مراسيم الرئيس.. رسائل دولة فلسطين الديمقراطية

سؤال عالماشي - موفق مطر

نعتقد أن الرئيس محمود عباس أبو مازن بإصداره المرسومين الرئاسيين القاضيين بتعزيز الحريات في الوطن، وتخصيص ما لا يقل عن سبعة مقاعد في المجلس التشريعي المنتخب الجديد للمواطنين المسيحيين، قد أثبت لكل مواطن فلسطيني وطني مؤمن بمبادئ التحرر والحرية والحق والعدالة والمساواة بأن الديمقراطية في فلسطين ليست مجرد عملية انتخابية فحسب، بل منهج حياة سياسية منظوم برؤية ثقافية، وقيم مدنية متحضرة بمقدور الشعب الفلسطيني تطبيقه بأحسن الصور، وتقديم نموذج نظام سياسي مشرف في هذه المنطقة رغم حملات الاحتلال المتتابعة لتدمير مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، ومؤامراته لمنع نهوض وتشكل نموذج فلسطيني حديث يؤكد طيب وأصالة جذور هذا الشعب الحضارية الذي كان حتى ما قبل اغتصاب ارض وطنه (النكبة) عام 1948 نموذجا متقدما في كل نواحي الحياة، وكان محط أنظار محيطه العربي والعديد من دول البحر المتوسط.

لا يمكننا تفسير مرسوم الرئيس بتخصيص سبعة مقاعد للمواطنين المسيحيين على الأقل في التشريعي سوى أنه رؤية بعيدة المدى في كيفية مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري، حيث تعمل حكومات منظومة الاحتلال منذ تأسيس الكيان (إسرائيل) على تفريغ فلسطين من جذور شعبها وخصائصه الثقافية والحضارية ببطء وتحت جنح الظلام، وتشديد الضغط على مناحي الحياة لدفع المواطنين الفلسطينيين المسيحيين للهجرة وإضعاف وجودهم ومشاركتهم في الحياة السياسية تحديدا، كمقدمة لتمرير رواية المنظومة العنصرية النافية لفكرة وجود حركة تحرر وطنية فلسطينية وهوية وطنية عربية إنسانية للشعب الفلسطيني، وتسويق الصراع في فلسطين على أنه ديني (إسلامي - يهودي) في ظل تنامي ما يسمى (الاسلامفوبيا) بعد ازدياد وتيرة الأعمال الإرهابية لجماعات تستخدم الدين في لتبرير جرائمها ضد الإنسانية، علما أن قيادة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية قد أدركت المخطط الصهيوني وعملت على تعميق جذور الإنسان الفلسطيني في ارض وطنه فلسطين، دون تمييز بين مؤمن وآخر، وركزت على أن يكون الجميع حاضرين في المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والدوائر والهيئات التابعة لها، ما يعني تمييزا ايجابيا لا بد منه في سياق تطبيق منهج الديمقراطية ومسار العملية الديمقراطية التي كانت وما زالت نبض المنظمة وسلطاتها ومؤسساتها، وهذا كله منسجم تماما مع مبدأ الصراع على الوجود بين شعب الأرض المقدسة فلسطين وبين منظومة محتلين ومستوطنين مستعمرين عنصريين استخدموا اليهودية واليهود في العالم لتنفيذ خططهم في السيطرة على مركز الشرق الأوسط عموما والوطن العربي وثرواته بعد استكمال احتلالهم لفلسطين، وتذويب هوية شعبها الوطنية، وهذا ما لم تنجح به منظومة الاحتلال منذ انطلاق المؤامرة الكبرى في العام 1917 وحتى اليوم، حيث تصدى الفلسطينيون وقاوموا، تدفعهم روح الانتماء الوطني وثقافة الدفاع عن الأرض والنفس وحمايتهما لافتداء الشعب والأرض (الوطن) فالمقدسات عند الفلسطيني المسيحي هي ذاتها مقدسات عند الفلسطيني المسلم والعكس صحيح.

تصير أرض أي بلد كأرض جحيم لأي مواطن لا يستطيع تجسيد طموحاته الشخصية، وتجسيد رؤاه لمستقبله عليها، وهذا ما نحرص على ألا يحدث أبدا في فلسطين (الأرض المقدسة) وألا يترك المجال لمستخدمي الدين المدعومين سرا من منظومة الاحتلال لانتهاز فرصة الانتخابات لفرض تعاميمهم ومفاهيمهم وسلوكياتهم على الآخر في الوطن. 

المرسوم الرئاسي المتعلق بتعزيز الحريات، والمرسوم المتعلق بالحد الأدنى من مقاعد التشريعي للفلسطينيين المسيحيين نراهما تحديثا لمبادئ وأهداف حركة التحرر الوطنية الفلسطينية التي كانت وما زالت تؤكد على للعالم ديمقراطية الدولة الفلسطينية، ورسالة للكل الوطني ليضع في اعتباره الصورة المثالية التي نريدها لدولتنا المستقلة، حيث يجب أن يشعر كل مواطن بأهميته ومكانته، وأن نعمل جميعا من أجل حماية الهوية الوطنية الفلسطينية الغنية بالتنوع الروحي الإيماني، ففلسطين كانت منذ فجر التاريخ كذلك، وسنبقيها حتى آخر يوم تشرق فيه الشمس من مشرقها كذلك.