الزعتر.. ذهب فلسطين الأخضر

5500 دونم مزروعة في فلسطين تنتج 11 الف طن من الزعتر الأخضر

رام الله - نائل موسى وجمال عبد الحفيظ - الحياة الجديدة - تستحضر مساحات خضراء  تسر العين وتشرح الصدر بعبق رائحتها العطرية النفاذة، الزعتر الفلسطيني البري  من الجبال الوعرة،  ومن أبيات الشعر و تفاصيل حكايات الجدات، الى مزارع حديثة  يفيض إنتاجها منه إلى الأسواق المحلية والعالمية غذاء ودواء وتوابل.

الزعتر في كل بيت فلسطيني

لا يخلو بيت الفلسطيني ووجدانه من الزعتر  تجمعهما حكاية حب ابدية ويرتبط بغذائه  التقليدي الأصيل وعشقه الأبدي للأرض والوطن  مقرونا  غالبا برمزية وقدسية الزيتون وخيراته، وهي علاقة أبرزها كبار شعراء فلسطين ومنه ما قاله الشعار" أحب الزيت والزيتون والزعتر.. ولكن أحب موطني أكثر"، وباقون ما بقي الزعتر" وغيرها الكثير.

5500 دونم مزروعة بالزعتر

 وتقول وزارة الزراعة الفلسطينية ان اكثر من 5500 دونم مزروعة اليوم بالزعتر مناصفة تقريبا بين الزراعة المروية والبعلية  تنتج سنويا اكثر من 11 الف طن من الزعتر الاخضر الذي يصدر قسم منه للاسواق العربية والدولية.

 ويباع الكليو غرام الغرام الواحد في الزعتر الاخضر  في الاسواق المحلية في المعدل بـ 15 شيقلا وهو سعر يعادل اكثر من ضعف تكلفة الانتاج ويتقلب بين ارتفاع وانخفاض تبعا لمعادلة الطلب ما يعني انه يمثل استثمارا جيدا ويحقق دخلا دفع كثيرين وخصوصا في شمال الضفة الى التحويل لزراعته.

زراعة توفر فرص عمل

 وتوفر زراعة الزعتر ايضا فرص عمل ثابتة للزراعة والاعتناء بالاشتال وموسمية مهمة في مواسم القطف والمتعاملين فيه وان كانت كثير من المزارع المتواضعة تعتمد على جهود افراد الاسرة.

64 عاما ومازالت تبيع الزعتر

حضور  الزعتر في طبق او شراب يأخذ فاطمة ابن الرابعة والستين  الى سنوات طويلة خلت يوم كانت تجوب في الجبال حيث يختار الزعتر الصخور والنباتات الشوكية مسكنه ربما لتحميه وتستره  لكن عطره النفاذ يكشف مخبأه ويعيد حكاية هذا النبات السحري اليوم إلى حاضر فهو في حديقتها في متناول اليد  من باب التبرك والعادة.

 ومنذ 25 عاما تعمل فاطمة فلاح "ام ابراهيم" وهي بلدة الجيب شمال غرب القدس المحتلة بائعة خارج سوق الخضار المركزي في البيرة, بشكل دائم وحتى في الايام الماطرة والباردة  والزعتر حاضر غالبا على بسطتها المتواضعة  التي تعرض عليها ما تجود به حديقتها لكن الزعتر تحديدا باتت تشتريه لاغراض التجارة.

فاطمة تقول انها تتفاءل بوجود الزعتر ومنه تعيل أسرة مكونة من 8 أفراد وزوج مريض يبلغ من العمر 82 عاما وأطفال ابن متوفى ترك 4 أفراد وأرملة دون معيل وتجري هي على قوتهم.

ومثل كثيرين يؤمنون بالزعتر ويحرصون على بيعه تقول "هذا النبات أسطورة من الصبر والبذل والعطاء"،  ولاجل توفيره تستيقظ في الرابعة صباحا وتصل الى السوق كي تشتري الزعتر البلدي الغض وتحرص على بيعه حتى السادسة مساء.

الزعتر البري قلّ

وتقول قبل سنوات كنا نجمع الزعتر البري لنبيعه  لكنه قل واصبح نادرا في الجبال واليوم اشتريه وارضى  بهامش ربح  زهيد، المهم ان اوفره لزبائن يبادلونني الاحترام ويثقون بما أقدمه.

 وتقول جارتها في السوق والمهنة  ام سعيد" يلاقي الزعتر الاخضر الاقبال ربما اكثر من غيره فهو شهي وصحي و يدخل في اعداد الكثير من الاطباق والوصفات مكونا اساسيا مثل المعجنات او كنوع من التوابل والبهارات والمنكهات  ويحقق دخلا للبائع وتجار الجملة والمزارع ربما افضل من  كثير مما سواه، إضافة الى قدرته على مقاومة التلف السريع و البقاء طازجا اكثر من غيره.

الزراعة البعلية تضاعف الإنتاج

والزعتر رمز  حاضر في الثقافة والتاريخ الفلسطيني وكان يمثل حالة صمود  وعشق وتواصل مع الارض  يوم كان هذا النبات بريا يجمعه الناس من البراري والجبال بالمجان  سواء لأغراض الاكل او التجارة وتحقيق بعض المال قبل ان يبدأ الفلسطينيون بزراعته في مزارعهم البعلية في تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم التوسع في زراعته بوسائل حديثة تعتمد على الري والمعالجات والمخصبات  مكنت من مضاعفة كمية الإنتاج وعدد القطفات من 3 الى 5 مرات في العام.

وقد تنمو نبتة الزعتر  الى ارتفاع يصل الى 25 سم  وتنبت الشتلة كثيرا من السيقان تظهر مثل باقة كثيرة أوراقه صغيرة  غنية بالألياف شديدة الخضرة وخصوصا المرورية، وأزهارها وردية أو أرجوانية.

اقبال محلي وطلب عالمي

وتولي مؤسسات اهلية تعمل في قطاع الزراعة والمرأة الريفية زراعة الزعتر أهمية كبيرة استنادا الى ما يحظى به من اقبال محلي وطلب عالمي  يمكن تسويقه وتصديره، بالإضافة إلى تحقيقه دخلا مرتفعا نظرا لما يعرف عنه من فوائد وامكانية لاستثمار كامل النبتة من أوراق وساق  وازهار في مجالات الطعام والشراب والدواء والصناعة وفي مجال  استخلاص الزيوت وعقاقير طبية إذ يعتبر واحدا من اهم الاعشاب الطبية في فلسطين حيث يحضر منه وصفات طبية شعبية ويوصف لكثير من الامراض.

 صادق ذيب رضا عودة  مزارع  من بلده مسحة  بمحافظة سلفيت شمال الضفة  وهو ايضا مهندس زراعي يعمل في الاغاثة الزراعية له حكاية مثل المئات مؤثرة مع الزعتر.

وعنها قال" اقوم زراعة الزعتر في قرية عزون عتمة حيث يتوفر المياه فالزعتر بالدرجة الاولى يحتاج الى المياه".

 ويتابع زراعة الزعتر مربحة ماليا وممتعة وربما اقل عناء كون هذا النبات معمر يدوم لسنوات دون حاجة الى اعادة تجديد.

التكلفة تتأثر بعوامل عدة

ويرى عودة ان تكلفة كيلو  الزعتر  تتأثر باجور العمل وسعر المياه, اضافة الى العلاجات والمخصبات وفي المعدل  يكلف انتاج الكيلو 7 شواقل ويباع 16 شيقلا,  وكمهندس زراعي وخبير مهتم بمضمار الزعتر يلفت انتباه المزارعين الى الحرص تجاه ما يعرف بصدأ الاوراق, وهو مرض يسبب الكثير من المشاكل وتساقط الاوراق,  ولهذا يلحق الخسائر بالمزارع.

 وتتركز  اغلب زراعة ومزارع  الزعتر الحديثة  في محافظات شمال الضفة ويقول عودة انها تنتشر  في محافظة قلقيلية  على سيبل المثال فبي جنسفوط, حجه, حيث التربة جيرية ولا تعمل شقوق وتوفر الأرض الخصبة والظروف المناخية لزراعته مشيرا انه يتم ريه في فصل الصيف مرتين اسبوعيا ما أمكن .

وتزرع  اشتال الزعتر في الأشهر الأولى  من العام ما بين كانون الثاني واذار ويعمر بين أربع لسبع سنين .

مسحوق الزعتر

وتقول ام فلاح  انها لم تعد تبيع مسحوق الزعتر  ( الدقة)  التي تصنع من توليفة  قوامها  الزعتر الاخضر  حيث  يتم تحفيفه جيدا في مكان داخلي ومن ثم يطحن  على شكل دقيق ويضاف إليه  حبوب السمسم ، والملح ،  وحبوب قمح  المحمص( القلية)، وربما الشومر، والسماك، ويفطل هذا الخليط بقليل من زيت زيتون، ويصبح جاهزا للأكل  وخصوصا في وجبة الفطار صباحا اذا يعتقد بقدرته على تنشيط الذاكرة .

زراعة الزعتر تتركز على محافظات الشمال

 ويوضح مدير دائرة الخضار والزهور في وزارة الزراعة محمد سعيد اللحام  زراعة الزعتر الحديثة تتركز في محافظات الشمال طوباس, نابلس, طولكرم, قلقيلية،  بالاضافة الى مساحات بسيطة في المحافظات الأخرى.

ويقدر اللحام المساحة  المزروعة بالزعتر اليوم بنحو (5500 دونم) منها 2500 دونم مروية, و3000 دونم بعل.

 وفي حالة الزراعة البعلية  يزرع في الدونم  5000 شتلة  فيما يرتفع  العدد الى 8000 شتلة  في المزارع المروية.

 ويقدر المسؤول تكلفة الدونم الواحد للسنة الأولى  بنحو 1800 شيقل وبعدها من 4 – 5 سنوات لا يحتاج الى زراعة, وبالنسبة للزعتر المروي فهو يحتاج الى كمية مياه في الصيف تصل الى 250م مكعب.

 ويحتاج الزعتر البعل إلى اكثر مراعاة ودقة ومتابعة من ناحية الوقاية والمعالجة والأسمدة, وتكون تكلفة الدونم في السنة ما بين 400 – 500 شيقل فيما يبدأ الانتاج الفعلي من السنة الثانية.

 وبخصوص الانتاج يقول "يؤخذ من الزعتر البعل 3 قطفات وتصل الكمية في المرة الواحدة الى نصف طن اخضر, والمروي يؤخذ منه 5 قطفات اي اثنان ونصف طن اخضر.

وبخصوص تسويق المنتج قال نعمل مع المزارع بمساعدته على تصدير جزء من منتجاته خارجيا منها الى الاردن وحوالي 800 دونم من مزارع طوباس للتصدير الخارجي اوروبا وامريكا – مع المحميات والاعشاب الطبية.

 ويرى اللحام ان مختلف انواع التربة تصلح لزراعة الزعتر فأجاب سواء الحمراء الحديدية, والسوداء, تربة لويس, او التربة الصفراء, ابو البيضاء, ولكن الأفضل هي الحمراء.

 وغالبا ما يلجأ اغلب المزارعين لضمان الارض من اصحابها فالمزارع  غالبا ما يضمن 10 دونمات  بواقع كل سنة 4 آلاف شيقل.

ويدر الدونم في العدل دخلال بين 6000 – 6500 شيقل في السنة, ما يعني انه لا يوجد مخاطرة في زراعة الزعتر فهو يتحمل الظروف الجوية من ارتفاع حرارة او انخفاض فقط توثر عليه الامراض

 وحول توجهيات الوزارة قال نقول من حق كل مزارع اختيار اي محصول يشاء ومناسب له بشرط ان يكون مناسب للمنطقة التي تتم الزراعة فيها, وزارة الزراعة تقوم بارشاد المزارعين في كل المناطق – بكل الوسائل والطرق – بالزيارات الفردية او الاجتماعات, التواصل الاجتماعي, الاعلام.

20 فائدة للزعتر

 وبشأن الزعتر يقول اللحام "نحن نوزع نشرات توعية عن فوائد الزعتر التي تفوق 20 فائدة – فهو يساعد على علاج السعال الديكي والالتهابات الشعبية والربو والبلغم, كما يساعد على تسهيل خروج المخاط الشعبي. يعمل على تقوية الجهاز المناعي وتقوية العضلات, يمنع تصلب الشرايين وتقوية عضلات القلب, مسكن للآلام ومطهر ومنشط للدورة الدموية, يعالج التهابات المسالك البولية والمثانة, يساعد على طرد الغازات من المعدة, ومنع التخمر ويساعد على الهضم وامتصاص المواد الغذائية, طارد للفطريات والطفيليات ويعالج حالات الاسهال, ويعتبر من المواد المضادة للأكسدة, يقوي الذاكرة ويمنع تساقط الشعر, يفيد ايضا وجع الاسنان والتهابات اللثة, يعالج التهابات الحلق والحنجرة يستعمل في علاج مرضى السكري, وينشط النظر ويمنع جفاف العين واصابتها بالمياه الزرقاء مفيد في تفتيت حصوات الكلى وله العديد من الفوائد. هذا وتغلى عروق الزعتر المزهرة واوراقه مع الماء وتشرب (كالشاي) وذلك بتناول مغلي عشب الزعتر بنسبة ملعقة لكل كأس من الماء الساخن بدرجة الغليان مع ملعقة عسل, ويتناول المريض كأسا واحدا الى ثلاثة كؤوس من شاي الزعتر في اليوم الواحد ولعدة ايام. وهي فوائد يقول بها العطارون والمتعاطون بالطب والوصفات الشعبية.

 وينصح اللحام المزارعين بزراعة كل الارض بشكل عام لتصبح منتجة لتحسين وضعه الاقتصادي وهذا ينعكس ايجابيا على الاقتصاد الوطني, بتشغيل الأيدي العاملة لتصبح منتجة  نصيحة تهلل لها ام فلاح كونها قد تتيح انتاجا اوفر  وسعرا اقل يرضي زبائنها الذين يقبلونها ويودعونها يوميا بتقدير لا يقل عن تقديرهم للزعتر على بسطتها.