بكر صلاحات.. بكالوريوس ثم عامل نظافة وصولا لوظيفة في التخصص

نابلس - حياة وسوق- رومل السويطي-  هناك بين ظهرانينا من يتميزون فعلا بالصبر على البلاء، ونظافةِ اليدِ، والإصرارِ على الوقوفِ بعد كلِّ عثرةٍ، غالبيتُهمْ من الناسِ الذين لا يسألونَ الناسَ إلحافاً، كلُّ واحدٍ منهم يواجهُ بكفهِ الخشنِ، المخرزَ بكل أنواعه، سواءٌ أكانَ مخرزَ الاحتلالِ، أو مخرزَ الفقرِ، أو مخرزَ الاستغلال.

هذا هو حال المواطن بكر صلاحات 33 عاما والأب لثلاثة أطفال، من قرية طلوزة شرقي نابلس، لم يستسلم للواقع الصعب، وترجم صبره على الأرض، من خلال العمل في أول فرصة سنحت له دون تردد، حتى لا يكون عرضة لسؤال أحد.

ويبدأ صلاحات حياته العلمية في مدارس قريته حيث تلقى علومه الابتدائية والثانوية، وبعد نجاحه في "التوجيهي" التحق بكلية الشريعة في جامعة النجاح، وبعد التخرج يبدأ في البحث عن الوظيفة. ورغم الهمّة العالية التي يتميز بها، إلا أن أحلامه في الالتحاق بوظيفة تناسب تخصصه، تكسرت أمام انعدام فرص العمل، فيبدأ في البحث عن البدائل. ويقول بأن عدم وجود الوظيفة المناسبة لا يعني أن يقف المرء مشدوها عاجزا حائرا دون حراك، وإنما عليه النحت في الصخر حتى يعثر على العمل البديل، وأن المهم نظافة هذا العمل وليست قيمته المادية.

البدايات

وبحكم سكنه في منطقة قريبة نسبيا من الأغوار، توجه صلاحات باحثا عن العمل في المزارع، ليعمل هناك حوالي سنة كاملة، عانى خلالها من حر الشمس وضغط العمل وقلة الأجر، ومع ذلك كان يعود الى منزله مرتاح النفس والضمير- حسب تعبيره- لأنه لم يضطر لسؤال الناس أو طلب مساعدة من أحد.

وقبل نحو خمس سنوات، مرّ بالصدفة من أمام المستشفى العربي بمدينة نابلس، فيشاهد مجموعة من الشبان يعملون في التنظيف، وبدون تردد توجه الى "استقبال المستشفى" قائلا للموظفة بأنه يريد العمل، وبعد إعطائه استمارة طلب وظيفة، كتب فيها بأنه يريد العمل في أي مجال، ويتضح له أن هناك شاغرا لموظف نظافة، ويقبل دون تردد. يقول له أحد أقاربه "كيف تعمل في النظافة وأنت تحمل بكالوريوس شريعة؟" فيجيبه "العمل في النظافة أفضل من سؤال الناس". ويستمر في العمل موظف نظافة، ويكسب احترام طاقم المستشفى، يوزع ابتسامته غير المصطنعة على الجميع وداعيا لكل واحد منهم بعبارته الشهيرة "الله يرضى عنك".

نهاية الصبر.. تكريم

بعد مرور حوالي سنة في عمله موظف نظافة، طلبه رئيس مجلس الادارة في المستشفى د. سالم ابو خيزران، ويقول له "العمل في النظافة عمل حر وشريف، لكن أريد منك أن تعمل في مجال تخصصك" يتفاجأ صلاحات من كلام الدكتور ابو خيزران ويقول له "لم أجد وظيفة في مجال تخصصي يا دكتور، ولذلك أنا اعمل في مشفاكم"، ويرد عليه ابو خيزران "ستعمل في مجال تخصصك .. أنت من اليوم إمام وخادم مصلى المستشفى، ولا نريد منك غير ذلك نهائيا". ويقول صلاحات بأن مشاعر الفرح التي اجتاحته في تلك اللحظة، لا تماثلها فرحة في حياته، معتبرا أن أسباب هذه الفرحة كثيرة، منها أنه سيعمل في مجال تخصصه ولو بشكل جزئي، الى جانب شعوره إن مدير المستشفى قام بتكريمه بهذا العمل الجديد وبطريقة محترمة.

المتعلم والمتدين يحترم موظف النظافة

وفيما يتعلق بنظرة المجتمع الفلسطيني عامة تجاه موظف النظافة، يقول صلاحات "أنا شخصيا لا أعير اهتماما بنسبة كبيرة لهذا الأمر" ويضيف بأن نسبة بين متوسطة وكبيرة تنظر لموظف النظافة نظرة دونية، وهذا مرده لضعف الوازع الديني لديهم، ويقول بأنه لمس ذلك شخصيا خلال عمله لما يقرب من سنة في هذا المجال، لكنه أضاف بأن نسبة الأشخاص الذين يحترمون هذه المهنة أكثر بين شريحة المتعلمين والمثقفين، كما أن نسبة احترام موظف النظافة تزداد بين جمهور المتدينين. ويستذكر صلاحات بعض المناقشات التي جرت بينه وبين بعض زوار المستشفى حين كان يعمل موظف نظافة، قائلا ( كنت أقول لبعض من ينفر مني بعد مشاهدته لي حاملا المكنسة وأنا بالقرب منه "ما هو الأفضل أن اعمل موظف نظافة أم متسولا أمام المؤسسات الخيرية وبيوت الميسورين، أم مروج للمخدرات أم عميل للاحتلال؟".

اليأس ممنوع

وما يزيد من غضب صلاحات، بل وفي بعض الأحيان إصابته بنوع من الإحباط، حين يعلم عن أشخاص "الواحد فيهم ما بعرف يفك الخط" حسب تعبيره، ويصل الى مراتب ومناصب في الدولة، بينما هناك آلاف الخريجين الذين يوجد بينهم من هم أحق منهم بتلك المواقع والمناصب، ويقول متسائلا "ماذا تتوقع من شخص يحمل شهادة الماجستير مثلا في العلوم السياسية وهو يعمل على بسطة أو عاملا في الداخل الفلسطيني المحتل أو في أحسن الأحوال مندوب مبيعات، بينما يشاهد صديقه الراسب في التوجيهي موظفا في موقع هام وحساس؟". ويضيف موجها حديثه لكل خريج لم يتمكن حتى الآن من العثور على وظيفة "لا ينبغي أن ينال منكم الإحباط واليأس، عليكم مواصلة البحث عن العمل، مسلحين بالصبر والإرادة".