مقاطعة إسرائيل اقتصادياً .. زوبعة في فنجان؟

نابلس – الخليل – الحياة الجديدة – أمل دويكات - إحداهن قرأت كلمات بالعبرية على منتج بسيط في سوق تجاري فرفضت شراءه رغم أن موظف المبيعات أكد لها أن المنتج ليس إسرائيليا، وعلى الجانب الآخر في "سوبر ماركت" ثانٍ تتفحص أخرى رفوف منتجات الألبان بحثاً عن منتج "حليب إسرائيلي".

هذا ما تشاهده حين تتجول في الأسواق التجارية في مدن الضفة، ففي حين يقاطع أحدهم المنتج الإسرائيلي بصورة نهائية، يبحث آخر عن الأجنبي والإسرائيلي تحديداً لثقته بـ"جودة المنتج"، وهذا يحدث بعد مرور أكثر من عام على بدء حملات مقاطعة التي انطلقت أولاها بقوة خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في صيف 2014.

فماذا حدث على صعيد تعامل الأفراد والمؤسسات والحكومة تجاه حملات المقاطعة، وتجاه دعم المنتج الوطني؟

معمر عويوي، صاحب سوبر ماركت في مدينة الخليل، يقول لـ"الحياة الجديدة" إن حملات المقاطعة، وخاصة خلال العدوان على غزة، أثرت في سلوك المستهلك الفلسطيني، وأصبحت الثقافة السائدة لدى الغالبية هي رفض المنتج الإسرائيلي، والبحث عن بديل وطني.

الوطني مطلوب

يشير عويوي بيده إلى المنتجات في محله "منتجات الألبان الإسرائيلية -على سبيل المثال- لا يتعدى استهلاكها  2% من حجم استهلاك منتجات الألبان في هذا المحل".

بينما يتوافد الزئابن إلى محله، يقول معمر "لا يمكنك حجب البضاعة الإسرائيلية بالقوة من السوق، الحل هو المزيد من الوعي لدى المستهلك من جهة، وتحسين جودة المنتج الوطني وتعزيز دور الهيئات الرقابية من جهة أخرى، عندها لن يرفض المستهلك أن تصبح كافة سلته الغذائية من المنتجات الوطنية".

وتشير بيانات وأرقام صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى تراجع في قيمة الواردات الفلسطينية من إسرائيل خلال العام الماضي 2014، بنسبة 7.2 % تقريبا، مقارنة مع عام 2013.

وبالاعتماد على البيانات الشهرية للتجارة الخارجية الفلسطينية الصادرة عن جهاز الاحصاء خلال العام 2014، فإن قيمة الواردات الفلسطينية من إسرائيل في 2014 بلغت نحو 3.306 مليار دولار، مقابل 3.560 مليار دولار في 2013، أي أنها تقلصت بفارق نحو 254 مليون دولار.

في سوق تجاري بمدينة نابلس، يتحدث مسؤول المبيعات نضال أبو السعود إلى "الحياة الجديدة" مشيراً بيده إلى رفوف البضائع "الإقبال على المنتج المحلي كبير خاصة منتجات الألبان والعصائر والأغذية، لكن هناك إشكالية في نقص حجم إنتاج الألبان بحيث لا تستوعب الطلب الكبير في السوق المحلي".

ويرى أن "لا خيار أمام المستهلك حين تنفد المنتجات الوطنية في المحل، إلا الاعتماد على المنتج الأجنبي والإسرائيلي كذلك، والحل يكون بتوسيع حجم الإنتاج ليغطي الطلب الكبير".

العدوان أوج المقاطعة

من شركة الجنيدي للألبان والمواد الغذائية، يرد مدير قسم المبيعات أمجد المحتسب على ذلك "بعد الحرب على غزة زاد الطلب في السوق بشكل كبير جدا، وزاد حجم إنتاجنا في شهري تموز وآب 2014 وحدهما بنسبة 30% وقفزت الزيادة إلى نسبة 45% تقريبا حتى الوقت الراهن في 2015".

ويعقّب المحتسب "كانت حملة المقاطعة خلال الحرب كبيرة وبعد شهرين فقط منها تفاجأنا بتراجع الطلب ليعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، وبالتالي نحن كمصنّع لا يمكننا لحاق تقلبات السوق لأن ذلك يحدث كسادا في المنتج أحيانا خاصة أن طبيعة المنتج الغذائي ذات صلاحية زمنية محدودة، ولكن نزيد حجم الإنتاج بشكل مدروس".

ويصف المحتسب ما حدث من زيادة طلب عقب العدوان على القطاع صيف 2014 أنه ارتفاع متذبذب لا يمكن دائما القياس عليه للقفز بحجم الإنتاج، لكن يحاول المنتِج الوطني أن يسد فراغ البضائع التي تمت مقاطعتها بما يتوافق مع قدرته الإنتاجية.

ينجز، أسامة ملحيس، تعامله باحتراف مع الزبائن في محله وسط مدينة نابلس بينما يشرح لـ"الحياة الجديدة" مواطن الضعف التي تعتري السوق الفلسطيني بعد حملات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية، "لدينا خلل في المفاهيم.. يعتقد المستهلك دائما أن المنتج الإسرائيلي أكثر جودة من نظيره الوطني، ولدينا خلل في التوعية.. أحيانا الأم تشتري المنتج الإسرائيلي بينما يحذرها طفلها بالابتعاد عنه، وهذا يدل على ضرورة إعادة صياغة الرسالة بشكل صحيح لجميع الفئات".

أين الحكومة؟

يتخذ أسامة لنفسه زاوية أخرى من المحل، بعيدا عن ازدحام الزبائن، ويتابع "هناك خلل آخر، وهو النقص الكمي في المنتجات المحلية، وتدني الكفاءة النوعية في بعض الأحيان بالمقارنة مع المنتج الأجنبي أوالإسرائيلي، وهو سبب لا يمكن التغاضي عنه حين نبحث أسباب تراجع كثيرين عن الإقبال على منتجاتنا المحلية".

ويقول ملحيس "نحتاج أيضا إلى الدعم الحكومي للمنتج الوطني من خلال إجراءات مثل الحوافز الضريبية، ورفع قيمة الجمارك على البضائع المستوردة التي لها بديل وطني، واستمرار زخم حملات المقاطعة وعدم اقتصارها على شهر أو شهرين، وإفشال التوعية المضادة بأن المقاطعة لا تؤثر في الاحتلال".

مدير دائرة السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد، عزمي عبد الرحمن، يقول لـ"الحياة الجديدة" إن سياسات الحكومة بما فيها وزارة الاقتصاد تجاه المقاطعة ليست قائمة على ردات الفعل والانفعالات، والخطط موضوعة قبل العدوان والمقاطعة.

ويؤكد عبد الرحمن أن أولى السياسات التي توليها الحكومة اهتماما هي دعم المنتج الوطني وتتمثل بجانبين: الأول، توفير البيئة التشريعية والقانونية، مثل قانون تشجيع الاستثمار وتعديلاته، وهناك مقترح قانون الشركات الذي تعمل الجهات المختصة على صياغته، وجميعها تصب في مصلحة المستثمر والمنتج الوطني.

أما الجانب الثاني، يقول عبد الرحمن، فهو البيئة المادية، وفي هذا السياق هناك مشروع المدن الصناعية الثلاث: بيت لحم، وجنين، وأريحا. وهناك قرارات مجلس الوزراء الخاصة بدعم المنتج الوطني.

ورداً على السؤال، لماذا لا تدعم الحكومة صاحب رأس المال بشكل مباشر حين يواجه هبوطا في تصريف منتجاته، يقول عبد الرحمن "إن الحكومة لا يمكنها تقديم الدعم المالي المباشر لكن الحوافز الضريبية التي تقدمها للمستثمر حسب قانون تشجيع الاستثمار كثيرة، كما أن من يوسّع إنتاجه يحصل أيضا على حوافز ضريبية خاصة بالتوسيع، وهذا أيضا في مصلحة المنتج الوطني".

لا تزال الواردات الإسرائيلية تشكل الجزء الأكبر من حجم السوق الفلسطيني، ويأمل مراقبون أن تستثمر قيمة فاتورة المدفوعات السنوية للواردات من إسرائيل في مشروعات إنتاجية جديدة تستثمر في الأرض والأيدي الفلسطينية.