احمد خطاطبة لم يسمع صوت الرصاصات التي قتلته

جدعون ليفي واليكس ليبك - هارتس

ترجمة: خلدون البرغوثي

احمد خطاطبة مات بهدوء، حياته كلها مرت عليه بهدوء، ولذلك ربما مات بهدوء كما عاش... لم يسمع صوت صرخات الجنود عليه على الحاجز، ان كانت هناك صرخات أصلا، ولم يسمع صوت الرصاصات التي مزقت جسده بعد ذلك. اصابوه بثلاث رصاصات ثم اطلقوا عليه المزيد وهو ملقى على الارض، لكنه لم يسمع فرقعة الرصاص. خطاطبة ولد أصما مثل ابيه واثنين من اشقائه. مات متأثرا بعد اسبوع من اصابته على يد الجنود، ومرت وفاته بهدوء أيضا: لم يهتم احد [في إسرائيل] بموت فتى فلسطيني في المناطق، فتى اصم من بلدة بيت فوريك قرب نابلس تم قتله. من سيتهم أصلا؟

والد الطفل أيضا يبدو انه لم يهتم أيضا بمقتل ابنه. عزات خطاطبة كان مستلقيا في سريره، ويشعل سيجارة وراء سيجارة، عيناه مغلقتان معظم الوقت، فالجلطة الدماغية التي اصابت الوالد الأصم قبل سنوات جعلته غير مدرك للواقع، جسده نحيف، ويأكل بصعوبة. علق ابناؤه فوق سريره ملصقين ينعيان ابنه الشهيد، لكن الأب لم يدرك ذلك.

        شاهد أيضا:
                        تشييع الشهيد خطاطبة في بيت فوريك
 

عندما احضرت جثت احمد الى المنزل لم يثر ذلك والده، ولم يتفاعل مع الوضع بل بقي ساكنا، ولم يأخذوا الوالد ليطمئن على ابنه قبل وفاته وهو في المستشفى، كما لم يشارك في الجنازة. اما وجه عفيفة فترى عليه نظرات الأم الثكلى في البيت الذي تجمعت فيه المعزيات، ومثل وجه عفيفة كانت وجوه اشقاء احمد، الذين يشبهونه في نحافته، اثنان منهم أصمان أيضا، نبيل (35 عاما) وموسى (27).

احمد خطاطبة كان في الخامسة والعشرين عند وفاته، ترك المدرسة في الصف الثالث لأنه كان أصما. ولاحقا صار عامل بناء في نابلس، وفّر بعض المال ليتزوج كما فعل اشقاؤه الاكبر سنا. ومن بين اشقائه الستة كان احمد الأخير الذي يعيش مع والديه. يوم الثلاثاء 18/9/2015 خرج في الصباح الى عمله في نابلس. وعاد بعد الظهر الى بلدة بيت فوريك التي يعيش فيها 15 الف نسمة لحضور حفل زفاف في المساء. بيت فوريك تلقت ضربات قاسية في سني الانتفاضتين الاولى والثاني، بسبب قربها من الشارع المؤدي الى مستوطنتي "ايتمار" و"الون موريه". شقيقا احمد اللذان كانا في حفل الزفاف قالا إنه كان سعيدا، وبقي مع المحتفلين حتى الساعة العاشرة مساء وعاد بعد ذلك مع احد اصدقائه الى نابلس لشراء ملابس جديدة استعدادا لعيد الأضحى بعد اسبوع، المتاجر لم تكن تغلق ابوابها قبل العيد، ووصل احمد الى نابلس حوالي العاشرة والنصف يرافقه صديق وقريب آخر هو محمد خطاطبة. وبعد الانتهاء من التسوق قرروا العودة الى المنزل، وكان يتوجب عليها المرور عبر حاجز بلدة عين فوريك قرب المدخل الشرقي لمدينة نابلس، والذي يفصل بين البلدة والمدينة. هذا الحاجز له سمعة سيئة جدا بسبب منعه المرضى والمصابين والحوامل من العبور للمشافي الى نابلس خلال الانتفاضة، وبعض هؤلاء مات بسبب منعه من الوصول. الحاجز حاليا يكون معظم الوقت خاليا من الجنود. لكن في تلك الليلة تواجد عدد منهم.

لا يوجد شهود على ما جرى في الحاجز، محمد خطاطبة شاهد العيان الذي بقى حيا، معتقل منذ تلك الليلة. يفترض اهل أحمد ان الجنود نادوا عليه فلم يسمعهم وواصل السير، فأطلقوا الرصاص عليه. الجنود صادروا السيارة أيضا ولم تتم اعادتها حتى الان، لكن صورها التي نشرت على المواقع الالكترونية اظهرت عليها عددا كبيرا من الطلقات النارية. احمد اصيب بثلاثة رصاصات واحدة في كتفه واثنتان في الجزء الأوسط من جسده، وكل الاصابات جاء من الخلف وأحدثت تهتكات.

في التقرير الطبي الرسمي الصادر عن وزارة الصحة الفلسطينية، قال الدكتور رائد عودة من مستشفى رفيديا في نابلس والذي تولى معالجة أحمد إن معظم الضرر الذي تسبب به الرصاصات تركز في بطنه. وقال الاطباء لعائلته إنه لو وصل الى المستشفى بوقت ابكر، فلربما كانت هناك فرصة لانقاذ حياته. وحسب اقوال عائلته، بقى احمد ساعة على الاقل على الارض وهو ينزف، فيما منع الجنود طاقم سيارة اسعاف فلسطينية من الوصول اليه لنقله الى المستشفى. ومنع الجيش اي شخص من الخروج من بيت فوريك بمن فيه اشقاؤه ووالدته. فقط بعد السادسة صباحا انصرف الجنود وتمكنت الاسرة من الوصول الى رفيديا.

احمد كان في وضع خطير للغاية، وتلقى عشرات وحدات الدم، لكن النزيف الحاد تغلب عليه. لم يفق من غيبوبته وبعد اسبوع من اصابته وتحديدا يوم الخميس أول أيام عيد الاضحى في تمام الساعة الخامسة مساء توفي. افراد اسرته باستثناء الاب كانوا حول سريره، وهم على قناعة ان الجنود اطلقوا النار عليه من اجل قتله. هم على يقين ان الجنود نفذوا اجراء "تأكيد القتل" من مسافة قصيرة، وبعد اصابته وهو في السيارة. لم يعتقل احمد في السابق، ولم تكن له نشاطات عنيفة في حياته.

بعد الجنازة خرج فتية البلدة الغاضبون باتجاز الحاجز الذي قتل فيه صديقهم، اشعلوا الاطارات واقاموا سدودا حجرية لا تزال اثارها واضحة على مدخل بيت فوريك.

في هذه التظاهرة أيضا تم تصوير الجنود وهم يحطمون كاميرات مصوري وكالة الانباء الفرنسية، وهذه قصة ثانية.

احمد خطاطبة هو الشهيد السادس من البلدة الذي يقتل بالرصاص على الحواجز منذ بدء الانتفاضة الثانية.

المتحدث باسم الجيش قال لـ"هارتس": في الحادثة المذكورة اطلقت النار على المخرب لأنه شكل خطرا فوريا وحقيقيا على حياة الجنود والمدنيين على الحاجز. المخرب تلقى عناية طبية في الموقع من قبل قوات الجيش، حتى استقر وضعه قبل ان يتم اخلاؤه، وفتحت الشرطة العسكرية تحقيقا في الموضوع".