لنحافظ على قيم الثقافة - هآرتس

بقلم: أسرة التحرير

 

كل مثقف ملزم أن يرى نفسه وكأنه في واحدة من ساحات العمليات الاجرامية في باريس، والتي قتل فيها ما لا يقل عن 127 شخصا واصيب مئات آخرون. كل مثقف، دون فرق في الدين والاصل، شريك في العزاء الكبير للشعب الفرنسي، ولاحساس الغضب الذي لا يمكن احتواؤه على الهجمات المجنونة من متوحشي البشر. ليس فرنسا فقط هي ضحية البربرية، كل دولة وكل ثقافة، غربية، عربية، مسيحية، يهودية واسلامية، وضعت على بؤرة استهداف من قرروا تلقين الدرس لاولئك الذين لا يتمنون ايديولوجيتهم الاجرامية.

رغم الاسى، يخيل أن هذه العمليات لن تكون الاخيرة في الحرب الطويلة الجارية منذ عشرات السنين ضد منظمات ارهابية كداعش. واذا كانت ثمة على الاطلاق حاجة للاثبات، فهي تدل على ان الحروب التي تجري في الشرق الاوسط لا تعرف حدودا سياسية، بل تجري كمعركة الادوات المتداخلة على وجه العالم كله. في مثل هذه الحروب لا ينبغي لاحاسيس الحزن والغضب أن تملي ردود الفعل الفورية والخطوات الاستراتيجية.

لقد أدت ردود الفعل العاطفية الساعية الى الثأر الفوري الى الحرب في افغانستان في العام 2001، وحرب الخليج الثانية في العام 2003. وفي مرآة الزمن تبين أن ضررهما كان اكبر بكثير من منفعتهما. في هذا الوقت، فان الحفاظ الحريص على قيم الثقافة بالذات، الحرص على حقوق المواطن، ولا سيما الاقليات الاسلامية ومساعدة اللاجئين الذين يفرون من رعب منظمات الارهاب، يمكنها أن تحبط على الاقل تطلعات منظمات الارهاب لان تجند لنفسها مؤيدين في اوساط هذه الاقليات. فالانغلاق الجسدي والثقافي، ملاحقة المسلمين بصفتهم مسلمين وتشريع قوانين تعسفية باسم الحرب ضد الارهاب لن تفعل سوى ان تساعد منظمات الارهاب في تحقيق هدفها لخلق جماهير مضطهدة في الغرب.

هذه النصيحة موجهة ليس فقط للدول التي تعاني من عمليات داعش بل وايضا لمواطني اسرائيل ولحكومة اسرائيل، التي ترى نفسها زعيمة في الحرب ضد الارهاب. يمكن التقدير ان غير قليل، في الجمهور وفي الحكومة، يتوقعون الان التفهم من جانب فرنسا بشكل خاص والاتحاد الاوروبي بشكل عام لطبيعة الحرب ضد الارهاب، والتي تخوضها اسرائيل. كما ثمة بالتأكيد من سيروا في العمليات في فرنسا عقابا مناسبا لمن انضم الى القرار بوسم المنتجات من المستوطنات. لا يمكن ان يكون تفكير مشوه اكثر من هذا. فعمليات الارهاب التي ينفذها الفلسطينيون لا تستهدف معاقبة الثقافة او تخريبها. فهي تنبع من الاحباط، من غياب الافق الاقتصادي والسياسي ومن شروط الحياة الصعبة تحت الاحتلال الاسرائيلي. ينبغي الوقوف على هذا التمييز، وعدم الانجذاب وراء الاحداث القاسية في باريس لتشبيهات زائدة  وعنصرية.