فيلم "Argo" عندما تصبح السينما أداة سياسية ناعمة

الحياة الجديدة - عمار جمهور

يمرر فيلم "Argo" الذي أنتج عام 2012 جملة من الرسائل السياسية للولايات المتحدة على الصعيدين الدولي والمحلي. وجاء الفيلم في ظل أزمة اقتصادية داخلية وترد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية، بسبب تورطها في أفغانستان والعراق، وتكبدها خسائر مادية ومعنوية بهما، إضافة إلى تراجع مصداقيتها السياسية في مناطق عدة في العالم.

يستعرض الفيلم كيفية نجاح المخابرات والاستخبارات الاميركية بإخراج ستة من الرهائن الأميركيين، الذين هروبوا من السفارة الاميركية في طهران واختبأوا في منزل السفير الكندي، عقب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ويسلط الضوء على حجم الضغط الذي تعرض له الجهاز لاسترجاع الدبلوماسيين من ايران، حيث يقوم احد ضباط CIA"" بإقناع رؤسائه بخطته لتحرير الرهائن وإرجاعهم لوطنهم، عبر الاستفادة من مكانة هوليوود وسمعتها وصورتها المذهلة حول العالم.

وتبدأ المخابرات الأمريكية إنتاج فيلم سينمائي يدع"Argo" ، وتبدأ بالترويج له عبر نشر الملصقات الدعائية والتقارير وتعميمها. وتتمحور فكرة الفيلم حول مركبة تسبح في الفضاء الخارجي، حيث إن الفكرة مبررة كونها جاءت في سياق الحرب الباردة والتنافس الاميركي السوفييتي بشأن صراع الفضاء والنجوم.

يبدأ العميل رحلته لإيران لأغراض البحث عن موقع لتصوير الفيلم، عبر سلسلة من الاحداث المشوقة في قالب سينمائي قائم على التفوق الاميركي "الاستخباراتي" في صناعة الحيل وصياغتها. وينجح في الحصول على إذن من وزارة الثقافة الإيرانية للبحث عن مكان لتصوير الفيلم، قبل ان يمرر حيلته على امن المطار لانجاز مهمته وإخراج الرهان من ايران.

 يظهر الفيلم أهمية السينما كسلاح فعال في صياغة السياسيات الخارجية للولايات المتحدة. وكيفية تمتين الرواية الإعلامية الاميركية بشأن ايران، التي يراها الغرب رأس حربة الشر والظلام في الشرق الأوسط، وصبغها بصورة رجعية، وتشكيل صورة نمطية تلصقها بالتشدد والارهاب، حيث يبرز الاختلاف الايديولوجي والثقافي عبر استخدامه عدداً من المشاهد السينمائية، التي كان ابرزها غوغائية اقتحام السفارة الاميركية في طهران وفقا لرؤيتها التي تتماهى مع ما طرحه صموئيل هنتغتون بشأن حتمية صراع الحضارات بين الشرق المتمثل في ايران والغرب المتمثل في اميركا.

يعتبر الفيلم بمضمونه مادة دعائية سياسية، تهدف بالدرجة الاولى الى اعادة التذكير بالنموذج الاميركي المتفوق الذي لا يقهر أبدا، بغرض التأثير على الرأي العام الداخلي عبر استعراض النجاحات التاريخية التي حققها الأمن الاميركي، بالاضافة للتأثير على الرأي العام الدولي عبر استخدام سطوة هوليوود لابراز الرواية الاميركية وتمريرها لجملة من الرسائل السياسية، والثقافية، والقيمية والفكرية، التي تؤكد بالضرورة تفوقها في أخطر الساحات الدولية.

يظهر العمل الفني الصراع الثقافي في اكثر من مشهد، حيث كان اوضحه تلك الصورة التي التقطتها الكاميرا اثناء دخول العميل الاميركي ايران، وكيفية تنقل العدسة من مشهد لآخر لتدون وتسجل امرأتين إيرانيتين تتناولان وجبة من "الكنتاكي" العلامة التجارية الاميركية الرائجة، ليوصل رسالة للعالم مفادها انه لا يمكن لأية دولة مهما كانت قوة أيديولوجيتها ومقوماتها الثقافية المتينة ان تستغني عن الولايات المتحدة الاميركية ومنتوجاتها وعلاماتها التجارية التي غزت العالم وسيطرت على اسواقه.

يرتكز الفيلم على مغامرة من الخيال العلمي، اذ ينجح مخرجه وطاقمه في التأكيد على ان الخيال الاميركي لا حدود له، في اشارة الى اهمية ابقاء باب الابداع مفتوحا على مصراعيه، ففكرة الفيلم التي بدأت خيالة وسخيفة للبعض، نجحت عمليا على ارض الواقع، استناداً للقيم الاميركية القائمة على  الإصرار والمثابرة وتقدير الذات، التي تعدّ لُب الفلسفة التفوقية. كما انه نجح في اعادة إحياء القيم الاميركية والتذكير بها، وخلق انطباعات جديدة وترسيخ اخرى كانت اصلا موجودة، بغض النظر عن موضوعيتها وحياديتها ومصداقيتها.

قد لا يكون هذا الفيلم عملا سينمائيا مميزا مقارنة مع غيره من الافلام التي تخدم السياسة الخارجية الاميركية في العالم والشرق الاوسط خاصة، الا انه يظهر بوضح اهمية الفن والسينما في تمرير رسائل سياسية عبر ما بات يعرف حاليا بالقوة الناعمة، التي تستند على تمرير القيم الثقافية والايديولوجية للسيطرة على العقول وتطويع الرأي العام باتجاهات محددة، عوضا عن استخدام القوة العسكرية التقليدية، فالاهداف ما زالت ذاتها، ولكن الادوات تتغير باستمرار.