من رفح حتى جنين

لم يكن ثمة ما هو ملتبس في المرسوم الرئاسي بشأن تعزيز الحريات العامة، وتوفير أفضل المناخات لها، بكونه مرسوما سياديا يشمل جميع أراضي دولة فلسطين من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، وأقصى جنوبها رفح في قطاع غزة الذي شهد طوال الأعوام الأربعة عشر الماضية، غيابا ملحوظا لأبسط الحريات العامة، وتشهد على ذلك تقاريرموثقة عدة، و لا نريد تفصيلا هنا، لأجل تعزيز ما نتطلع إليه من مناخات ايجابية لصالح الانتخابات المقبلة أن تجري بالروح والقيم الديمقراطية الصحيحة.    
وقد نقول اليوم إن الحريات العامة في أراضي المحافظات الشمالية (الضفة) ليست على ما يرام تماما، لكن هذا التعبير لن يروق للمزاعم الحزبية التي لا علاقة لها بحرية التعبير، والتي ما انفكت تقول ان الحريات العامة غائبة في الضفة (...!!) في الوقت الذي ما كانت ترى فيه هذه المزاعم، وبقصدية حزبية تماما، أن مدن المحافظات الشمالية شهدت اعتصامات، وحراكات عديدة لم تتعرض لأي قمع سلطوي، مثلما تعرض على سبيل المثال لا الحصر، حراك "بدنا نعيش" والذي كان في غزة قبل قرابة العامين، وقد قرأنا وما زلنا نقرأ كتابات من كل لون نوع تهجمي، وليس احتجاجيا فحسب، ضد السلطة الوطنية، لكنها ظلت، وما زالت كتابات ممكنة، امتثالا لحرية التعبير، ومنعا للمساس بها، ولدينا في هذا الإطار أمثلة كثيرة لا تتسع مساحة هذه الكلمة لتعدادها، ومع ذلك نعود ونقول قد لا تكون الحريات العامة في المحافظات الشمالية على ما يرام تماما، ولهذا فإن عبارة تعزيز الحريات العامة الواردة في المرسوم الرئاسي، لا تعني سوى تمكين هذه الحريات أن تكون على خير ما يرام في كل مكان من أراضي دولة فلسطين، غير أن حركة حماس على ما يبدو لا تريد أن تقرأ المرسوم الرئاسي كما هو، وإنما بتأويل غير منطقي، وغير موضوعي، وعلى نحو التحريف المكشوف، حين تحدث ناطقها حازم قاسم، وبما معناه، أن المرسوم إنما يخص الضفة الغربية فحسب (..!!) ولم يأت بالطبع على ذكر واقع الحريات العامة في قطاع غزة، ولا بأية كلمة، وكأنه واقع الديمقراطية المطلقة، الذي لا اعتراض فيه على أي رأي كيفما كان ..!!!
والواقع ما نراه ملفتا للانتباه، لسلبيته الفاقعة، في تصريحات الناطق الحمساوي   ليس التأويل الحزبي الذي انطوت عليه، وإنما أن تكون هذه التصريحات دلالة موقف حمساوي لا يريد الالتزام ولا العمل بالمرسوم الرئاسي، وهو المرسوم الذي جاء بناء على ما اتفقت عليه فصائل العمل الوطني في اجتماعها الأخير بالقاهرة، فهل هذا يعني أن حماس لا تريد الالتزام بالمرسوم الرئاسي فقط، أم أنها لا تريد كذلك الالتزام بما تم الاتفاق عليه في القاهرة أيضا ...!!! 
لن تقبل الحريات العامة تحديدات مناطقية، ولا تأويلات حزبية، ولن يكون بالإمكان تجزأتها، وتفصيلها على مقاسات الخطاب الحزبي، والمرسوم الرئاسي بحكم أنه نتاج عمل الرئيس أبو مازن بواجباته الدستورية في رعاية مصالح شعبنا الفلسطيني رعاية كاملة، فإنه مرسوم القرار الأخلاقي، والحضاري أولا، مثلما هو قرار الدولة في تكريس حدودها السيادية في إطار واقعها الوطني والسياسي، ومن خلال دعم  الحريات العامة، وقد نص على تعزيزها في كل أراضي دولة فلسطين، من رفح حتى جنين، وهذا ما لا يقبل أي تأويل، ولا أي تحريف.