حالة ركود اقتصادي في الضفة والتجار "يكشون الذباب"

رام الله- الحياة الجديدة- ميساء بشارات - يقف التاجر محمد علي صاحب محل تجاري وسط مدينة رام الله أمام محله مراقبا المشاة تارة، ومناديا لدخولهم تارة أخرى، لعل أحدا يسمع أو يجيب... في الوقت الذي يسود فيه الغموض أوضاع الضفة الغربية سياسيا وما يرتبط به افتصاديا.
ويشهد الاقتصاد الفلسطيني حالة من الركود بسبب الأوضاع التي تمر بها الأرض الفلسطينية، مع استمرار الهبة الشعبية الجماهيرية ضد السياسات الإسرائيلية التعسفية والتي تقابل من قبل إسرائيل بإغلاقات وتسكير ومنع على مدار الوقت في معظم محافظات الضفة الغربية.
ويقول علي: "الأسواق منذ بداية الهبة الجماهيرية والأحداث الأخيرة تشهد ركودا مقارنة بالأشهر الماضية، ولم يعد الناس يرتادون المحلات كالسابق، فأنا أفتح المحل منذ الصباح حتى المساء ولا يدخل عليه الزبائن إلا قليل منهم".

 

الناس تخشى التنقل
ويقول التاجر علي إن الناس من القرى يهابون المجيء إلى أسواق المدن الرئيسية بسبب الأوضاع الأمنية، والناس داخل رام الله لم يعد يهمهم التسوق كالسابق، في ظل انشغالهم بمتابعة الأخبار وتطورات الأحداث، وفرض الحواجز والاغلاقات المستمرة من قبل الاحتلال، الذي يحول دون وصول الناس إلى الأسواق بسهولة.
ويضيف أن المتسوقين من داخل أراضي الـ48 والذين كانوا يشكلون نسبة جيدة من الزبائن لدى خاصة أيام السبت والعطل، لم يعودوا قادرين على الدخول إلى الضفة الغربية للتسوق، نتيجة لفقدان الأمن والحواجز وصعوبة التنقل.
وحال التاجر علي كغيره من التجار وأصحاب المحلات في رام الله والمدن الفلسطينية الأخرى، والذين يشتكون ضعف الحركة الاقتصادية، بعد أن كانت المدينة تعج بالمتسوقين.

 

عودة: الأوضاع الحالية تؤثر على الاقتصاد
وزيرة الاقتصاد الوطني عبير عودة، تقول: "إن هذه الأوضاع أثرت على الاقتصاد الفلسطيني، سواء على  القطاع العام أوالخاص، وتحديدا على حركة السوق والبيع والشراء، وأعاقت الحركة والتنقل بين المحافظات، ومنعت من وصول العديد إلى أماكن عملهم.
وحول أرقام ونسب التأثير على الاقتصاد الفلسطيني، تشير عودة إلى أنه لا يوجد هناك اي أحصائية أو رقم يمكن تداوله، لكن هناك تأثير كبير وواضح على الاقتصاد منذ بداية الأحداث في تشرين الأول الجاري، مشيرة إلى أن بعض المنشآت أصبحت تعمل بقدرة انتاجية تصل إلى نصف ما كانت عليه في السابق.
وحول مدى التأثير مقارنة مع إسرائيل تقول عودة: "التأثير على الاقتصاد الفلسطيني يأتي أقل منه على الاقتصاد الإسرائيلي، ففي إسرائيل يوجد بعض المنشآت التي شلت فيها الحياة التجارية والاقتصادية".

 

5 مليارات شيقل خسائر اسرائيل الاقتصادية شهريا 
وكشفت تقارير اقتصادية إسرائيلية عن مدى الضرر الذي يصيب إسرائيل حال استمرت الانتفاضة بذات الوتيرة ولشهرين فقط، وذكرت صحيفة "مكور ريشون" العبرية أن ثمن شهر من الانتفاضة سيكون خسارة 5 مليارات شيقل من الدخل القومي العام، وغالبيته سيكون من قطاع السياحة الذي تلقى ضربة قاسية بالقدس المحتلة مع انخفاض الحجوزات الفندقية بنسبة وصلت إلى 50% منذ بداية شهر تشرين الأول الحالي.
وقالت الصحيفة إن ثمن عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار سيكون خسارة الاقتصاد الإسرائيلي لـ10.5 مليار شيقل، إذا ما استمرت الانتفاضة الحالية خلال الشهرين المقبلين ما يهدد بإدخال الاقتصاد الإسرائيلي بفترة ركود على خلفية تردي الوضع الأمني.

 

العمال الفلسطينيون وأموال المقاصة في مرمى النيران الاسرائيلية اذا استمرت الهبة

من جانبه، يقول المحلل الاقتصادي والمحاضر في جامعة النجاح في نابلس بكر اشتية، في حال استمرار هذه المواجهات مع مراعاتها اتباع النهج السلمي، فلن تحدث أضرار على الاقتصاد الفلسطيني، لكن في حال تكورت المواجهات واشتدت، فإن هناك أضرار ستحصل على الاقتصاد الفلسطيني من تسريح للعمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، وسيضيع جزء كبير من الانتاج المحلي الإجمالي في إسرائيل.
وسبق أن صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، للربع الثاني من العام الجاري 2015، الذي يغطي الفترة من شهر نيسان إلى شهر حزيران، أن 112,200 عامل من الضفة الغربية يعملون في إسرائيل والمستوطنات، من بينهم 61,300 يحملون تصاريح عمل، وهي وثيقة تمنحها سلطات الاحتلال للعامل، تمكنه من دخول المناطق الإسرائيلية والعمل فيها، بينما نجد أن 37,600 عامل لا يحملون هذه التصاريح، بينما 13,300، منهم يحملون وثيقة سفر أجنبية أو وثيقة إسرائيلية.
في المقابل نجد أن عدد العاملين في السوق المحلية ارتفع إلى 852,200 عامل، في الفترة المذكورة أعلاه، من 835,300 عامل، مع الربع الأول من العام الجاري.
ولا بد من الإشارة هنا أيضا إلى أن عدد العاملين في المستوطنات انخفض إلى 20,300 في الربع الثاني من 20,900 في الربع الأول، وإلى أن معدل البطالة من بين المشاركين في القوى العاملة 24,8% في الضفة وغزة وبالأرقام 320,100 عاطل عن العمل.
وينوه اشتية إلى أن الهبة الجماهيرية أثرت على حركة التجارة وحرية التنقل، حتى بين المحافظات، وهذا سيؤدي إلى فقدان العمال لعملهم نتيجة عدم قدرتهم على الوصول إليه، كما سيتضرر سوق العمل بشكل كبير.
ويشير إلى أنه في حال تطورت الهبة الجماهيرية، فإن 2 مليار دولار وهي المقاصة، من الممكن أن يتم احتجازها مجددا ما يؤدي إلى شلل السوق الفلسطينية، ويتأثر المواطن بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى تأثر الخزينة العامة بشكل مباشر.
ويرى اشتية أن إسرائيل تعمل على خنق الشعب الفلسطيني في المجال الاقتصادي وتتفنن في فرض العقوبات الاقتصادية حتى تخضع الشعب إلى دائرة وشروط الاحتلال.
ويؤكد أن قطاع تجارة الجملة والتجزئة هو المتأثر الأول بالهبة الجماهيرية، لأنه يستقطب جزء كبير من العمال ويشكل جزء كبير من الضريبة الفلسطينية".
ويشدد على أن الأحداث بدأت تفرض نفسها على وضع الاقتصاد الفلسطيني، بسبب الحواجز والإغلاقات التي تفرضها قوات الاحتلال المنتشرة في الضفة الغربية، تجاه الشعب الفلسطيني، فهي تؤخر وصول البضائع وبالتالي تأخيرها يؤدي إلى تلفها، ويتسبب ذلك في خسائر مادية لأصحاب هذه البضائع.
وعبر عن تخوفه من تضرر المخزون الاستراتيجي المتمثل بالحجر الأبيض والذي يصدر إلى الدول العربية، وستتاثر الصناعات الحجرية، وفي حال تطورت الهبة الجماهيرية، فإن إسرائيل ستشدد أيضا من إجراءاتها على الاستيراد وتضع شروطا تعجيزية.
ويلفت إلى أنه في حال عسكرة الانتفاضة فإن إسرائيل ستفرض علينا قيودا كثيرة، منها عدم السماح للعمال الفلسطينيين بدخول الأراضي المحتلة للعمل، وعدم وصول أهالي أراضي الـ48 للسوق الفلسطينية، وحجز أموال المقاصة.

 

سمير عبد الله: المواجهات خاسرة 
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي سمير عبدالله أن تسخين المواجهة مع الاحتلال سيعود علينا في بعض الأحيان بعقوبات اقتصادية، وفي بعض الأحيان يحقق نتائج عظيمة على الصعيد الوطني.
ويوضح عبدالله أن التأثير السياسي لهذه الهبة جيد جدا، لكن القطاعات الأخرى تتأثر بشكل سلبي وكبير، في ظل تقطيع المناطق وصعوبة الوصول إلى بعضها.
وينوه إلى أنه في حال المحافظة على الانتفاضة سلمية وشعبية، ضمن مشاركة جميع الأطراف الفلسطينية، فالمواطنون سيساهمون بها، لكن في حال تحولت إلى مواجهات حامية الوطيس، فسوف يتقلص عدد المشاركين فيها ويقتصر على أعداد قليلة من الشباب الذين يحملون أرواحهم على أكتافهم، وينسحب الباقون منها.
ويؤكد عبدالله، أن هذه المواجهات في النهاية خاسرة، في ظل عدم وجود ميزان قوى يسمح بنجاحها، وغياب الدعم والحماية لها، وعدم التمكن من لجم الاعتداءات من قبل المستوطنين على الفلسطينيين.
ويشير إلى أن الناس مستعدون لتحمل ظروف صعبة لكنهم غير مستعدين لعسكرة الانتفاضة، ما يهدد حياتهم بشكل واسع، ويعطي مبرر لإسرائيل بفرض العقوبات.
وينوه عبدالله إلى أن الناس يريدون رؤية حركة نضالية منضبطة تواجه الإسرائيليين وتطالب بترحيل إسرائيل وإنهاء احتلالها، وهذا يخلق مشاركة واسعة من الناس، في ظل عدم استطاعة إسرائيل قمعها أو استخدام العنف المفرط فيها، عكس عسكرة الانتفاضة التي تستطيع إسرائيل القضاء عليها.
ويرى أن استمرار هذه الأوضاع فإن إسرائيل ستفرض عقوبات اقتصادية على المواطنين الفلسطينيين أكثر، كما أن الإعلام الإسرائيلي يدفع حكومة بلاده اتجاه منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى عملهم داخل أراضي الـ48 ويسحب التصاريح من بعض العمال.
ومنذ الأول من تشرين الأول، تدور مواجهات بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، اندلعت بسبب استمرار المستوطنين على اقتحام ساحات المسجد الأقصى تحت حراسة جيش الاحتلال.