هدم المنازل.. دفن للذكريات تحت الركام

نابلس – الحياة الجديدة – ميساء بشارات - تبحث رنا المصري بين أكوام من الأغراض التي ركنت في إحدى زوايا غرف منزلها المهدد بالهدم، بعد إخراجها من خزائنها تحضيرا لنقلها خارجه.
تتابع "ام كرم" البحث، قائلة: "الذكريات وسنوات العمر التي قضيناها في هذا البيت منذ 22 عاما سوف تهدمها اسرائيل في لحظات (..) هذا البيت بني بدم القلب، بنيته بعد زواجي بعام، وفي هذه المنطقة بالذات لشدة حبي لها".
وانقلبت أحوال أسرة أم كرم في مدينة نابلس رأسا على عقب، بعد اخطار الاحتلال لها بأن المنزل سيتم هدمه لاتهام نجلها "كرم" بتنفيذ عملية طعن. ويتكون المنزل من ثلاث غرف ومطبخ وصالة، في الطابق الثاني في بناية مشتركة مع اهلها.
كان المنزل يسوده الهدوء والألفة، وبين ليلة وضحاها أصبح الوضع مختلفا تماما.
تقول "ام كرم" بعد ان شردت قليلا بذهنها: "صحيح بحب البيت الا انه فدا ابني"كرم".. هس البيت من بعده صار مش حلو، وان شاء الله ربنا بعوضنا بداله".
علامات التعب والارهاق، تبدو واضحة على وجهها لقلة النوم: "أصبح الحال كالحرب النفسية نتعرض لها يوميا، قلق وخوف وترقب لموعد الهدم، بنصحى وبنام على الصوت وكأننا مش بوعينا".
وتعرض "ام كرم" مجموعة صور لابنها وهو صغير، تقول: "هنا عاش وكبر، وكل زاوية من البيت لنا فيها ذكرى معه، واسرائيل تريد مسحها ومعاقبتنا ومعاقبته داخل السجن". 
وتستطرد: "كان كرم مطيعا، محبوبا، طموحا، ويساعد والده دائما في عمله".
وتشيد ام كرم بوقوف المجتمع المحلي الى جانبهم، ما كان له الاثر الايجابي الكبير في تخفيف الألم، تقول بعد ان انتهت من التسليم على مجموعة جديدة من النساء جاءت للاطمئنان عليها والوقوف الى جانبها: "ما حد قصر معنا معنويا، ووقفة الأهل عززت معنوياتنا".
وتتمنى ام اكرم عدم تنفيذ قرار اسرائيل بالهدم لاسرائيلي، خوفا على ذكريات العائلة، وللاضرار التي ستلحق بالمنازل المجاورة لهم، والملاصقة لبيتهم.
وفي حال تنفيذ قرار هدم المنزل، فقد يتم تدمير بيتين آخرين، في البناية، وتضرر عدة بيوت ملاصقة لها تماما.

تدمير شقاء العمر في لحظات
يظهر الأسف والحزن واضحًا على وجه أيمن المصري المتحدث باسم العائلات المخطرة بهدم منازلها، بعد انتهائه من مؤتمر صحفي تحدث فيه عن القضية. يقول المصري لـ"الحياة الجديدة": "اسرائيل تريد هدم ما حققته العائلات بتعبها وشقائها سنوات، فكل جدار من جدران المنزل وكل زاوية لها ذكرى، وتاريخ وتجربة وأثر في نفوس افرادها".
ويعتبر المصري قرار الهدم عقوبة تهدف الى محو تاريخ العائلة وافرادها، وتدمير ابناء الأسر خاصة المعتقلين معنويا.
ويناشد المصري الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله بضرورة التحرك الفوري للضغط على اسرائيل من أجل وقف قرارات الهدم، وحماية المنازل، خاصة انها تقع في مناطق "أ" التي تخضع للسلطة الوطنية.

هدم المنازل.. عقوبة جماعة
وتقول الناطقة الاعلامية للجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس ناديا الدبسي "على اسرائيل الغاء قرارها بهدم بيوت الذين اتهموا بمخالفات جنائية، لأن هذا القرار هو قرار عقابي يرتقي الى اجراء عقوبة جماعية، لأنه يحمل هذه العائلات والمجتمعات المحلية مسؤولية أعمال لم يقوموا بها شخصيا".
وتضيف: "هذه العقوبة الجماعية محرمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وتنص المادة 33 من الاتفاقية على انه لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً، وتحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. وتأثير قرار الهدم يمتد للعائلات وممتلكاتهم وحياتهم في هذه المنازل، وهناك قلق حول اين سيذهبون وماذا سيفعلون وماذا سيحصل لهم بعد الهدم؟".
وتشير الدبسي الى أن اللجنة تذكر السلطات خاصة اسرائيل، بواجباتها بموجب الاتفاقيات الدولية، وان هناك نقاشا مستمرا مع اسرائيل على هذه السياسة واثارها وابعادها الانسانية.
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد طالبت إسرائيل في بيان بالتوقف فوراً عن تنفيذ قرارها بهدم المنازل في الضفة الغربية كإجراء عقابي بحقهم بعدما اتهموا بارتكاب جرائم جنائية لانه يرتقي الى عقوبة جماعية.
وأشارت اللجنة إلى أن تنفيذ القرار سوف يغذي مناخ العنف والعقاب السائدة حالياً وقد تولد نتائج عكسية.

اللجوء للقضاء  الاسرائيلي.. تجميل لوجه قبيح
وفي ذات السياق، يوضح مدير مركز أحرار فؤاد الخفش، أن قرار الهدم هو قرار عسكري وليس قرارا قضائيا ولم يصدر عن محكمة، بل كان بناء على رؤية ما يسمى قائد المنطقة في جيش الاحتلال ولم يتم بالتشاور مع مجموعة.
وينوه الخفش إلى أن الاحتلال يحاول تجميل وجهه القبيح من خلال قوله إنه بإمكان اصحاب المنازل اللجوء للقضاء الإسرائيلي.. وهذا القضاء يكون دائما منحازا لإرادة الجيش، وهو يضفي شرعية لممارسات الجيش ويعطيها طابعا قانونيا، موضحا ان هناك قاعدة في القانون الدولي تنص على أنه لا يجوز سن وشرعنة قانون خاص يخالف قاعدة قانونية دولية.
وطالب الخفش السلطة الوطنية بالتوجه للمؤسسات الدولية ورفع شكوى على الاحتلال والتسلح بقرار 1544 من قرار مجلس الأمن لعام 2004  والذي الزم اسرائيل بالتوقف عن سياسة الهدم.

الهدم عقاب جماعي لا يشكل رادعا
وهدم المنزل يصاحبه تشريد عشرات الأشخاص الذين يسكنونها، كما يصاحبه تدمير جزئي لمنازل مجاورة، وهناك عشرات المنازل التي تضررت نتيجة طرق التفجير للمنزل.
وتعلن الحكومة الإسرائيلية أن الغرض من سياسة هدم المنازل هو ردع الفلسطينيين عن تنفيذ هجمات من خلال عقاب أسرهم.
وتستند اسرائيل في سياستها لهدم المنازل الفلسطينية لنص المادة (119) فقرة (1) من قانون الطوارئ البريطاني لسنة 1945، رغم ان هذا القانون تم الغاؤه لحظة انتهاء فترة الانتداب على فلسطين.
وفي عام 2005 توقفت سلطات الاحتلال عن اعتماد سياسة الهدم، بعد أن توصلت لجنة تابعة لمخابرات الاحتلال إلى أن عيوبها تفوق مزاياها. لكن تمت العودة الى سياسة هدم البيوت في تموز 2014، بعد أسر ثلاثة مستوطنين بادعاء أن هذا الاجراء له ما يبرره نظرًا للتغيّر الحادّ للظروف.
وفي السادس من تشرين الأول الجاري، هدمت قوات الاحتلال، وحدتين سكنيتين في القدس الشرقية، واغلقت وحدة سكنية أخرى، كخطوة لعقاب جماعيّ على العمليات التي نفّذها أقرباء من عائلة الجمل. كما وفجرت قوات الامن الاسرائيلية في جبل المكبر منزل محمد جعابيص.
وكشفت دراسة أجريت عام 2004، أن ما يقارب نصف المنازل الـ 295 التي هدمت بين 2001 – 2004، كانت بيوتا لم يثبت أبدًا أنّ منفّذي العمليات سكنوا فيها، ونتيجة لذلك فقد 1286 شخصًا بيوتهم إلى جانب هؤلاء الّذين استهدفت إسرائيل هدم بيوتهم.