"خلو جنوني" للمحال التجارية في طولكرم

تفاوت ثمن السلع بين المحلات التجارية بسبب الإيجار و"الخلو"

طولكرم - حياة وسوق - مراد ياسين  - "اذا اردت استئجار محل تجاري وسط مدينة طولكرم عليك ان تدفع 180 ألف دينار أردني  بالإضافة الى أجرة المحل (3) ألاف دينار اردني، للباب الواحد".

هكذا اصبح الوضع في مدينة طولكرم بعد بناء العديد من المجمعات التجارية التي تنافست في رفع الأسعار التي أثرت بشكل سلبي على الحركة التجارية والاقتصادية نظرا لعجز الكثير من المغامرين التجار على تسديد التزاماتهم التجارية والضريبية للجهات المسؤولة. 

ملحق الحياة الجديدة الاقتصادي "حياة وسوق" التقى العديد من رجال الاقتصاد والتجار ورجال الأعمال واستمع الى آرائهم والأسباب التي ادت الى ارتفاع أسعار "خلو" المحلات التجارية بصورة غير مسبوقة.

مدير دائرة التخطيط والتطوير في محافظة طولكرم خالد الزغل قال ان ارتفاع أسعار "خلو" المحلات التجارية يلحق الضرر بالواقع الاقتصادي لمدينة طولكرم، مشيرا الى ان المستفيد الأول والأخير من هذه الأرباح هم رجال الأعمال أو المستثمرين فقط، حيث يحققون ارباحا خيالية في وقت قصير جدا، ويستعيدون ثمن بناء المجمعات التجارية من المستأجرين،  ودافعي "الخلو"، كما ان اجارات العقارات هي بمثابة أرباح مباشرة لرجل الأعمال ما تشكل عبئا ثقيلا على المواطن الكرمي.

مدير دائرة التخطيط والتطوير في طولركم خالد الزغل

وتساءل الزغل: ما هو مصير آلاف الطلبة الخريجين العاطلين عن العمل، الذين يعجزون عن فتح أي مصلحة تجارية نتيجة هذه المبالغ المخيفة وغير المعقولة، مؤكدا ان بعض المناطق غير التجارية تصل قيمة الخلو فيها الى (20) ألف دينار أردني، وفي وسط المدينة تصل قيمة الخلو الى (200) ألف دينار أردني.

وأوضح الزغل ان "الخلو" عرف عثماني كان معمول به في الماضي بين الناس عبر اتفاق وموافقة بين طرفين، لكن ليس بهذه المبالغ الكبيرة، حيث لا يعقل ان من يريد استئجار محل تجاري يدفع مبلغا وكأنه دفع ثمن بنائه عدة أضعاف، داعيا البلديات والغرف التجارية والمحافظات والمؤسسات الاقتصادية والمجتمع المدني للوقوف بجدية أمام غول "الخلوات التجارية".

واضاف "اذا أردنا توفير فرص عمل جديدة لفئة الشباب العاطلين عن العمل، علينا تخفيف الايجارات والغاء كلي للخلوات التجارية، مشيرا الى انه يمكن رفع ايجار المحلات التجارية بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي لمدينة طولكرم بدلا من فرض خلوات بمبالغ "خرافية".

واكد الزغل ان الأسعار المتفاوتة بين الإيجار و"خلو" المحال التجارية القديمة والحديثة يجعل أثمان السلع تتفاوت بين محل وآخر، ما يخلق عدم ثقة لدى المواطنين ويؤدي الى عزوفهم عن بعض المحلات والاتجاه الى أسواق أخرى ما يلحق خسائر اقتصادية فادحة بأصحابها.

ولفت الزغل الى ان الكثير من المشاريع التجارية في مدينة طولكرم حققت فشلا ذريعا نتيجة عجز أصحابها عن دفع التكاليف الرئيسية من خلو وايجار وأثمان مياه وكهرباء وضرائب ...الخ .

وحول سبب تركيز المستثمرين الاستثمار وسط  المدينة أوضح الزغل ان السبب يعود الى رغبتهم في تحقيق ربح سريع، علما ان الكثير من أصحاب المجمعات التجارية وسط المدينة بنوا مجمعاتهم دون كراج للسيارات مقابل مخالفة مالية لبلدية طولكرم وهذا الأمر غير مقبول ويساهم في تفاقم ازمة السير وسط المدينة.

وقال رجل الأعمال حسن القيسي لـ "حياة وسوق" ان الارتفاع الجنوني في أسعار "خلو" المحلات التجارية يعود الى تركز التجارة الكرمية وسط المدينة.

وأضاف ان اسعار الخلوات التجارية وسط المدينة تتراوح بين 50 و 100 و 180 و300 ألف دينار أردني، للباب الواحد (للمحل التجاري الواحد)، متسائلا: من يدفع هذا المبلغ المرتفع لخلو محل تجاري وماذا سيبيع حتى يسترد ما دفعه؟

ولفت القيسي الى ان انشاء المجمعات التجارية الجديدة يرفع اسعار الخلوات بسبب العرض والطلب حيث يكون الاقبال شديدا على المحلات التجارية ذات الأدوار الاولى والثانية ما يؤدي الى رفع اسعارها بشكل جنوني، اما الأدوار الاخرى فتنخفض اسعار الخلوات فيها تدريجيا، واما ان تفشل وتبقى فارغة أو يتم استئجارها من قبل مؤسسات أو جمعيات خيرية بمبالغ معقولة.

واكد أن سبب ارتفاع اسعار الخلوات يعود الى قانون الايجار والاستئجار القديم الذي يحول المستأجر الى مالك وبسعر محدد، داعيا الى فتح أسواق جديدة في مدينة طولكرم وعدم الاعتماد كليا على وسط المدينة، حيث لا يعقل ان تكون ضواحي طولكرم الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية مهملة من الناحية التجارية. 

ويقول رئيس نقابة العاملين في المهن الهندسية عبد الرحيم أبو عسل ان ارتفاع أسعار الخلوات في مدينة طولكرم غير معقولة ولا تتناسب مع الوضع الاقتصادي المتردي الذي تشهده المدينة منذ الهبة الجماهيرية، داعيا رجال الاقتصاد في المحافظة الى اجراء دراسة لهذه الخلوات التي وصلت في بعض الأحيان الى 180 ألف دينار اردني للمحل الواحد الذي لا تتجاوز مساحته 70 مترا مربعا وسط المدينة.

رئيس نقابة العاملين في المهن الهندسية عبد الرحيم أبو عسل

وأكد ان التاجر الذي يدفع مبلغا كهذا لا يستطيع استرجاع رأس ماله وتسديد التزاماته من ضرائب وعمال وثمن ايجار المحل وثمن البضائع والكهرباء والمياه.

ودعا الغرفة التجارية والجهات الاقتصادية المسؤولة في المحافظة الى التحرك فعليا لمعالجة هذه الأسعار كونها ستلحق الضرر بفئة العاطلين عن العمل وتحديدا الخريجين الشباب، كما ان ارتفاع أسعار الخلوات سيدفع ثمنه المواطن في النهاية.

وقال الصحفي عبد الكريم دلبح ان اسعار الخلوات سواء في طولكرم أو رام الله او بقية المدن الأخرى اصبحت "خرافية" وغير مقبولة، كون المستفيد منها فقط رجال الأعمال وعلى حساب المواطن الفلسطيني، فيأخذون ثمن بناء المجمعات التجارية من التجار مباشرة والتجار يستردونها من المواطن بمعنى ان المواطن هو الخاسر في النهاية رغم الظروف التي يعيشها شعبنا بفعل إجراءات الاحتلال.

وقال التاجر مأمون البوريني ان أحد التجار دفع  300 ألف دينار أردني ثمن "خلو" لمحله التجاري الواقع في ميدان دوار جمال عبد الناصر، مشيرا الى ان هذا المبلغ "خرافي" وغير معقول، ولا يستطيع أحد ان يسترد هذا المبلغ في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة الراهنة التي تمر فيها فلسطين.

وأضاف ان مدينة طولكرم لا تستطيع استيعاب المزيد من المجمعات والمحلات التجارية، وان الكثير من التجار يتعرضون للافلاس نتيجة للإدارة السيئة لتجارتهم، أو بغرض النصب والاحتيال حيث فر عدد من التجار العاجزين عن سداد ديونهم الى دول مجاورة، مؤكدا انه كصاحب محل تجاري لا تتجاوز أجرته السنوية القديمة 300 دينار أردني، يجد صعوبة في بعض الأحيان في دفع هذا الايجار، فكيف بايجارات تصل الى 3 أو 4 آلاف دينار أردني شهريا، عوضا عن "الخلو الخرافي".

وأكد ان تجار الخليل أو نابلس بمقدورهم دفع مبالغ كبيرة مقابل "خلو" وإيجارات المحال بينما تجار طولكرم لا يستطيعون دفع كل هذه المبالغ.

الشيخ عمار بدوي مفتى محافظة طولكرم اوضح لـ "حياة وسوق" ان "خلو" المحل التجاري جائز شرعا كونه يتم باتفاق بين المالك والمستأجر الجديد،  وبالتالي لا مانع شرعا من دفع هذا المبلغ المقطوع (وهو ما يسمى في بعض البلدان خلوا).