الحُبّ كُلّه.. عكّا

الجزء الثاني

الحياة الجديدة- رحمة حجة - بعضُ القصائد والأغاني كُتبت للبشر لكنها لم تجد صداها إلا في الخيال، تمامًا كأغنية "الحب كلّه" لأم كلثوم. إنها لا تليق سوى بمدينة مثل عكا. هل لعكا مثيل؟

"الحب  كله حبيتو فيك.. وزماني كلّه أنا عشته ليك" تغنّي أم كلثوم عبر الإذاعة، أقصدُ الصوتَ الداخلي في جسَدي، حيثُ البحر والموج الذي يضرب الأسوار، موسيقى الروح العميقة.

ما البحر؟ أفكّر والقشعريرة تغزو مسام جلدي، حين يقف كلّ الركاب دفعةً واحدة في الباص المتجّه إلى عكا، تاركًا خلفه الجسور المُعلّقة في بلد الشيخ جنوب شرق حيفا.

ما البحر؟ أتساءلُ أمام المشدوهين به الذينّ هبّوا معًا بصوتٍ واحد "البحر.. بَيّن البَحر" رُغم أن صبيّة وشابًا واحدًا فقط من مجموعة "كزدورة وصورة" لم يريا البحرَ سابقًا!

إنه الحُب، ببساطة. هل تُصدّق أن انقباضة القلب والخَدَر اللذيذ الذي يُصيب قَدَمي العاشق يحدثُ في قصةٍ حُبٍ واحدة فقط؟ في كلّ حُبٍ رَعشَةٌ أولى ووجع شهيّ لا يموت، كذلكَ النظرةُ الأولى للبحر. كلاهما أيضًا يثير في دواخلنا الشغف للحياة والرغبة فيالرقص والغناء وربما أكثر.

أعرفُ الطريق

أمشي في شوارع المدينة القديمة، بين بيوتها المتهالك بعضها، ولا أشعر بالغُربة أو الغَرابة. تمامًا كما أمشي في جنين أو رام الله أو نابلس.

السوق الأبيض، جامع أحمد باشا الجزار، وسجن عكا "اللي طلعت منّه جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي"، خان العمدان التي جُلبت من خرائب قيسارية وعتليت، بُرج الساعة الباقي تخليدًا لذكرى السلطان العُثماني عبدالحميد الثاني، الميناء والمراكب البطيئة والسريعة بمواتير أو مجاذيف، ضحكاتُ الأطفال الذين يقفون بالدور لركوب  أحصنة "البوني" أو ما يُطلق عليها "السيسي"، كنيسة ودير الفرنسيسكان (اللاتين)، كنيسة القديس يوحنا، المنارَة (الفَنار)، كنيسة القديس جوارجيوس، ومشيًا بالتوازي مع السور حتى الوصول إلى الشاطئ.

تقول لي بائعة القُبّعات المحاذية لجامع "الجزار" على سبيل الترويج كي أقبَلَ بالسعر "أختي اسمها ع إسمك لازم تشتريها"، وأُحبُ ذلك. وتُشبّه عليّ صاحبة محل الهدايا الكبير المحاذي للمنارة، قائلة "إنتي من وين؟ حاسس بعرفك" فأخبرها أنني ربما أشبه أحدًا ما لكنّي عبَرتُ الأزقّة والممرات بين بيوت عكا القديمة كي أصلها، لأنني أحب محلّها، وليست خُطوتي الأولى فيه، فتؤكد "إذًا صحيح لقد تذكرتك". 

أعرفُ بعض الوجوه، وأتذكّرها أنا أيضًا. أقترب من الأولاد الذين يعتلون السور وأعرفهم بلون أجسادهم المحروقة من شمس البحر الذي يقفزون إليه ويُفاخرون بمهاراتهم سكان المُدن الساحلية الأخرى، إذ أنها ميزتهم، وميزة عكا.

أشعر بغبطة المشتاق الذي يعرف كلّ ركن في بلده، ولا ينسى فيها الطريق إلى أيّ شيء يُريد، كما يحمل فضول المعرفة لكُلّ جديد.

 

"فخفخينا" عكاوي

مجموعة "كزدورة وصورة" التي تجوب البلاد من شمالها إلى جنوبها، إذ تسعى إلى نيل المُنى في أم الرشراش وبئر السبع، تحقق في مسيرتها التي بدأت منذ ثلاثة أعوام، أحلام الكثيرين.

وغالبية أحلام مشاركيها تتشكّل من الحرمان، نعم. إنه الحرمان المُمَنهج من البحر والسمك الطازج ولقاء الأهل في فلسطين 48 وتعرّف بلاد الأجداد المهجورة أو المدمرّة والمخفيّة عن الخريطة، أقصد خريطة فلسطين التاريخية، وغير ذلك الكثير..

وفي كلّ تجوالٍ مع المجموعة، أحاول تحقيق أحلامي الخاصّة، التي نمَت بعيدًا عن البلاد، ونضجَت لتصبح في ما بعد، بمُنتهى القُرب.

وأصبحت لي صديقة من قضاء عكّا أيضًا، تعانقني في اللقاء الثاني لنا كأننا نتحادث يوميًا، وأشعُر أن عكّا كلها تعانقني، وليس فقط أسماء.

تخبرني عن مسقط رأسها ومنبتها طمرة (15 كلم عن عكا)، التي يسكنها نحو 37 ألفًا، وفيها المدارس والمساجد والمحال التجارية الكبيرة، كما يزرعُ أهلها الخيار.

نتمشّى ونلتقط الصور، ونتعب ونصبو الراحة، حتى نجدنا على طاولة بين عشرات الطاولات التي تُطلّ على البحر، نتناول كأسي كوكتيل مع البوظة اتقاء الحر. تقول أسماء "بنسميه فخفخينا" أضحك "واحنا كمان"، لكن بالتأكيد "فخفخينا" وإطلالة بحرية لا تشبه نظيرتها التي نتناولها في محلات مغلقة ذات مقاعد ملونة مستديرة. نعم، فخفخينا عكا "غير".