ماهر الهشلمون .. الأغنياء أيضاً فدائيون

الخليل - الحياة الجديدة - أمل دويكات - في منزل تبدو في أركانه علامات العيش الرغيد، تقيم زوجة الأسير ماهر الهشلمون السيدة بهية النتشة وطفلاها عبادة ومريم بالقرب من منزل أسرتها، وذلك بعد أن هدمت قوات الاحتلال منزل زوجها المغيّب في سجون الاحتلال، حيث يقضي هناك حكماً بالسجن مدى الحياة وغرامة مالية قدرها مليون دولار.

والأسير ماهر حمدي زهير الهشلمون (31 عاماً) هو منفذ عملية طَعْن مستوطِنة وإصابة اثنين آخرين، قرب مجمع "غوش عتسيون" الاستيطاني شمال الخليل في أواخر عام 2014.

مراسلة الحياة الجديدة التقت زوجة الأسير السيدة بهية في منزلها بمدينة الخليل، وأعدت المقابلة التالي نصها:  

في البداية، عرفينا من هو ماهر؟

ماهر الهشلمون هو الانسان الناجح في كل نواحي الحياة ولله الحمد، الانسان الحنون علينا (انا وطفليه)،  فقد كان من واجبه دائما إعداد الفطور والعشاء لنا بكل صدر رحب، وكان ذلك الشخص البار الخلوق اجتماعيا الصادق الامين مهنيا.

ما هي اهتمامات ماهر وهواياته؟

كان يحب السباحه كثيرا، يحب السفر، ويحب تجربة كل جديد، لم يرغب أبدا أن يسمع عن شيء ولا يجربه، اهتماماته متنوعة: فهو انسان طموح حالم جدا، شديد الحب لله، ولأرضه ووطنه، ومحب للحياة أيضا بكل نواحيها، أحبَّ التجارة جدا ودائما كان عنده شيء جديد، وبصراحة كان وجوده في حياتنا منبع متعة لا ينضب.

ما هي دراسته ومجال عمله؟

حصل على "التوجيهي" في السجن، ثم أكمل الدراسة الجامعية بعد خروجه من الاعتقال، وحصل على دبلوم في اللغة العبرية والمحاسبة، وكان يعمل مديراً مالياً وإدارياً في شركه خاصة في بيت لحم.

ماذا تعرفين عن تجربة ماهر الأولى في الأسر وأثرها في حياته؟

ماهر أُسر صغيراً مدة أربع سنوات ونصف، وكانت تلك التجربة عظيمة الأثر عليه نفسياً فقد أمضى وقتا بعد خروجه يتعالج نفسياً، وأثرت عليه كأي أسير من النواحي الاجتماعية، وصعوبة الحصول على فرصة عمل والانخراط مجدداً في المجتمع، ولكن بحول الله استطاع أن يتغلَّب على كل هذه الصعوبات.

ولمّا رأيت ألمه من تجربة الاعتقال، تمنيت له الشهادة على السجن لعملي بكرهه له، ولكني فوجئت بأمله ورضاه العجيبين في هذه التجربة.

في يوم العملية، ماذا حدث؟

كان يوماً عادياً منذ بدايته لغاية اللحظة الأخيرة، حتى أننا كنا نخطط في ذلك اليوم للذهاب إلى عمّان مدة يومين لكسر الروتين، وكان الخبر مفاجئا من ذلك الشخص الهادىء الحنون، أن يقوم بهذا العمل البطولي، خاصة أن ماهر لطالما آمن بالهبّة الجماعيّة .. طبعا كل ما كان في ذلك النهار عادي ما عدا الوصية (وصيته) وإخباره إياي أنها موجودة في مكتبة المنزل، ولأنه كان من عادتنا كتابتها لم تثر في نفسي شكوكاً. 

كيف تلقيتِ الخبر وماذا كانت أول ردة فعل لديك؟

كان من عادتي التذمر على أقل الأمور كأي شخص اعتاد الرفاهية في كل أمور حياته، وكنت أشعر أن الدنيا تنتهي على أبسط الأمور. ولكن في ذلك اليوم لم أجد سوى الحمد، كانت السكينة مرافقة لي طوال الوقت.

ما هو أثر الاعتقال في نفسه ونفسك ونفسي طفليكما؟

كما أخبرتك كانت تجربة الاعتقال الأولى صعبة جداً على ماهر، وهذا ما جعلني أتمنى ما لا يتمناه عاقل.. تمنيت فراقه على أن يعذب ويغيب في السجن، ولكن سبحان الله وجدت ماهر صابراً، لا بل وجدته بسعادة لا يمكن وصفها فهو دائم التفاؤل والأمل وهذا ما يقويني.. ماهر كلما كلمني من شدة سعادته وتفائله، أشك أنه على علم بالإفراج عنه بعد ساعات وأنه يخفي الأمر ليفاجئني! أمّا بالنسبه لي ولأبنائه وأبدأ بنفسي، فقد فقدت كل معاني الحياة لولا الله، لأن ماهر كان الأب والأخ والصديق والزوج.. ماهر كان لي كل الحياة، وهذا ما جعلني أتمنى لو أدع كل الدنيا وأذهب معه إلى تلك الزنزانه المظلمة.

أما طفلينا عبادة (8 سنوات) ومريم (6 سنوات) فعانيا كثيراً، ولو أردنا الحديث عن ذلك سيلزمنا ساعات، ولكن أقول أني بحمد الله وجدت لهم مخرجا بالدعاء والأمل فكلما سألوني طلباً، مثلا نريد أن نسافر إلى البلد الفلاني أقول لهم لنذهب إلى الصلاة، وندعو الله أن يرجع إلينا ماهر فيأخذنا إلى حيث نشاء.. والأطفال "ممنوعون أمنيّاً" من زيارته، ولولا فضل الله ورحمته ما علمت كيف أجعلهم على ما هم عليه الآن من تفاؤل وترقّب بيقين عودة أبيهم حتى أنهم أصبحوا دائماً يقولون: عندما يعود أبي سأفعل كذا وكذا.

كيف تعاملتِ أنت والأطفال والأهل مع قرار الاحتلال بهدم المنزل؟

لم أكترث له أبداً، فنحن لنا في كل حجر أجر، وقد كنا وهبناه لله منذ أول يوم خرجنا منه، فكيف نحزن بعد ذلك؟ لقد تمنى ماهر لو كان قصراً، ولو كان أكبر، ولو كان أجمل، ولو أننا عشنا فيه أكثر ليكون أجرنا اعظم! أختي مصابنا بماهر كان أعظم من أن نحزن على مال ومجرد حجارة.

أما الاطفال فقد قالوا عندما سمعوا الخبر نحن نحب هذا المنزل كثيرا اشتقنا لغرفتنا القديمة.

 

ماذا انتظرتِ من أهل منطقتك بعد هدم المنزل؟

ربما أنتظر وقفة معنوية لا مادية أبداً من أهل بلدي، تمنيت التفاف الناس حولي، ولكن بعد تفكير بسيط بالأمر علمتُ أن جرح الخليل الكبير بهذه الجثامين، التي تنتظر فك قيدها وتشريفها بزفها إلى الثرى، جعل أهل مدينتي بسبب العبء الكبير عليهم يغفلون عما اشتهت نفسي، فوجدت نفسي خجلة من هذا التفكير وبكيت على طمعي واستئثاري لنفسي.

كيف يتعامل الأطفال مع غياب أبيهم؟

الأطفال يتذكرون تفاصيل كثيرة أغفل عنها أحياناً .. يتذكرون كيف كان يربط حذاءه، وماذا كان يعد لهم في وجبة الفطور، وكيف كان يوقظهم من النوم.

ما زال الأطفال صغاراً لا يجيدون التعبير بشكل واضح، لكن أجد أحياناً نظراتهم حزينة، وأحياناً يبكون دون سبب، وأخرى يفتعلون المشكلات، ويعبّرون عن ما بداخلهم بعبارات قاتلة، وعلى سبيل المثال، يقول عبادة: "لو يرجع بابا للمول قبل ما يتركنا وأعبطه، وأقول له ما تعاود تتركنا هيك!" ومريم تقول "كل يوم بس أروح من المدرسة بشوف الأطفال باخدهم أبوهم وبقول ليش أنا ما إلي أب ييجي ياخدني!" وتبكي لذلك.

ولكني أحاول علاج هذه الأمور أولاً بأول، أحياناً ألجأ لأعمامهم ليساعدوهم في هذه الحالة النفسية، وأحياناً ألجأ لأسلوب المكافأة،  وكل مرة بأسلوب يناسب حالة الأطفال، لكن الأمر ليس سهلاً أبداً.