معصرة السمسم.. لم تعجز والجرح في خاصرتها

القدس المحتلة- الحياة الجديدة- ديالا جويحان- إرثٌ منذ نحو مائتي عام، معصرة الطحينية التي مرّت عبر أربعة أجيال من الآباء والأحفاد لتبقى صامدة رغم تقلبات الحياة، تقع في طريق باب السلسلة داخل أسوار البلدة القديمة في القدس المحتلة، وتعتبر مثالاً على التمسك بالمكان، شاهدة على التحدي والصمود أمام الحصار والتضييق والإجراءات التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي على مدينة القدس منذ احتلالها منذ عام 1967.

كمال الصالحي 52 عاماً، ولد في القدس وورث هذا التقليد من عائلته التي هُجِّرت  من اللد عام 1948، بدأت تصنع الطحينة وزيت السمسم" السيرج" والكسبة والسمسم الأبيض والأحمر لبيعه في المعصرة التي بقيت بآلاتها حاضرة حتى وقتنا.

وقال الصالحي لـ "الحياة الجديدة" أنه نشأ منذ نعومة أظفاره بين أرجاء المعصرة، يتواجد بها بعد الانتهاء من المدرسة ليساعد والده منذ اكثر من 40 عاماً، مشيراً الى أن اسوار البلدة القديمة كانت تضم 36 معصرة، تقلص عددها سنة بعد الاخرى نتيجة إهمال الأحفاد والأبناء، وبقيت منهما معصرتين لعائلته وعائلة الجربيني التي تقع في عقبة الشيخ ريحان بالبلدة القديمة.

3 جرّات حديدية... ميزان المعصرة

يضيف زياد: قديماً لم يكن هناك ميزان يمكن لبائع الطحينة الإعتماد عليه، لذلك كان يستخدم ثلاث جرات حديدية، وبحسب الحجم يتم تكيل البيع الكيلو والرطل ليتطور للميزان الحديدي ذو الأحجار الحديدية، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك كهرباء، فقد كان الأجداد يستخدمون الدواب لعصر الطحينة وزيت السيرج، أما لصنع الكسبة كان يتم عن طريق صاج حديدي على شكل" ايجاص".

وأوضح انه في السابق كانت العائلة تشتري السمسم من مدينة نابلس وقلقيلية وطولكرم حتى عام 2001 مع بداية الانتفاضة الثانية، وما أن بدأ الحصار على القدس وبناء جدار الفصل العنصري وتحويل القدس لسجن كبير شُلّت الحركة التجارية بين القدس والضفة الغربية، وانتقلت العائلة لشراء السمسم من إثيوبيا، من خلال شحنات تكفي لشهر أو أكثر، خاصة أن الطحينة تستخدم بشكل دائم في المنازل والمطاعم ومحالات صنع الحلاوة.

وأشار أن إنتاج الطحينة وتحميص السمسم وغيرهما من المنتجات بالطريقة البدائية، تتطلب جهداً جسدياً كبيراً، من وضع السمسم بأحواض مخصصة لنقعه وغسله وتقشيره وتنشيفه والتأكد بأنه أصبح جاهزاً للتحميص عن طريق بيت النار من خلال حرق الأخشاب ليتطور فيما بعد للغاز، حيث يستغرق تحميصه لدرجة الإحمرار لعشرة ساعات.

المنتجات حبيسة المخازن لصعوبة الأوضاع

وأضاف ان تحميص السمسم الأبيض يحتاج لأربع ساعات، بالتحريك بشكل متواصل والعمل على مدار الأسبوع، لتصبح الطحينة جاهزة في متناول الزبون، وأن الإقبال على الشراء في الماضي كان اكبر، بدأ بالتراجع منذ 15عاماً تدريجياً، ومع اندلاع الهبة الجماهيرية قبل ثلاثة أشهر ونصف، الزوار هجروا البلدة القديمة ويستمر التراجع في مستوى الحركة التجارية، فيما يستمر الوضع الإقتصادي صعوبة في المدينة، مع ارتفاع في نسبة البطالة، وبالتالي تأثر حجم تسويق منتجات المعصرة.

يقول: نواجه مشكلة في توزيع البضاعة عن طريق العربات لأن الطرق أصبحت  في البلدة القديمة ضيقة، مع التغيرات التي تقوم به سلطة الطبيعة والآثار الإسرائيلية، بتغير الأثار التاريخية العربية الإسلامية داخل أحياء البلدة، يتم توزيع كميات قليلة على أصحاب المحلات وبعض المقدسيين من يسكنون داخل أحياء البلدة القديمة يتوجهون للشراء من داخل المعصرة.

وأكد أن عمل الطحينة عبر الآلات القديمة لها نهكة وطعم خاص، يختلف عن تحضير الطحينية عبر الماكينات الحديثه والمتطورة في بعض المناطق بالأراضي الفلسطينية.

وشدد على أن بقاء الصرح العريق والموروث التاريخي الفلسطيني يعود الفضل به لوالده المرحوم الذي توفاه الله عام 2010، والذي لم يتغيب يوماً عن عمله في المعصرة، حفاظاً على ارثه لوالده وجده لينقله فيما بعد لأبنائه. 

ولا يقتصر استخدام الطحينة على المأكولات والمقبلات، بل إنها تدخل في علاج التهابات اللثة وتشققات الشفاه والتهاب الحلق، كما تساعد في تقوية المناعة وزيادة قدرة الجسم على مقاومة الأمراض من خلال تنشيط خلايا الجسم المختلفة، اضافة لإستخدام زيت السمسم "السيرج"، الذي هو دواء لما له من فائدة في توسعة الشرايين وإنعاش الذاكرة، كما أنه يساعد مرضى ضغط الدم والقلب لأنه يحتوي على دهون مشبعة.