مؤنس أبو شمالة.. صانع السجاد الذي تحدى الاعاقة

لا يستطيع سوى تحريك رأسه وإحدى يديه

غزة- الحياة الجديدة- عماد عبد الرحمن- أول ما يلفت الانتباه إليه عندما تراه للوهلة الأولى ابتسامته العريضة بجانب مشغولاته اليدوية، وبمجرد الحديث معه تستشعر حالة الرضا التي تملؤه، حالة من الرضا لا تكاد تراها في غيره ، تطل من عينه عزيمة وتحد تستوقفك لتكتشف أسرارها، فبالرغم من إعاقته التي لا يستطيع بسببها سوى تحريك رأسه وإحدى يديه فقط، إلا أنها لم تنل من عزيمته شيئا، ولم يعرف طموحه أية حدود.. انه صانع السجاد مؤنس أبو شمالة "42 عاما"، سلبت الإعاقة حركته منذ أن كان عمره 7 أشهر نتيجة خطأ طبي، وبالرغم من هذا يستطيع أن يحلق في فضاءات يعجز كثير من الأصحاء الوصول إليها. 
يكشف مؤنس لـ "استراحة الحياة" عن سر قوته الداخلية التي أصبح الكثير منا يفتقدها هذه الأيام وهي إرادة حب الحياة، فبالرغم من إعاقته الكبيرة ، وعدم  خروجه للعالم الخارجي، خارج حدود بيته وأسرته المكونة من 4 أشقاء و5 شقيقات حتى سن الـ 16 عاما، إلا أنه لم يشعر قط أنه معاق، مدينا بالفضل في ذلك لوالديه وأشقائه الذين لم يشعروه يوما أنه يختلف عنهم، بل رافقوه وساندوه في بدايات حياته وتعاملوا معه بشكل طبيعي كأي طفل طبيعي، بل ونقلوا له بعضا من تفاصيل العالم الخارجي، من خلال مشاركتهم له ألعاب الأطفال بالشارع داخل البيت حتى لا يحرم من حقه في اللعب، بجانب توفير والده له مدرسين يعلمونه القراءة والكتابة حتى لا يحرم من التعليم لعدم وجود مدارس وقتها مهيأة لاستقبال المعاقين.
يقول مؤنس: عندما قررت الخروج خارج حدود منزلي والاحتكاك بالناس بدأ التحدي الفعلي وصاحبه أول إحساس داخلي أنني معاق من خلال نظرات الآخرين لي، ومن هنا بدأ الصراع الأكبر، في مواجهة التحديات، وكان أكثر شيء يؤلمني نظرة المجتمع، ومن أكثر المواقف التي تركت ألما داخليا في نفسي عندما كنت في سن الـ 22 عاما وذهبت لأحد المساجد لأصلي استوقفني أحد المصلين ليعطيني نقودا ظنا منه أنني شحاذ، عندها عدت للبيت وكنت على شفا اتخاذ قرار بأنني لن أخرج منه ثانية، ولكن جملة بسيطة في كلماتها عميقة في معانيها قالتها شقيقتي الكبرى كان لها الأثر الأكبر في تغيير حياتي والبقاء على الطريق الصحيح وهي "طالما قررت الخروج للناس فعليك أن تتحمل" وبعدها تكررت تلك التحديات ولم تنل من عزيمتي وإرادتي.  

صناعة السجاد
وأضاف: "كنت دائم البحث بداخلي عن عمل أو هواية تميزني وتشعرني بوجودي الى أن ذهبت يوما لجلسة علاج طبيعي عندما كان عمري 27 عاما بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وقابلت مجموعة من الشباب ذوي الإعاقات يقومون بحرف يدوية مثل الرسم على الزجاج والحفر على الخشب، فقلت في قرارة نفسي انني استطيع أن أقوم بهذا العمل، وبالفعل بدأت أتردد على جمعية الهلال وبدأت في الرسم على الزجاج وتميزت في تلك الحرفة، ولكن لم ترض تلك الحرفة طموحي، وكان هناك دائما شيء بداخلي يقول لي انني أستطيع أن أقوم بعمل أفضل من ذلك، خاصة وأن جميع من لديهم موهبة يستطيعون الرسم على الزجاج، فعملت بعدها في حرفة الرسم على السيراميك وأتقنتها، وشعرت بنفس الإحساس، الى أن تعرفت على مسؤول ورشة السجاد وقتها في جمعية الهلال الأحمر وراقت لي فكرة عمل تصاميم السجاد، فبدأت برسم تصاميم ورسومات للسجاد، وأبدعت فيها ونالت إعجاب ورضى مسؤول الورشة، فقرر على إثرها أن أعمل معه في الورشة". وتابع: "طورت عملي وأبدعت فيه وأضفت الكثير من الرسومات والتعديلات على الغرز، لكن كان كل هذا نظريا على الورق، نظرا لإعاقتي وعدم استطاعتي إلا بتحريك اصبعين فقط في يدي اليمنى".
وأشار مؤنس الى أن رسم تصاميم السجاد يعتبر في حد ذاته تحديا كبيرا بالنسبة لإعاقته، وكان يعاني كثيرا في رسم التصاميم الأكثر تعقيدا الى أن ابتكر جهازا سهل عليه عملية الرسم والتصميم على الورق، وبعدها قرر أن يخوض التحدي الأكبر وهو صناعة أول سجادة بنفسه.
وقال: كانت البداية صعبة للغاية، فصناعة سجادة يدوية يلزمها العمل بيدين سليمتين حتى يستطيع الصانع الإمساك بالغرز والتحكم في الورشة، فقام بتطوير عصا قصيرة "عود بطول القلم" يستطيع من خلالها الإمساك بها بيد واحدة تمكنه من إدخال الغرزة وإخراجها، وبالفعل استطاع إنتاج أول سجادة كاملة من صنعه لاقت استحسان الجميع، وتم بعدها توظيفه في جمعية الهلال الأحمر، وتطور أداؤه ومهاراته وأبدع في صناعة لوحات فنية على السجاد بجودة وجمالية عالية تكللت بمشاركته في معارض للمشغولات اليدوية تنافس وتلاقي إعجاب الجميع وتقديرهم.  

الهوايات والزواج
ويضيف أن سبب عزيمتي وإصراري هو إيماني بأنني إنسان موجود في الدنيا ولي طموح وأهداف مثل غيري، ولي حقوق كاملة سواء في العمل أو الرياضة أو الترفيه ولا ينقصني شيء لتحقيقها، فأنا مميز في لعبة الشطرنج بل ومبدع فيها، وتعلمتها منذ الصغر، وأحببتها لأنها تعتمد على العقل فقط، وأصبحت مميزا فيها وأحرزت بطولات، وكنت أرى نظرات شفقة واستهتار بي في عيون خصومي لأنني معاق، وكان يظن خصمي أنه سيحسم الفوز، لكنها كانت ميزة لأنني كنت أفاجئه وافوز عليه.
ويختتم مؤنس حديثه قائلا ان الحياة بالنسبة له مزيج من الطموح والمعيقات، ولم يقف الحلم بسبب إعاقة، طالما أنك تريد شيئا فأنت تستطيع الوصول إليه، ومثال ذلك تجربة الارتباط والزواج التي تعتبر بالنسبة للمعاقين حاجزا كبيرا، وصعوبة في العثور على فتاة الأحلام، إلا أنه عندما قرر أن يتخطى هذا الحاجز، وكان أهم شيء بالنسبة له أن ترى شريكة حياته وأهلها ما بداخل قلبه وعقله، وليس شكله وبالفعل استطاع أن يتخطى هذا الحاجز والارتباط بشريكة حياته ويعيش معها حياة سعيدة، وما زال الحلم يكبر بداخله بحثا عن تحد أكبر يستطيع أن يتخطاه.