محمود .. فصل من قصة وطن

قبل أن آتي الى هذا العالم الجميل أحياناً والقبيح مراراً، أراد ابي تسميتي أحمد، لسخرية القدر خذلتهُ ، واتيت أنا أحلام. أخبرني عن أحمد كثيراً، لدرجة اني تقمصت في طفولتي مرات عديدة هذه الشخصية بهيكلي الصغير، وأضحكت أبي بمرارة الذاكرة، قائلة له أنا أخوك أحمد.

أحمد شقيقه الذي لوع قلبه مراراً وتكراراً، ولكن لوعته أثلجها رنين هاتف متذبذب من تونس،

هذا الاتصال الذي بعث فيه الروح من جديد، بعد رحلة بحث استمرت أكثر من 27 عاماً.

فبعد ان عقدت معاهدة السلام في أكتوبر/1994 بين الأردن و (إسرائيل)، حمل محمود رسالة عمرها 17 عاماً كانت قد وصلته من بريد عمان، رسالة أصبحت خبزهُ اليومي، يتلمسها بأطراف أصابعه، يُقبل الوجه الأسمر المصور، ويَشتَم حروف كلماتها، كانت هذه الرسالة الوحيدة التي وصلته من أحمد. سافر هو وصديقاه أبو بسام و أبو الربيع الى الأردن كلاهما أراد زيارت عائلتيهما التي انقطعا عنها لسنين طوال  وهو يبحث عن شقيقه أحمد.

محمود أراد دائماً الوصول الى طرف خيط يصله بعائلته التي تقطعت أوصالها بعد حرب ال 67، لعله يلعن ليومه هذا، ذلك اليوم الذي أتت به أمه لبيت جدته لتأخذهُ للعيش معها ببيت زوجها في مدينة اللد ولم يكن متواجدا حينها. سافرت بعدها بعدة ايام مع أخوته الخمسة موسى وعلي وعمار و حورية وهيام وشقيقه أحمد الى الأردن. إلا ان حرب ال 67 اندلعت، وانتكست العائلة كما انتكس الشعب.

ضاع محمود ابن الثالثة عشرة ربيعاً في حينها ، ولم يعرف لعائلته طريقا، عاد الى اللد ليسأل عنهم ولكن الاخبار منقطعة.

عاش مع جدته امينه وكانت له هي الأم والعائلة، ولكن لم ينفك عن التفكير بعائلته وأمله ما زال موجودا..كبر محمود وتزوج بحب طفولته غزالة و بدأ بتكوين عائلة من لحمه ودمه معوضاً شيئاً من الذي فاته. 

وصل محمود إلى الفندق في الأردن ووضع حقائبه و توجه مباشرةً إلى بريد عمان المركزي، طالباً من موظف البريد مساعدته من أجل الوصول الى الاسم المدون على الرسالة التي تآكلت حروفها ولكنه رفض إعطاء محمود اية معلومات ولو بسيطة.

انطفأ بصيص أمله، ولكن اصراره كان أقوى من السابق، ولم يتوقف عن البحث، استمر على هذا الحال سبعة أيام ولكن دون جدوى، و التفكير يأكل رأسه و الحزن يستعمر عينيه. وإذ بصديقه أبو بسام يربت على كتفه قائلاً ستجد عائلتك قريباً.

فأراد صديقه أن يُخرج محمود من هذه الحالة و لعله يجد خيطا يوصله الى عائلته، فاقترح عليه ان يذهبا لزيارات قريبه أبو الراجي، وخلال الزيارة طلب أبو بسام من محمود ان يقص قصته،وإذ  فجأه يُسمع صوتا ضاحك من بعيد، لرجل قصير القامة في العقد الرابع من عمره، منادياً إياه

محمود

انا جارك، جار أمك في اللد، انا محمد المدني

وكانت هذه الصدفة مصدر الفرح القادم لمحمود، أكمل محمود الحديث عن أخوته وأسمائهم وإذ براجي اليافع يقطع الحديث، قائلاً

علي الفار، كان معلمي للموسيقى في بيروت.

وهنا عم الصمت المفاجئ، وركض المدني للهاتف ليتصل بعلي في تونس، علي كانت صدمته غير متوقعة ولم يدر ابداً ان محمود أمضى كل هذه السنوات باحثاً عن أفراد أسرته، علي كان بوصلة عودة العائلة التي كان وما زال على اتصال معهم، كان الاتصال عبارة عن خليط من الذكريات والتفاصيل لعل أحداً منهم يوقظ الآخر من حلمه، إلا انه حقيقة العودة، عودة الأخوة.