ملحٌ في عين الاحتلال

أريحا –الحياة الجديدة- محمد مسالمة- لا حياة بين أمواج البحر الميت، الا أن مقدراته تولد من رحم الصعاب، في منطقة شمال أريحا ترابط الايادي الفلسطينية في مصنع أملاح الضفة الغربية، حيث تأبى مغادرة المكان، تتحدى الضغوطات والصعوبات التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي.

المنطقة عسكرية، والوصول اليها ليس سهلاً، تبعد حوالي 15 كيلومتراً عن مركز مدينة اريحا، مساحات واسعة من الاراضي الفارغة تشعر أنها في الأسر، ومكبّلة بقيود الاستيطان، والاحكام العسكرية المشددة، يزداد الوضع حذراً كلما اقتربت من المنطقة التي يقع فيها مصنع أملاح الضفة الغربية، لان المسافر الى هناك يقترب إلى أن يصل الحدود مع الأردن.

تلتف مركبتنا عن الطريق السريع الى اليسار في طريق فرعية، ينتصب على مدخلها برج عسكري للاحتلال، أمامه ساحة كبيرة تتوقف فيها سيارة اسعاف، وأخرى للدفاع المدني والصمت يلف المكان، مضى بنا السائق في الطريق الى المصنع الذي يقع مباشرة بعد عدّة امتار من البرج العسكري.

"الطريق ليست مؤهلة للمصنع، والاحتلال الاسرائيلي يمنع اجراء اي اصلاحات في المكان" يقول المدير العام للمصنع رائد السيوري أن الاحتلال يضيق الخناق على كافة المستويات، بداية بالطريق ومروراً بدخول العمال للمصنع، ووصول التجّار لأخذ المنتجات، وكذلك اصلاح الالات وتأهيلها، كما البنية التحتية لمرافق المصنع.

وأشار السيوري الى أن الاحتلال يرد على محاولات التأهيل بحجج أن المنطقة حدودية. وبنظرة سريعة الى المكان، يصبح البحر على يمينك، تفصل بينه وبين المصنع منطقة مسيّجة عمقها 100 متر الى الشاطئ، مكتوب علي سياجها: ممنوع الاقتراب ويجب الحذر من وجود الالغام.

يشغل المصنع 16 عاملاً، يتعرضون لمضايقات من جيش الاحتلال الاسرائيلي الذي يستجوبهم، ويدقق في هوياتهم وتصاريحهم في كل مرة يصلون الى المصنع ويغادرون منه، وفي بعض الاحيان لا تمنح السلطات الاسرائيلية التصاريح للعاملين، وبالتالي يكون الوصول شبه مستحيلاً.  

دورة خط الانتاج السنوية

يقول مراقب خط الانتاج في المصنع خميس جلايطة (46 عاماً)، ان انتاج الملح يتمثل في دورة موسمية تتم على مدار عام، تبدأ بسحب مياة البحر الى برك تدعى الملّاحات كل منها بمساحة 8 دونمات، وللمصنع 10 ملّاحات، وتبدأ عملية ضح المياه في بداية شهر نيسان من كل عام، لغاية شهر تشرين الأول، مشيراً الى أن درجات الحرارة في هذه الفترة من السنة تكون مرتفعة، وعملية استخراج الملح بحاجة لتجفيف المياه. 

وأضاف في حديث لـ "الحياة الجديدة" ان الملّاحات لها مواصفات تتمثل في درجات حرارة وكثافة معينة، يراقبها مهندس على مدار عملية التجفيف، واذا ازادات درجات الحرارة عن المطلوب يتم التخلص من المياه واعادة صخ كمية جديدة من البحر، فالملح يصبح غير صالحاً.

حصيدة الملح مع بداية تشرين

وفي بداية شهر تشرين الثاني تبدأ مرحلة الحصيدة كما أطلق عليها جلايطة، وتابع: نستعين بجرافات المصنع لحصد الملح من الملّاحات، ويتم تجميعه على شكل تلال كبيرة، ويبقى لمدّة 10 ايام لتتصفى منه المياه".

ومع بداية شهر كانون الاول يتم نقل كميات الملح الى ساحة المصنع، وتستمر مدّة نقلها من 15-20 يوماً وتبدأ من الساعة الخامسة صباحاً حتى السابعة مساء، تصل مجمل حصيدة الموسم إلى 7 الاف طن، موضحاً ان كمية المادة الخام هذه لا تكفي المصنع وانما يتم شراء نحو 5 أطنان كل موسم من شركة اسرائيلية.

يُغسل ويُعصر ثم يوضع في الفرن

وتبدأ عملية معالجة الملح في المرحلة الاولى بوضعه في غربال حديدي كبير، وهو عبارة عن وعاء خارج بركس المصنع، تقوم الجرافة بتعبئته بالملح الخام من الساحة الخارجية، ويعمل الغربال باخراج الحجارة والشوائب الكبيرة، ويتم أخذ الملح عبر شريط متحرك الى داخل المصنع من أجل غسله.

وفي المرحلة الثانية يتم غسل الملح في آلة مستقله، ثم ينقل من أجل عصره، وتستمر عملية انتاج الملح باستخراج مياه الغسيل والعصير الى البرك والملح يذهب في طريق اخر الى جاروشة.

وفي الجاروشة يتم طحن الملح، ويخرج من الجاروشة ملح بحبة صغيرة وحبة كبيرة، ويذهب الى الفرن او "بيت النار"، وبعد ذلك الى غربال كبير يقوم بفرز الملح الى حب كبير وصغير. وهناك منتج ثالث يتم استخراجه من "بيت النار" وهي بودرة الملح التي عادة ما تستخدمها محامص المكسرات.

وبذلك تكون منتجات الملح جاهزة من عملية المعالجة ويتم نقلها الى تنكات التخزين وتوزينها بفئتين 20 و50 كيلوجراماً.

المصنع يحتاج لوقفة وطنية

وقال مالك المصنع حسام الحلاق ان المصنع قائم منذ اكثر من 40 عاماً، وهو قصة تحدي لكل العوائق وكل الصعوبات، وعدم الاستسلام لكلمة "لا"، كونه الفلسطيني الوحيد الذي يرابط في المنطقة، مشيراً الى ان المصنع نفسه كمبنى من الخارج لا يلفت النظر بقدر ما تلفت الانتباه القدرات الانتاجية بالاليات التي تم تحديثها وشرائها في عام 2010، وكذلك شبكة الكهرباء التي تم تمديدها، بمبادرات شخصية وجهود ذاتية.

وأضاف ان بقاء المصنع مشغلاً لينافس العملاق الاسرائيلي تحدي يستطيع المصنع تحمله لأنه قادر على تغطية السوق الفلسطيني، ولكن اكبر العوائق التي يواجهها الحلّاق هي عدم تعاون مؤسسات السلطة الوطنية في دعم المنتوج الوطني، وعدم الاهتمام بحمايته أمام الملح الاسرائيلي الكيماوي الذي يروّج في السوق الفلسطيني ويقل جودة واهمية صحية عن المنتج الوطني.

وتابع: ضروري ان يكون هناك وقفة وطنية شريفة لتقول لنا ان المنتوج الوطني له اولوية وقيمة ومكانه، وهذا اكبر عائق بالنسبة لي كمصنع وطني، نحن نغطي السوق، ولكن بسبب اغراق الاسواق بالبضاعة غير المرغوب فيها باسرائيل التي تمنعه كمنتج للاستخدام المنزلي،  وهناك تساؤل منطقي لماذا يرفض الاسرائيليين بيع الملح الكيماوي في سوقهم، وفي المقابل يقومون باغراق اسواق الضفة والقطاع بهذا النوع من الملح؟؟".

جودة وقدرة على تلبية حاجة السوق المحلي

وأشار الحلاق الى ان المصنع يستثمر بمبلغ 2 مليون دولار في منطقة عسكرية، وهذا يشكل تحدي كبير لاستمرار الانتاج الذي تعتبر كفاءته عالية وتسوق بعض منتجاته في المانيا وكندا واميركا، وله مميزات وفوائد صحية ورونق، ومنه "ملح جورميه" الذي يباع في انحاء العالم.

وأكد ان السوق بحاجة لرفع مواصفات الجودة لكي ترتقي للمنتج الوطني المنافس للمنتجات الخارجية. مؤكداً ان الملح الفلسطيني اعلى جودة ويستطيع المصنع الوحيد ان يغطي كافة احتياجات السوق المحلي. 

وقال ان عملية دعم المصنع يتبعها دعم للايدي العاملة وتتيج فرص عمل جيدة، وتحرص ادارة المصنع على حقوق العاملين بشكل كبير وتمنحهم يوممي اجازة اسبوعياً، وبمرتبات مضاعفه عن الحد الادنى للاجور.

غروف يعمل في المصنع منذ 29 عاماً

قال سائق الرافعة في المصنع حسن غروف (52 عاماً) -يعمل في المصنع منذ 29 عاماً- ان المصنع ينتج 70 طناً يومياً من الملح، يتم تعبئته في اكياس ووضعها على قاعدة خشبية ونقلها بالرافعة خارج المصنع ليتم توريدها بالشاحنات الى المتاجر.

وأضاف غروف ان هذا المصنع الفلسطيني الوحيد الذي ينتج الملح ويقع في منطقة عسكرية يسيطر عليها الاحتلال الاسرائيلي، ويفرض اجراءات وصول اليها عن طريق تصاريح العمل، كما يمارس جنوده مضايقات على العاملين والتجّار كي يقف عثرة امام الانتاج والاستمرار في تشغيل المصنع.

يبقى مصنع املاح الضفة الغربية على شاطئ البحر الميت قصة صمود وتحدي وارادة امام كل الصعوبات التي يواجهها، كونه صرحاً وطنياً وحيداً من نوعه وفريداً على أرض فلسطين، جديراً بكل السياسات القريبة والبعيدة أن تأخذه بعين اعتبارها وتحافظ عليه.