاق اوسلو، وما نتج عنه من قيام أول سلطة وطنية فلسطينية، سمح بعودة أعداد كبيرة من الفلسطينيين الى وطنهم، بعد ان استقطبتهم طفرة النفط منذ سبعينيات القرن الماضي، كما سمح بتدفق رأس مال كبير جدا، خصوصا من فلسطينيي الشتات، وأقيمت العديد من المشاريع الصناعية والخدماتية، اضافة الى ما طرأ من تغير في الحياة الاقتصادية، حيث انشئت صناعات وخدمات لم تكن موجودة، ساهمت في استيعاب جزء كبير من العمالة".
وتابع المصري: "في السنوات الاولى لقيام السلطة، كانت هناك اختلافات في وجهات النظر بشأن التوجه الاقتصادي، وهذا الاختلاف استغلته الجهات المانحة، فكان تطوير البنى التحتية يتم وفق أولويات المؤسسات الدولية وليس وفقا لأولويات السلطة، واستمر هذا الأمر لمدة 3-4 سنوات".
وقال مدير شركة الصندوق العربي للاقراض الزراعي محسن أبو رمضان، ان محددات حركة الاقتصاد في قطاع غزة تمثلت ببروتوكول باريس الاقتصادي، والسياسة الاسرائيلية الهادفة الى تعميق نمط الاستهلاك على حساب الانتاج، مشيرا الى "نمو لافت" في عام 1999، ادى الى زيادة الناتج المحلي الاجمالي للقطاع الى 1.4 مليار دولار، وخفض البطالة والفقر الى 16 % و20 % على التوالي.
وأكد أبو رمضان، ان هذا النمو استند الى المعونات الدولية، وتحسين الجباية، وتسهيل الحركة، واقامة مناطق صناعية، اضافة الى ان انشاء السلطة أساسا ساهم في دخول عدد كبير من المواطنين الى الوظيفة العمومية.
وقال: "كما هو الحال في الضفة الغربية، فان الاقتصاد في قطاع غزة بدأ بالتراجع منذ عام 2000، نتيجة تدمير الاحتلال للبنية التحتية، وفرض الحصار، وتوقف العديد من المشاريع الممولة من الدول المانحة، الى ان جاء فوز حماس في انتخابات 2006، فتعمق الحصار، وجمدت المساعدات، وصولا الى حربي 2008 /2009 و2012. وأضاف: "بعد عام 2007، تحول قطاع غزة الى حالة انسانية مطلقة، واغلقت 70 % من المنشآت ابوابها، وتراجع عدد المستخدمين في قطاع الصناعة من 55 ألفا الى 5 آلاف، والزراعة من 65 ألفا الى 25 ألفا، والصيادون من 5 آلاف الى 2500.
وقال: "كل هذا ادى الى زيادة المشاريع الخدمية، خصوصا بعد انتشار تجارة الأنفاق، التي شكلت محطة فارقة في بنية اقتصاد غزة، فأفرزت شريحة جديدة من رجال الأعمال، و600 مليونير، وغابت الشفافية عن ادارتها والجباية المتحصلة منها، ونشأ تداخل بين ادارتها والحكم القائم في غزة".
وأكد أبو رمضان، ان الاقتصاد في قطاع غزة بعد الانقسام اتسم بالمركزية، والتداخل بين السياسة والمال، وبات ريع العملية الاقتصادية يعود الى الجهات النافذة، وتعمقت امكانية فصل القطاع عن الضفة الغربية، كما اعطى الانقسام فرصة للتمويل المسيس، كالتمويل القطري.
من جهته قال رئيس ملتقى رجال الأعمال محمد نافذ الحرباوي:"ان التنمية والاقتصادية تتطلب اعادة النظر في قضايا عديدة، منها خلق بيئة استثمارية مناسبة بما تتطلبه من اصلاحات في مختلف القطاعات، والتخلص من التبعية "شبه التامة" للاقتصاد الاسرائيلي، وتعزيز التواصل مع العالم الخارجي".
واستعرض الحرباوي وضع الاقتصاد الفلسطيني منذ عام 1967 حتى قيام السلطة، وكذلك للفترة بعد قيام السلطة، ورؤية القطاع الخاص لتصحيح الاختلالات.