صقيع أسودّ يقض مضاجع المزارعين

استعدادات لتخفيض الأضرار ومزارعون يرفعون أكفهم إلى السماء طلبا للرحمة

حياة وسوق- ميساء بشارات -يدحرج الفتى حمادة الزبن (12عاما) بعض اطارات السيارات المستعملة، ويوزعها حول أرض والده، التي زرعت بمحصول البطاطا المكشوفة، في سهل عاطوف شرق بلدة طمون، في محافظة طوباس، تحضيرا لصقيع شديد منتظر يومي الأحد والاثنين القادمين.
وحذرت دائرة الأرصاد الجوية، المزارعين من احتمال تشكل صقيع في ساعات الصباح الباكر يومي الاحد والاثنين.
وما ان اعلنت دائرة الارصاد الجوية عن احتمالية تشكل الصقيع، لتبدأ تخوفات المزارعين على محصولهم الزراعي، وبدأوا باستعداداتهم لتخفيف أضراره، خوفا من تكرار تجربة الاعوام السابقة عندما ألم بالمزروعات صقيع لم يذر لهم ذرة من محصولهم.
ويتوقع ان يضرب المنطقة صقيع اسود، لم تشهده فلسطين منذ عام 1992.


المزارعون يستعدون
وعمل المهندس سلطان خلف الذي يزرع الاعشاب الطبية داخل بيت بلاستيكي، في بلدة اليامون شمال غربي مدينة جنين، على تغطية محصوله مرة اخرى داخل البيت البلاستيكي، لتعمل طبقة عازلة، وتحتفظ بالحرارة والدفء، لتخفيف أضرار الصقيع المحتمل صباح اليوم الاحد.
يمسك خلف بطرف بلاستيك مع مجموعة من العمال، وينشرونه فوق محصول الخيار الذي تجاوز عمره الشهر، مشيرا الى ان هذه الطريقة يمكنها اعطاء دفء وحرارة اضافية، وتقلل من البرودة وبالتالي لا تكون بيئة مناسبة لتشكل الصقيع.
يدعو خلف الله بنجاح هذه التجربة، فبالنسبة له تجربة اشعال الاطارات غير ناجحة، وقد جربها من قبل، ويريد هذا العام تجربة تغطية الخضار داخل البيت البلاستيكي ببلاستيك اضافي.
وكان قد تعرضت المحاصيل الزراعية العام الماضي الى السيول والرياح والصقيع.


صقيع من نوع مختلف
من جانبها، تقول مدير دائرة الاعلام الزراعي في وزارة الزراعة برام الله، ضحى عابدي، ان هذا الصقيع الذي تتعرض له المنطقة مختلف عن الصقيع الذي سبقه في الاعوام الماضية، موضحة ان هذا الصقيع يسمى الصقيع الاسود او الجاف او المتحرك.
الصقيع جاف فلا نلاحظ وجود طبقة جليدية على النبات، وهو صقيع اسود لأن النباتات من خلال هذا الصقيع يتحول لون اوراقها الى اسود، وسوف يلحق اضرارا بقمم الاشجار وثمارها.
ونصحت عابدي المزارعين بأخذ الارشادات الصادرة عن وزارة الزراعة على محمل الجد، لما يشكله من خطر على الزراعات. كما ناشدتهم ضرورة تطبيق هذه الارشادات للتخفيف من أثر الصقيع.
ونصحت المزارعين بعدم تقليم الاشجار حاليا وتأجليها الى ما بعد ذهاب الصقيع.
وتعرضت فلسطين لمثل هذا الصقيع مرة واحدة من قبل عام 1992، وهو يأتي في فصل الخريف، ونسميه الصقيع المتحرك لأن حركة الهواء البارد تبقى باستمرار، ولا يوجد بلورات جليدية تظهر على النبات.
وتشير عابدي إلى أن الزراعات المكشوفة سيلحق بها اضرار اكبر من الزراعات المغطية، لكن المزارع يجب عليه اخذ الاحتياطات قدر الامكان، وبامكانه ري المزروعات ريا رذاذيا على فترات متقطعة، للتخفيف من التأثير.
ويتخوف المزارع الحج ناصر عبد الرازق (51 عاما)من محافظة طوباس، والذي امتهن الزراعة منذ حوالي 36 عاما، من ضربة الصقيع الاسود، لموسم الخضار المكشوفة لديه، بعد ان وضع كل امله في هذا الموسم.
وبالنسبة لعبد الرازق فان موجة الصقيع الاتية تحدد مصير المزارعين، الذين لم يفيقوا الى الان من الموجات السابقة، التي لحقت بالقطاع الزراعي، نتيجة الاجواء الجوية.

 

ديون تتراكم
يقول عبد الرازق المالك لـما يقارب الـ 1500 دونم في سهل عاطوف الزراعي، يزرع اغلبها حاليا بمحصول البطاطا، الذي لم يتجاوز عمرها الاربعين يوما: "ان الديون تراكمت على المزارعين دون وقوف ومساندة احد لهم".
ويتابع عبد الرازق: "ان المزارع الذي نجى محصوله من موجة الحر والرمال في فصل الصيف، لم ينج من الصقيع الذي قضى على الانتاج الزراعي العام الماضي، ما ادى الى تراكم الديون على المزارعين، والحاق الخسائر الكبيرة بالزراعة".
ويشير عبد الرازق إلى ان موسم البطاطا هذا يعتبر الاوسع، وخاصة ان 70% من انتاج البطاطا يبدأ بشهر كانون الأول.
ويؤكد عبد الرازق تخوفاته من حدوث الصقيع، الذي سيلحق اضرارا لا تعد ولا تحصى، وخاصة انه صقيع شديد لم يمر من بعد عام 1992.
وحول محاولة عبد الرازق التخفيف من اضرار الصقيع، يقول: "ان الارشادات الصادرة عن وزارة الزراعة لن تفيد الزراعات المكشوفة على مساحات واسعة، لأنه لا يوجد مياه كافية لتغطية ما يقارب 1500 دونم من الزراعة المكشوفة في ليلة واحدة، كما ان ري المزروعات لمدة يومين او ثلاثة ايام وهي الايام المتوقع حدوث الصقيع فيها سيؤدي الى عفن المحصول.
ومن خلال تجربة عبد الرازق في الزراعة والتي بدأت في الثمانينيات انه عند وقوع القدر لا يوجد شيء يحمي الزراعات، فلا جدوى من الرش او الري او اشعال اطارات السيارات.
ونوه إلى أن هذه الارشادات التي توزعها مديرية الزراعة يمكن ان تفيد شخصا لديه دونم من الزراعات البلاستيكية، لكن من يوجد لديه مساحات واسعة في ظل عدم توفر المياه فلن تكون هذه مجدية.
ويطالب عبد الرازق كغيره من المزارعين بوقوف وزارة الزراعة الى جانب المزارع ومساندته ودعمه ماديا وتعويضه عما لحق به من خسائر في الاعوام السابقة، وليس وقوفها كالمتفرج عليه.
ويقول مدير زراعة محافظة طوباس احمد عبد الوهاب ان المزارع يستطيع التخفيف من الآثار السلبية للصقيع، لكنه لن يستطيع منعه.
ويشير أصحاب البيوت البلاستيكية إلى أنهم يمكن أن يقللوا من تأثير الصقيع اكثر من اصحاب الزراعات المكشوفة. ويوضح عبد الوهاب ان مديريته قامت بتعميم الارشادات على المزارعين سواء الانتاج النباتي او الحيواني عن طريق إرسال مسجات على هواتف المزارعين، ونشر الارشادات عبر الفيس بوك، اضافة الى الزيارات الميدانية.


الوقاية مكلفة جدا
وترسل وزارة الزراعة مسجات ارشادية لأكثر من 15 ألف مزارع سواء بالقطاع الزراعي او الثروة الحيوانية، لأنها وسيلة سريعة لإيصال المعلومة.
ومن هذه الارشادات ري الخضراوات بالمياه، للتخفيف من برودة الاجواء، او حرق اطارات السيارات، لعمل حاجز دخاني فوق المزروعات، واغلاق الدفيئات بوقت مبكر، للاحتفاظ بدرجة حرارة عالية، ورش بعض الادوية التي تعطي نوعا من الحرارة.
وأكد عبد الوهاب صعوبة تجنب الصقيع نهائيا، لأن هذا يحتاج الى تدفئة كاملة وهي مكلفة جدا وصعب تطبيقها للزراعات المكشوفة.
ويشير عبد الوهاب انه في حال ضرب الصقيع الخضار فسوف ترتفع الاسعار بشكل جنوني، خاصة اننا ما زلنا نعاني من ارتفاع الاسعار الذي حدث في الفترة الاخيرة، لان الكمية قلت في السوق، والأسعار تخضع للعرض والطلب.

وترسل وزارة الزراعة للمزارعين مسجات ارشادية على هواتفهم النقالة، اضافة الى نشر الارشادات على الصفحة الخاصة بهم على الفيس بوك، وزياراتهم ميدانيا، بهدف إرشادهم على توخي الحذر والحيطة واتباع الارشادات لتجنب الاضرار الناتجة عن الصقيع والمنخفضات الجوية.
تقول مديرة العلاقات العامة والاعلام في مديرية زراعة محافظة طوباس سناء خنفر، ان الزيارات الميدانية التي تقوم بها المديرية تعتبر شيئا روتينيا، فهي تقوم بها اسبوعيا وليس فقط في الحالات الطارئة.
وتضيف ان الزيارات تتوزع على كل قسم حسب اختصاصه، ليقفوا على ملاحظات المزارعين ويقومون بارشادهم من اجل تطوير الزراعة، ونجاحها، وحمايتها. وتتابع ان كل قسم له مرشد، وهذا المرشد على تواصل دائم مع المزارعين، وليس فقط في حالة الطوارئ.


تعويضات
ويشكو المزارعين من عدم الاهتمام بهم من قبل وزارة الزراعة التي لم تعوضهم عن خسائرهم المتلاحقة والمتالية نتيجة الصقيع الذي ضرب المنطقة على مدار اربعة اعوام متتالية.
وارجعت مديرية الزراعة في محافظة طوباس، عدم تعويض المزارعين عن خسائرهم الى ميزانية الوزارة القليلة من الموازنة العامة، التي لم تكف لتعويض المزارعين عن خسائرهم التي لحقت بهم نتيجة العوامل الجوية.
ويذكر ان هناك صندوقين خاصين بالمزارعين الا انه لم يتم تفعيلهما حتى الآن، وهما صندوق درء المخاطر، وصندوق التأمينات الزراعية.
تقول خنفر: "ان المديرية عوضت المزارعين الذين لحق بمحاصيلهم ضرر نتيجة الرياح، اما الذين تضرروا نتيجة الصقيع فلم يتم تعويضهم.وبلغت حجم المساحات المتضررة بالصقيع العام الماضي 8 آلاف دونم ومعظمها كان بخضار الكوسا والبطاطا. اما عن حجم الخسائر التي لحقت بالمزارعين حسب وزارة الزراعة، نتيجة الصقيع العام الماضي حوالي 40 مليون شيقل. تم تعويض المزارعين بما قيمته 17 مليون شيقل، وكان التعويض يتركز على أصحاب البيوت البلاستيكية حماية لخضارهم من التلف النهائي.