اضحكي.. ما من فرحٍ شوههُ تقويم

كتبت: رحمة حجة

لا بدّ أولًا، شُكر مصدر الإلهام لكتابة هذا المقال، وهو أولئك الذين يقرأون العناوين ويكتفون بها، ثم يطقطقون تعليقاتهم على لوحات المفاتيح، أو يرسلونها عبر نقر شاشات أجهزتهم المحمولة الذكية أو اللوحية، ولا يشعرون بأي حرج في الجمع بين قذف الناس وتكفيرهم، علمًا أن أسماءهم ليست مُستعارة.

قبل نحو خمس سنوات، قال لي طبيب الأسنان "لن تستفيدي من تقويم الأسنان لأن الأجدى أنك قمتِ به في طفولتك"، وقبل ستة شهور تحديدًا، قال لي طبيبٌ آخر "بالطبع لم يَفُت الأوان، لكنه سيأخذ وقتًا أطول وجهدًا أكبر منك حتى تحصلي على النتائج المرغُوبَة"، لأسارع إلى العلاج، كي أغتنم الوقت، فليس مهمًا أن تتأخر عن الموعد، لكن المهم ألا تُفوّته حين تسنحُ الفُرصة مجددًا.

وهذا الشك في جدوى التقويم أو التقدم خطوةً إليه حين الشعور بحاجته، يراود الكثير من النساء والرجال، خاصة إذا تجاوزوا بداية العشرينيات، أو كانوا متزوجين/ات. لأن الصورة النمطية للاهتمام بالذات للأسف، لا تزال موجودة عند الكثيرين، كأن المرأة أو الرجل يجب أن يتوقفا عن التجمّل والحفاظ على جسديهما وصحتهما بعد الزواج، وكأن الزواج هو الهدف النهائي الذي تتوقف بعده الحياة، لتُصاغ حياة أخرى هدفها العيش للآخرين ونسيان الذات.

في اليوم الأول والثاني من وضع التقويم (الجسرBraces) كانت المسألة مؤلمة، وانتابني خوف على التقويم من أي نوع طعام أتناوله، وكنتُ أخجلُ الكلام، ولا أمنح لضحكتي حرّيتها، أو أخففها بابتسامات متباعدة، لكني مع انتهاء الشهر الأول، تكيّفتُ معه وصار كمثل ما في فمي من أجزاء، تمامًا كأي غريبٍ تعتاده مع الوقت، ويصبح في ما بعد صديقك الذي تأبى فراقه، ولأنك تعلم بفراقكما يومًا ما، لا تضيّع اللحظات بالتململ، بل تجعلها ذكرى أفضل لزمن قادم.

لم أكن أعلم أن الصورة الأولى التي وضعتها على الفيسبوك في أول يوم لي مع "الجسر" ، ستكون محطّ استغرابِ البعض، لأنهم/ن ظنّوا أن في الأمر جرأة ومغامرة أو أنه ببساطة غير مألوف لديهم، بينما لم أفكر بكل ذلك، وكأي صورة "سيلفي" أخرى بمظهر جديد أو مكان جديد أزوره، التقطتها ونشرتها، وطلبتُ دعمًا معنويًا من الأصدقاء والمعارف الذين جرّبوا التقويم أو لم يجرّبوه، وكانت تعليقاتهم/ن أجمل من توقعاتي.

مع الأيام، صار "الجسر" قاسمًا مشتركًا بيني وغرباء ألتقيهم وأصدقاء جرّبوه في مراهقتهم أو طفولتهم، نبتسم لبعضنا، أو نتبادل تعليقات مضحكة ونصائح لتعايُش أفضل معه.

وكما كنت أخجل من ضحكاتي، خاصّة أنني من النوع الذي لا يكتفي بالابتسام، لم أضع تقويمًا ملونًا، لأنه يقول بشكل صارخ "أنا هنا" كأنه "فضيحة"، لكنني حين جرّبتُ اللون الأول، صرتُ أترقبّ مراجعة الطبيب القادمة، لأجرّب اللون الثاني، وهكذا، تصبح الأشياء سهلة وبسيطة والحياة أيسَر.

كيف تأكلين مع التقويم؟ قبل وضعه ظننت أن من وضعوه يعيشون على العصائر والشوربات، وبعده، عرفتُ أن الإجابة تشبه سؤال الدهشة "كيف للصبيّة التي فقدت يديها أن ترسم بقدميها هذه اللوحات الجميلة؟"، ربما ليس الأمر معجزة، لكننا حين نتقبلّ أمرًا لا بُدّ منه أو لا مناص منه، ونتوقف عن الشكوى، نصنع صورتنا المغايرة، فنعيش حياتنا بشكل أفضل.

ضحكتك جميلة، لا تقتليها أو تؤجليها، فبعض الفرح لا يأتي مرتين، وكلماتك تعبيرٌ عنك، فلا تلجُميها أو تكتميها بحُجّة "الجسر" الذي يعني في النهاية عبورًا، وإن لم نعبر الجسر لن نكتسبَ تجربة جديدة، نحكي عنها حين الوصول.