على مرمى قمر

القدس– الحياة الجديدة- رحمة حجة- يحدث أن تقوم قبيلة بدوية ضعيفة، مقارنة مع خصمها القوي، باختيار أفضل نسائها نسبًا وجمالًا، ثم تُجلسها داخل "هودج" على ظهر ناقة، وسط المعركة، ليُصبح النصرُ ضرورة حتمية يتفانى فيها أبناء المعسكر الضعيف، وإلا خسروا المرأة، وخسروا معها كل شيء.

الصعود إلى القدس

عشرة أشخاص بينهم طفلتان، قرروا تجربة الحياة البدوية ليوم واحد، بدأت بالتعرف على تاريخ عائلة الحمادين (72 نسمة) التي تقطن في "سطح البحر" أو ما يطلق عليه "وادي قطيف" أو "الخان الأحمر"، وهي فرع ممتد من قبيلة الجهالين.

يقول المهندس الزراعي جميل الحمادين لــ"الحياة الجديدة" إن "قبيلة الجهالين فلسطينية، سكنت قبل عام 1948 في النقب وتل عراق وجنوب البحر الميت، ثم هُجّرت بعد النكبة، وتوزعت في منطقة السفوح الشرقية للضفة الغربية، وبعد حرب 1967، هُجرّت مجددًا، لتتوزع بين أراضي الضفة والأغوار الأردنية، وحاليًا تعيش في شرق الأردن وغور الأردن وأريحا ووادي قطيف، وشرق محافظة الخليل".

وجميل اليوم، هو المرشد لمسار قصير (4 كلم) للمجموعة، بتنسيق بين مبادرة "صحاري للسياحة البيئية في فلسطين" التي أطلقها جميل وأقرباؤه نهاية عام2014، وشركة "بال ترحال" التي يُديرها وائل الحاج في رام الله.

يصعد البدوي الأسمر، هذه الجبال التي تبدو بسيطة وعادية بلونها الباهت، على بعد 15كلم تقريبًا شرق القدس، تتبعه المجموعة، لتكسر الخُرافة التي شَكّلتها عبر نظرة بعيدة.

 يسيرون بين الصخور الصغيرة والكبيرة، يتعثرّ بعضهم تارة، يبطئون ويُسرعون، ويواصلون الصعود إلى قمة الجبل، فالكثير بانتظارهم هناك.

"أترون هذا الإسفلت المتكسّر؟ هذه آثار طريق قديمة إلى الأردن.. وتلك الحفر تتوزع بين خنادق الجيش الأردني وآثار حرب عالمية أولى..  إلى اليسار إشارات لهواة الهايكينج.. إلى اليمين بئر ماء.. وهذه الصخور مِلحية.. وتلك الأنابيب البلاستيكية السوداء، خط مياه أقمناه في ثلاث ليال متتالية من العمل المشترك بين كل السكان.." وغيرها من التنبيهات والمعلومات، التي يتوقف جميل من أجل سردها.

يتذكر رامي عبدالهادي، أثناء سيره مع المجموعة أيام دراسته في الأردن، ويقول "كنت أسافر يوميًا بين نابلس وعمّان، قبل حرب1967، لا تكلف الطريق أكثر من 45 دقيقة، كما سافرتُ إلى بيروت مباشرة عبر البحر، دون أن تكون عمّان محطةً بيننا".

وتعبّر الشقيقتان نسرين وهنادي شاهين عن أهمية هذه التجربة، الأولى من نوعها بالنسبة لهما، وتؤكدان على أهمية اصطحاب الأطفال الذين يكتسبون مهارات ومعارف أقوى عبر تجارب نظيرة.

أما الطفلتان سيلينا وزينة، فكانتا فاكهة المجموعة، أو بالأحرى "الأميرات" كما تودّان وصفهما، فحينًا أصيبتا بالملل من صعوبة السير وتعب الصعود، وآخر اندمجتا في أحاديث الكبار وشاركتا فيها، عبر أسئلة ذكية، واستفسارات بريئة.

ليس أجمل من الوصول إلى القمة، سوى السير نحوها، لكن ما يتغلّب على كل ذلك، مشهد الأفق حين يرتاح الجميع إلى التقاط الصور.

يقول جميل "كل ما يحيطنا هو بريّة القدس" ثم يؤشر إلى القدس ورام الله وبعض المدن في أراضي48، ودير قرنطل في أريحا، ومقام النبي موسى، وأريحا، ومدن أردنية"، ثم يسأله أحد أفراد المجموعة "وهناك في الأسفل أي قرية؟" يجيب: "ليست قرية إنه معسكر إسرائيلي".

يصعد اللون البُرتقالي، ثم يتشقق ألوانا أخفتَ وأقوى، ويتمازج مع بعضه البعض، وترسل الشمس بريقها الأخير قبل أن تهبط خلف البيوت والشوارع التي بدأت تنير أضواءها تباعًا، ثم تختفي.

إلى الخلف، بعد نحو ساعة ونصف، من الانتظار المتلهّف لتلك اللحظة، يصعد القمر رُبعًا تلو ربع، ونصفًا خلف نصف، في مشهد تراه العين أكثر إبهارًا من عدسة الكاميرا، ثم يكتمل في ليلة 14 ربيع الأول وفق التقويم الهجري- القَمَري، فيما تشتدّ أضواء الأرض تحته أكثر في موعده، ويحيطه السواد، ليبقى هو اللؤلوة البرتقالية التي تزيّن الكون، وتبقى البلاد التي ترسمها الخريطة وتبعدها الحواجز والحدود، على مرمى قمر.

لماذا "صحاري"؟

ما يرويه جميل عن حياتهم، يشبه أن يحارب الإنسان وحده، وينتزع حقوقه بيده، إذ يبدو العالم أكثر انشغالًا من أن يعبأ بأمره، فمنذ حرب 1967، تقيم عائلة حمادين في "وادي قطيف"، وتقاوم من أجل البقاء على أرضها، وتحسين ظروف حياتها، وتقع تحت تهديد دائم بالتهجير.

يقول جميل لـ"الحياة الجديدة": "سابقًا وردتنا إخطارات بالهدم، وفي عام 2014 سلمتنا سلطة الاحتلال أوامر إخلاء للمنطقة، بحجة الاستخدامات العسكرية للجيش، وفي 3 تشرين ثان (نوفمبر) الماضي، عرضت المحكمة الإسرائيلية علينا الانتقال للعيش في منطقة النويعمة".

لذا فإن أهم التحديّات التي يواجهها سكان "سطح البحر" التهديد الدائم بالإخلاء وصعوبة الحصول على المقومات الأساسية، إذ أغلقت سلطة الاحتلال الطريق الرئيسة، كما خسروا مساحات شاسعة من المناطق الرعوية  لصالح المستوطنات ومعسكرات جيش الاحتلال، وفق توضيح جميل.

هل يفكر أحدكم بترك المكان والاستقرار في أريحا، مثلًا؟ يقول جميل: "نحن اخترنا هذه المنطقة بإرادتنا وحريتنا ونعيش ضمن نمط وتقاليد وثقافة مجتمع تعتمد على العشيرة والعائلة، لذا لا يمكننا العيش مع عائلات أخرى وفي أراضي غيرنا".

نسأل الطفل عبيدة، عن المدرسة، وأيهما يفضل "الرعي أم الدراسة" فيجيب بسرعة وفرَح في عينيه "الدراسة"، ويُسعده أن نقول له بأنه سيكون متميزًا مثل جميل أو أحمد، وغيرهم ممن أكمل الدراسة الجامعية.

وتجدر الإشارة إلى أن جميل حصل على المرتبة الأولى في الفرع الزراعي بالثانوية العامة على مستوى الضفة وقطاع غزة، وأتمّ دراسته الجامعية في الخليل، بمنحة من الرئيس الراحل ياسر عرفات آنذاك.

ويوضح جميل لـ"الحياة الجديدة" أن الحكومة الفلسطينية وفرّت حافلة لنقل طلبة المدرسة من "سطح البحر" قبل ثلاثة أعوام،  ليقلهم ويعيدهم من وإلى المدرسة في عقبة جبر قرب أريحا، وهم 21 طالبًا وطالبة.

لكن ما الذي يمثله التعليم للبدوي في "الخان الأحمر"؟ يقول جميل: "رأينا أن جزءًا منّا يكفي للعمل في الثروة الحيوانية من رعي وتربية الأغنام، لذا كان التعليم فرصتنا الثانية لخلق مصادر عمل مختلفة".

وعن مبادرة "صحاري"، يقول جميل: "فكرنا أننا نعرف جميع الطرق التاريخية للمنطقة التي نعيش فيها وجميع المناطق المجاورة، بالتالي يمكننا عبر هذه الجولات تسليط الضوء على قضايا المجتمعات البدوية والتعرف على البيئة المحيطة من نباتات وحيوانات، والمردود المادي الذي يتم تحصيله، نقتطع منه لدعم الصحة والتعليم".

 أما الكهرباء، فمنذ شهر نيسان (أبريل) 2015 فقط، تمكن السكان من الحصول على وحدات من خلايا الطاقة الشمسية، عبر أحد مشاريع "بكدار"، تزود المنطقة بالإضاءة والاستعمالات البسيطة للطاقة.

حفلة قهوة

يُقلب عبدالله الحمادين (27 عامًا)، بذور القهوة الخضراء بهدوء تام في الـ"محماسة" المعدنية، وخلال دقائق تتصاعد رائحتها التي تشغف الجميع حول النار، بانتظار شربها، وحين تململ أحدهم مازحًا، قال صالح الحمادين (38 عامًا) "القهوة بالنسبة إلينا جلسة وسهرة وتبادل أحاديث وقصص وليس مثلكم تصبح جاهزة خلال دقيقتين وانتهى الأمر".

وبعد أن تتحول البذور الخضراء بكاملها إلى اللون الأسود، يتناولها جميل (30 عامًا)، ويقلبها في "المبرد" الخشبي، لكي يتخلص من القشور الزائدة ويبرّدها، وخلال ذلك يقوم أحمد الحمادين (23 عامًا)، بطحن "الهيل" في المهباش الخشبي، ثم يتناول القهوة من جميل ويطحنها، عبر دقات منتظمة الإيقاع.

وأخيرًا، تصل القهوة إلى الماء الساخن، الآخذ بالغليان على مهل في النار نفسها منذ البداية، ويغليان معًا، لكن أحدًا لن يشرب، قبل أن يهز جميل الفنجان ويرتشف القهوة، فمُعدّها يشربها قبل الضيوف، لتفحصّ خلوّها من أيّ عيب، ثم يحمل "الدلة الدمشقية" بيساره، والفنجان بيمينه، ويبدأ تقديم القهوة من جهة اليمين، وواجب الضيف استلامها باليمين أيضًا.