كيف أتحول الى مخرب؟ - هآرتس

بقلم: أحمد عواودة

أنا متشكك جدا. كأحد مؤيدي نظرية المؤامرة اؤمن أن الاجهزة الامنية الاسرائيلية – بدءا من "الشاباك" ومرورا بالشرطة – لم تتبن ولو قليلا مبادئ النزاهة عند الحديث عن الفلسطينيين المشتبه بهم بمخالفة حتى لو كانت بسيطة.

لا أعرف اذا كان هذا الشك ينبع من تجربتي كمحام، حيث إنني على مدى سنوات قمت بتمثيل الفلسطينيين الذين لم يتحدث منهم إلا عدد قليل عن استخدام العنف من قبل الاجهزة الامنية – أم أن الشك يوجد في جيناتي. في العادة أميل الى الايمان بوجود السببين. ومن اجل النزاهة أقول إنني أشك ليس فقط بنزاهة الاجهزة الامنية الاسرائيلية – بل ايضا الانتربول والـ سي. آي. إيه واجهزة الامن لدى بوتين واستخبارات السيسي واجهزة أبو مازن.

اضافة الى هذه الصفة الغربية، أنا ليبرالي في موقفي. وأنا مستعد لأن أمكنهم من طرح مواقفهم، واذا استطاعوا فليثبتوا – ليس فقط عن طريق وسائل الاعلام المجندة – أنني على خطأ، وأن شكي ما هو إلا مرض نفسي – سأقبل الحكم وسأكون مستعدا للذهاب الى طبيب نفسي للكشف عن مصدر هذا الشك.

في الوقت الحالي يستيقظ الشك عندي كلما حدثونا عن عملية تسمى "عملية دهس" أو "عملية طعن" حيث أميل الى عدم تصديق الرواية الاسرائيلية التي تقول إن السائق العربي دهس عن قصد مارة اسرائيليين بسبب دوافع قومية. أو أن المرأة التي تغطي رأسها على الحاجز أخرجت سكينا ووقفت أمام الجنود أو الشرطة الذين لم يبق لهم سوى اطلاق النار وبذلك منع كارثة ومنع قتل عشرات الضحايا. ومع ذلك لا أقمع الليبرالي في داخلي، وأنا على استعداد لسماع رواية الاجهزة الامنية، لو عرضوا أمامي جزءً بسيطا من الأدلة الموجودة أو الغير موجودة لديهم.

لكن اضافة الى كل ذلك أنا قلق، بل وخائف، والسبب هو: أنا عربي أسكن في القدس.

رغم أن المشكلة الاخيرة التي كنت جزءًا منها قد حدثت في الصف السادس الابتدائي، حيث تلقيت الضربات من طالبة جديدة وصلت الى الصف وسيطرت على الكرسي في الصف الاخير – أخاف أن أتحول من يوم ما الى مخرب رغم أنفي، يدهس طفلة في العربة أو يهاجم اسرائيليين بسكين، وأن أكون شهيدا أو مناضل حرية نفذ عملية مستقلة دون الانتماء الى أي تنظيم.

رغم كوني سائقا حذرا الى درجة أن اصدقائي يقولون إنني أسوق مثل الجد – سافرت بشكل يومي في قلب الاحياء الحريدية في القدس حيث يمكن هناك مواجهة طفلة عمرها ست سنوات تدفع عربة رضيع بيدها اليمنى وتمسك اثنين من اخوتها الصغار بيدها اليسرى وتقوم بقطع الشارع. إن حدوث حادث سير في ظروف كهذه هو خطر غير معقول. مثل هجوم متطرفي اليمين الذين يهاجمون العرب في المدينة.

اذا واجهت وضعا كهذا: حادث طرق سواء كان بقصد أو غير قصد، أو هجوم اليمين حيث سأحاول الدفاع عن نفسي – فلا شك أنني سأتحول الى مخرب ولن يكون لي الحق الذي يملكه كل متهم لاثبات براءتي. الشرطة سيستلون مسدساتهم ويفرغونها في جسدي من اجل الحصول على الهالة التي يحظى بها نجوم الفن. ومن لا يشارك في ذلك سيقوم بالتنكيل بجثتي وسط تهليل الجمهور.

حينما يقول أحد الاسرائيليين "عملية" سيحكم علي بالاعدام – دون تحقيق نزيه أو مفبرك، ودون محاكمة حقيقية أو مفبركة، ودون القدرة على اسماع اقوالي الاخيرة أمام رئيس الدولة الذي هو منبوذ بسبب رحابة صدره، على أمل أن يعفو عني.

الشرطي لن ينتظر تغيير أوامر فتح النار من الحكومة، أو أوامر قائد شرطة القدس أو الشعور بالخطر على الحياة. إنه سيتصرف ببساطة حسب أمر أحد الشباب الذي يلبس القميص الابيض والبنطال الاسود الذي سيقول له "أطلق عليه النار". أبناء عائلتي سيؤخذون من أسرتهم في الليل ويتم احضارهم مقيدين ومعصوبي الاعين الى مراكز "الشباك"، وسيتحطم مستقبلهم ويُهدم منزلهم.

أنا لا أخاف من الموت بل أخاف من حقيقة أن مقالي هذا لن ينشر والاجهزة الامنية ستأخذه من حاسوبي وتقدمه في وسائل الاعلام كدليل ضدي.

أيها الاصدقاء، في الدولة التي يعطي فيها الشباب الامر للشرطة لقتل انسان، وكان الاخير قد نفذ الامر بالطريقة الافضل (سبع رصاصات) – من يحتاج الى 15 قاض في محكمة العدل العليا.

"السلاح في يد الجاهل يجرح"، هذا ما يقوله المثل العربي. نحن لا نعرف اسباب موت فادي علون من العيسوية، لكنني اعتقد أن الشرطي الذي يطلق النار بأمر من أحد الشباب في ظل عدم وجود خطر على حياته وحياة الآخرين (كما تبين في الفيلم)، هو في أحسن الحالات، غبي.