طولكرم في مأزق اقتصادي مع غياب متسوقي الداخل

حياة وسوق - مراد ياسين - يتوقع رجال أعمال وتجار مزيدا من التدهور في الوضع الاقتصادي بمدينة طولكرم بسبب "غياب التخطيط الاستراتيجي لحاجة السوق الكرمي، وضعف الخبرة الكافية لدى التجار لإدارة مشاريعهم الصغيرة او الكبيرة، وتعدد المحلات التجارية ذات الأصناف المتشابهة، وإجراءات الاحتلال باغلاق متكرر لبوابة شوفة التي تعتبر الشريان الرئيسي لوصول فلسطينيي الداخل الى المدينة".

"حياة وسوق" التقى العديد من المواطنين والتجار والخبراء واستمع الى آرائهم حول أسباب تراجع الوضع الاقتصادي في المحافظة وسبل الخروج من الازمة الراهنة.

 مدير دائرة التخطيط والتطوير في محافظة طولكرم، خالد الزاغة.

بدوره يرى مدير دائرة التخطيط والتطوير في محافظة طولكرم خالد الزغل ضرورة دراسة احتياجات السوق الكرمي، قبل التفكير بافتتاح اي مشروع تجاري سواء كان صغيرا او كبيرا، لكون السوق الفلسطيني معرضا لهزات اقتصادية في اية لحظة، لافتا الى أهمية الإدارة السليمة والحكيمة للمشاريع التي تقوم بين حين وآخر في المدينة، لتكون لديها القدرة على المنافسة.

ويقول مدير وزارة الإعلام في طولكرم ذيب عمارة ان سوء الأوضاع الاقتصادية يعود الى عدة عوامل داخلية تترابط مع بعضها البعض، مؤكدا ان محافظة طولكرم تعيش في الوقت الراهن بحالة من الفوضى الاقتصادية بدون اي تخطيط استراتيجي ودون ادنى دراسة لحاجة السوق المحلي من السلع والأصناف والمنتجات، لافتا الى ان معظم التجار وأصحاب رؤوس الأموال يستثمرون في الربح السريع على المدى القريب والبعيد وهذا مدمر للسوق المحلي ويعرضه لانهيار الحركة التجارية خاصة وان الكثير من السلع مفقودة في المحافظة، لانه لا يوجد دراسات ولا تفكير لتلبية احتياجات السوق المحلي حسب قوله .

ويقول الخبير الاقتصادي والمستشار الإداري محمد حطاب ان الأوضاع السياسية الراهنة تلعب دورا كبيرا في تردي الأوضاع الاقتصادية للوطن ككل، مؤكدا ان مخاطر فشل المشاريع الصغيرة التي يتم افتتاحها في مدينة طولكرم مثل المطاعم ومحلات الملابس اكبر من فرص نجاحها نظرا لعدم وجود تسهيلات من قبل الجهات ذات الاختصاص من رسوم تراخيص وضرائب، ويوضح حطاب ان اي هزة بسيطة لتلك المشاريع الصغيرة تؤدي الى فشلها على الفور، كما ان غياب تنظيم المهن في المدينة يساهم في فشلها أيضا، مؤكدا ان اقتصاد مدينة طولكرم يعتمد بشكل مباشر على رواتب الموظفين والعمال في داخل الخط الاخضر وفلسطينيي الـ 48 ، علما ان قطاعا كبيرا من الموظفين يعانون من غياب السيولة النقدية لارتباطهم بقروض بنكية، كما ان قيام إسرائيل بمنع العمال من الوصول الى اعمالهم داخل إسرائيل ومنع فلسطينيي 48 من الوصول الى مدينة طولكرم يؤدي الى شلل كبير في الاقتصاد الكرمي .

ولفت الحطاب الى ان  غالبية المشاريع الصغيرة التي يتم افتتاحها في السوق الكرمي تتم بناء على اجتهادات من أصحاب رؤوس الأموال أو اراء وملاحظات خاصة ، دون اعداد دراسات جدوى اقتصادية والاستناد الى مرجعية علمية واقتصادية سليمة، لافتا الى ان الكثير من المشاريع الصغيرة يكون عمرها صغيرا جدا ويتعرض أصحابها لخسائر مالية فادحة.   

واكد الحطاب انه لا يرى أي تعاون من قبل الجهات الرسمية فيما يتعلق بالاعفاءات الضريبية للمشاريع الصغيرة، علما ان هناك محاولات من قبل جهات معينة لدعم المشاريع الصغيرة من اجل الحد من نسبة البطالة في الشارع الفلسطيني الا ان محاولاتها لا تتكلل بالنجاح في نهاية الأمر .

ماذا يقول التجار؟

من جانبه يؤكد التاجر زياد ابو ليمون ان اقدام سلطات الاحتلال على إغلاق بوابة شوفة بصورة متقطعة يؤثر سلبا على الحركة التجارية في المدينة حيث يعتبر الشريان الرئيسي لوصول فلسطينيي الـ 48 الى مدينة طولكرم، مؤكدا ان الحركة التجارية شبه مشلولة نتيجة لقيام سلطات الاحتلال باغلاق البوابة من حين لآخر مما يحرم المئات من اخوتنا في فلسطينيي الداخل من الوصول الى المدينة.

وأوضح ابو ليمون وهو صاحب محل للالبسة الرجالية في مركز المدينة ان الكثير من فلسطينيي الداخل يدخلون عبر تلك البوابة كونها لا تبعد سوى ربع ساعة فقط عن مركز المدينة وفي حال اغلقها جنود الاحتلال يضطر فلسطينيو الداخل الى الالتفاف عبر حاجز عناب العسكري وهذه بحاجة الى وقت زمني يتجاوز الـ 40 دقيقة ، عوضا عن اجراءات التفتيش التي تقوم بها سلطات الاحتلال على الحواجز،  مما يؤدي الى عزوف فلسطينيي الداخل من الوصول الى مدينة طولكرم بغرض التسوق منها.

ولفت ابو ليمون الى ان أعلبية المطاعم في المدينة تعتمد بنسبة 90 % على فلسطينيي الداخل وتأثرت بنسبة كبيرة جدا، نتيجة إجراءات الاحتلال .

ويقول ابو جميل وهو صاحب محل لبيع الاحذية في شارع باريس: "لم استفتح لليوم الثاني على التوالي، حركة الشراء شبه معدومة في السوق الكرمي، لدي التزامات مالية للكثير من تجار الجملة، لم اعد قادرا على تفسير ما يجري، هل الاحتلال هو السبب، ام تدني رواتب الموظفين، أم نحن التجار ما يتحمل المسؤولية، مؤكدا ان الوضع المادي أصبح لا يطاق، والناس أصبحت تركز فقط على شراء المواد التموينية .

ويعتقد التاجر ضياء سفاريني صاحب مكتبة السفاريني ان الكثير من التجار المستجدين في الشارع الكرمي ليس لديهم الخبرة الكافية في ادارة مصالحهم التجارية، مؤكدا ان الكثير من التجار الجدد يشترون البضاعة من التجار الكبار بواسطة شيكات مؤجلة،  يخفضون الأسعار بشكل غير معقول من اجل منافسة المحلات الاخرى، وبعد فترة يكتشف نفسه  بانه عاجز عن سداد ديونه للتجار الكبار، ويغرق في الديون وبالتالي يخسر كل شيء، مؤكدا ان الكثير من التجار الكبار تعرضوا لنكسات مالية كبيرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة الراهنة التي يمر فيها الوطن ككل.

واعتبر الناشط السياسي صايل خليل ان جشع عدد من تجار المدينة وقيامهم برفع الأسعار بغرض الربح السريع وراء نفور المتسوقين من فلسطينيي الـ 48 من أسواق مدينة طولكرم باتجاه أسواق نابلس ومدن أخرى، إضافة الى عدم الخبرة الكافية لدى التجار الصغار في استقطاب الكثير من المتسوقين من داخل الخط الأخضر من خلال خفض الأسعار، ويضيف: "كل هذا مربوط في الوضع السياسي والحواجز العسكرية التي تنصبها قوات الاحتلال من حين لآخر إضافة الى ضعف القوة الشرائية على مستوى الوطن ومنها طولكرم بسبب تدني الرواتب وعدم توفر سيولة نقدية لديهم".

ويقول خليل انه لا توجد صلة بين التاجر والغرفة التجارية في الوقت الراهن، الا عبر الانتخابات فقط، مؤكدا انه لا توجد برامج اقتصادية قادرة على تزويد التجار بدورات تأهيل لمشاريعهم سواء الصغيرة او الكبيرة، وتابع: "اعتقد ان هذه المشكلة تنطبق على كل مؤسساتنا ونقاباتنا لان الفصائل تضع يدها عليها، ويمكن ان تكون اليد غير نظيفة لتحقيق أوزان لها دون الانتباه لمصلحة اقتصاد او تاجر او مواطن، وحتى الدورات ستكون لأجندات سياسية أيضا حسب اللون السياسي للغرفة دون النظر لتأهيل التاجر" حسب قوله.

ويدعو الزميل الصحفي عدنان الحطاب جيل الشباب الباحثين عن فرص عمل جديدة للتركيز على أصناف جديدة من المنتجات لتسويقها بشكل جيد، مؤكدا ان اهم مشكلة تعاني منها المدينة هي اقبال الكثير من التجار على افتتاح مصالح تجارية مشابهة وعلى سبيل المثال يقول الحطاب: "احد الأصدقاء اخبرني انه افتتح مخبزا في بلدة عتيل شمال طولكرم، وكان المشروع ناجحا، في البداية الا ان افتتاح العديد من المخابز في المنطقة ذاتها اثر عليه بشكل سلبي وادى الى اغلاقه في النهاية".

ودعا الحطاب الغرفة التجارية الى توجيه التجار نحو السلع التي بحاجة اليها السوق الكرمي من خلال نشرات توعية عبر وسائل الإعلام والكف عن افتتاح المحلات التجارية ذات الأصناف المتشابهة كونها تلحق الضرر بأصحاب هذه المحلات وتلحقهم خسائر اقتصادية فادحة هم في غنى عنها .

ورفض الحطاب بشدة فرض قيود مشددة على التجار الراغبين في فتح بعض المصالح التجارية لبعض أصناف السلع الموجودة من قبل الجهات ذات الاختصاص مثل الغرفة التجارية، مؤكدا انه مع حرية اختيار السلع التي يرغبها التجار ولكن لا مانع من قيام الغرفة التجارية بتوجيه التجار الى اختيار الأصناف المرغوبة في السوق الكرمي .

ودعا الإعلامي عبد الكريم دلبح الغرفة التجارية بصفتها المسؤولة عن تجار المدينة الى القيام بعدة خطوات لتنظيم السوق الكرمي من خلال جملة من الإجراءات البسيطة التي تساعد في تنشيط الحركة التجارية في المدينة ، مثل توجيه وإرشاد التجار نحو افتتاح بعض أصناف المنتجات الغير متوفرة في السوق الكرمي مثل محلات الأسماك مثلا بكافة أنواعها ، متسائلا لماذا لا تقوم الغرفة التجارية باصدار نشرات شهرية إرشادية حول احتياجات ومتطلبات السوق الكرمي والكف عن افتتاح بعض الأصناف المتوفرة بكثافة في السوق الكرمي.