15 عامًا من العُزلة .. أبطال التحدي والرهان الخاسر!

كتب: أحمد الحاج أحمد

شهدت الرياضة الفلسطينية في السنوات الأخيرة الماضية العديد من التحديات والصعوبات، وذلك بعد تضاعف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للرياضة الفلسطينية، والتي بلغت ذروتها في العامين المنصرمين، لاسيّما بعد الحرب الأخيرة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، حيث أدت لاستشهاد العشرات من أبناء الحركة الرياضية وإصابة آخرين، عدا عن تدمير عدد كبير من الملاعب والمنشآت الرياضية بشكل مباشر.

هذا في قطاع غزة، أما على صعيد الضفة الغربية، فلا تزال قوات الاحتلال تمارس سياساتها القمعية بحق الرياضة الفلسطينية من اعتقالات للاعبين، واعتداءات واقتحامات للمقرات الرياضية، حتى وصل الأمر إلى اقتحام سافر لمقر اتحاد كرة القدم الفلسطيني والذي يرفع علم الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، وذلك في انتهاك واضح للقوانين والمواثيق الأولمبية الدولية، مما دعى الاتحاد الفلسطيني إلى تكثيف الجهود والعمل على لجم الممارسات الإسرائيلية بحق الرياضة الفلسطينية، ليصادق الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" على قرار تشكيل لجنة لمتابعة حركة وتنقل اللاعبين الفلسطينيين، وذلك خلال الكونجرس الذي عُقد في شهر آيار المنصرم، حيث آتت هذه الجهود والقرارات أُكُلها سريعًا، فقد تكللت بإنهاء العزلة الرياضة بين قطاع غزة والضفة الغربية بعد 15 عامًا من العزلة الرياضية، حينما أقيمت بطولة كأس فلسطين بين بطلي الضفة وغزة.

أبطال التحدي

فقدت الحركة الرياضية المدربيْن عاهد زقوت وأحمد دلول والعشرات من اللاعبين، في حين تم تدمير البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة، وذلك خلال العام الماضي فقط في الحرب الأخيرة على القطاع، بينما اعتقلت قوات الاحتلال نجم المنتخب الفلسطيني سامح مرعبة لأشهر عديدة كحال العديد ممن سبقوه، كما واصل الاحتلال منع عدد كبير من اللاعبين من تمثيل فلسطين في المحافل الدولية بعد منعهم من التنقل عبر الحواجز والمعابر التي يسيطر عليها، هذه الظروف الاستثنائية والانتهاكات المتواصلة التي عاشتها وتعيشها الرياضة الفلسطينية لم تكن عقبة في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.

فبعد الحرب على غزة بأسابيع قليلة، تم العمل على إصلاح ما يمكن من الأضرار التي لحقت بالمنشآت الرياضية، وإطلاق بطولات تنشيطية لبداية الموسم الرياضي، في حين خرج مراعبة من سجنه ملتحقًا بـ"الفدائي" ليعانق الشباك من جديد خلال مشاركته في البطولات الدولية.

وفي فترة زمنية قصيرة، تمكن المنتخب الفلسطيني لكرة القدم من الظفر بكأس التحدي كأول لقب دولي رسمي في تاريخه، والذي على إثره نال جائزة أفضل منتخب متطور في قارة آسيا، وها هو الآن يقدم أفضل ما لديه في التصفيات المزدوجة لنهائيات كأس العالم والأمم الآسيوية. الخروج من العزلة كانت المرة الأخيرة التي جمعت فريقين من الضفة الغربية وقطاع غزة في بطولة كأس فلسطين إبان انتفاضة الأقصى، حيث لم تتمكن الحركة الرياضية من لم شملها سوى بعد 15 عامًا، بعد تحديات وصعوبات بالغة في وجه الغطرسة الإسرائيلية، حين تمت المصادقة بأغلبية كبيرة على قرار تشكيل لجنة لمتابعة حركة وتنقل اللاعبين الفلسطينيين.

فقد تقرر إقامة بطولة كأس فلسطين بين اتحاد الشجاعية بطل الكأس في المحافظات الجنوبية، وأهلي الخليل بطل الكأس في المحافظات الشمالية، وذلك في سبيل كسر الحصار الرياضي الذي يفرضه الاحتلال على محافظات الوطن، وتحديد هوية بطل كأس فلسطين وممثلها الثاني في بطولة كأس الاتحاد الآسيوى، ليتكلل هذا الحدث الذي حظي باهتمام رسمي وشعبي وإعلامي كبير بالنجاح غير المسبوق، وأضفى نظرة إيجابية على مستقبل للرياضة الفلسطينية التي أضحت تحصد ثمار جهدها الدؤوب.

شباب رياضي "متشائل"

إذا ما جُلت في المناطق المدمرة من قطاع غزة لتفقد أحوال الناس، فسوف يخطف لبّك لوحة تحدٍ وصمود يرسمها شباب غزيون فوق ركام المنازل برياضة فريدة، موجهين للعالم رسائل عديدة من شعبٍ لا يعرف الانكسار، فكثيرةٌ هي المطالب التي تنادي بالحرية في قطاع غزة المحاصر، لكن ثمة من ينتزعونها ويتحدون بها احتلالًا جائرًا، كما أنهم صنعوا لأنفسهم رياضةً تليق بواقعهم الذي ينشد الحرية دومًا. رياضتي الباركور "Parkour" وتجربة الشارع "Street workout" اتخذتا من المناطق المدمرة مسرحاً لألعابهم الرياضية التي تتماشى مع طبيعة المكان، تحديًا للاحتلال الذي يقمع الرياضة الفلسطينية، حتى أنه يرفض إدخال لوازم رياضة التزلج على الأمواج "Surfing" والتي يمارسها عدد لا بأس به في غزة، كما تسعيان إلى لفت أنظار العالم إلى المعاناة التي تعيشها الرياضة في فلسطين، حيث لا زال الشباب الرياضي "متشائلًا" في نظرته للواقع الذي يعيشه، لكنه ينظر بأمل وتفاؤل كبيرين للمستقبل.

الرهان الخاسر

ظنّ الاحتلال أن ممارساته القمعية وانتهاكاته المستمرة بحق الرياضة الفلسطينية سوف تأتي أكلها فتتوقف النهضة الرياضية، وذلك بعدما اعتقد أنه بات يُجهز عليها، إلا أن الحركة الرياضية لقنت الاحتلال درسًا لن ينساه، ومنحته صفعة سوف يتذكرها مراراً وتكراراً.

فالمنتخب الفلسطيني الذي يحاول الاحتلال عرقلة مسيرته بالمنع والاعتقالات وصل إلى مرحلة ذهبية وبات يحقق أهدافه وآماله، والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الذي اقتحمته قوة عسكرية من جيش الاحتلال طلب من "الفيفا" تشكيل لجنة لمراقبة حركة وتنقل اللاعبين الفلسطينيين ونجح في ذلك، ونادي اتحاد الشجاعية حقق ثلاثية تاريخية على الرغم من أن الحي الذي يقطنه معظم لاعبيه تدمّر عن بكرة أبيه، والمنشآت الرياضية والملاعب التي تم تدميرها جرى إصلاحها، في حين تم كسر الحصار الرياضي المطبق الذي استمر 15 عاماً.

عام جديد للإبداع الرياضي

إن التاريخ الرياضي الفلسطيني سوف يسجل فصول هذه الفترة الذهبية التي عاشها ويعيشها المنتخب الفلسطيني، وأبطالها الذين يقفون بكل قوة وحماس في سبيل رفع شأن الرياضة الفلسطينية، الذين سجلوا أسماءهم بمداد من ذهب في سجل الخالدين إلى الأبد. وتعيش الرياضة الفلسطينية حالياً نهضة غير مسبوقة على كافة الأصعدة، رغم ما تلقاه من ممارسات عنصرية وقمعية بحقها، إلا أن جهود الاتحاد الفلسطيني آتت أكلها خلال فترة قصيرة، حيث كانت أبرز تجليات هذه النهضة وذروتها هي الإنجازات التاريخية التي حققها المنتخب الفلسطيني لأول مرة في تاريخه على مستوى قارة آسيا.

وستبقى الرياضة الفلسطينية لوحة الفسيفساء التي يتجسد عليها الوجود الفلسطيني الراسخ، ولن تنكسر أبداً، بل ستبقى كطائر الفينيق الذي ينطلق من تحت الرماد، أقوى وأكبر وأكثر جمالاً وبهاءًا.