"صناعة الفخار" في غزة.. تصارع البقاء وسط مصاعب تسويقية وإنتاجية

لا أحد يرغب في تعلمها

غزة ـ الحياة الجديدة ـ أكرم اللوح- يشعر المواطن سيد عطا الله "٤٠ عاما"، بسعادة منقوصة، وهو يقف خلف آلة صناعة الفخار، في معمله المتواضع شرق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، فالمهنة بالنسبة له صراع بقاء، في ظل غزو الأواني المصنوعة من الزجاج والألمنيوم والجرانيت أرفف المطابخ في جميع البيوت.

فالعمل في مهنة تعاني وتصارع الاندثار، ليس أمرا سهلا بالنسبة لعطا الله، فملامح وجهه التي غزاها الشيب رُغم سنه الحديث تروي الكثير عن مصاعب هذه المهنة، إلا أن تمسكه بتراث والده والأمانة التي يشعر بحملها، بالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة ومتطلبات الحياة الكثيرة، تجعله أحيانا مترددا بين البقاء أو مغادرة هذه المهنة.

ويشير عطا الله إلى أصالة هذه المهنة التي ورثها عن والده الذي تعلمها من جده كانت بدايتها عام ١٩٤٥، مؤكدا أنه يحاول عدم مغادرة هذا العمل الشاق وغير المجدي اقتصاديا، ويكافح من أجل لقمة العيش، في ظل تجاهل المسؤولين التام وغياب الدعم لتعزيز صمود العاملين في صناعة الفخار.

خبرة العمل التي قضاها عطا الله والتي تزيد عن ٣٠ عاما في هذه المهنة، تركت الكثير من التساؤلات حول جدوى تمسكه بمهنة شارفت على الانقراض، ولكن يبدو أن السر في هذا الصراع يكمن في رحلة عطا الله التي بدأها مع عالم الفخار حين كان طفلا صغيرا، وشغفه وحبه وحركة يداه المجبولتان بالطين، وهو يشكل ويغير ويطور أنواع الفخار المختلف.

فالشكل الجمالي التي تخرج به الأواني الفخارية، زاد حب وتعلق عطا الله لهذه المهنة، رغم الصراع الواضح بينها وبين التحديث الذي سيطر على حياتنا العصرية، مع التأكيد على أن الجدوى الاقتصادية لعملية الإنتاج قليلة فالمستفيد الوحيد هو التاجر فمثلا "يتم بيع قطعة الفخار بشيقل واحد فيما يبيعها الموزع باثنين من الشواقل".

وتمر صناعة الفخار بمراحل عدة، فيكون أولها جلب الطين من أراض مخصصة ومعروفة بجودة تربتها، ثم يكون تجفيفها لمدة قد تصل إلى أسبوع، ليتم بعد ذلك قذفها في حفرة يتراوح عمقها بين متر أو أكثر لمزج الطين جيدا وتصفيته من الشوائب.

وتتبع المراحل السابقة مرحلة نقل الطين لحوض أوسع لتعريضه للشمس لمدة أربعة أيام، ليصبح بعدها جاهزا للتشكيل عبر آلة صناعة الفخار، ووفقا لعطا الله فإن صناعة الأشكال المختلفة من الفخار كالزبادي، وفخار المياه أو الرز وأشكال الزينة تخضع غالبا لطلب السوق والزبائن.

وتستغرق صناعة الأواني الفخارية حوالي ٢٠ يوما في الصيف، وشهر كامل تقريبا في فصل الشتاء، كونها تمر بمرحلة تجفيف وتحريك وتنقية من الشوائب، ومن ثم وضعها في عجانة وتشكيلها وتنشيفها وحرقها في أفران خاصة. ويعاني أصحاب هذه المهنة أيضا من مشاكل الكهرباء وانقطاعها المستمر، وصعوبة تأمين المواد المستعملة في عملية حرق الأواني الفخارية مثل "جفت الزيتون"، إضافة إلى رفض الكثيرين لتعلم هذه المهنة لصعوبتها وقسوة العمل فيها.

وتعاني صناعة الفخار في قطاع غزة، من غزو الأدوات البلاستيكية والزجاجية للأسواق، وقلة اعتماد السكان على هذا النوع في عملية التخزين أو حفظ المياه، مع الإشارة إلى أن عددا من المطابخ والمطاعم تستخدم بعضا مما يصنعه عطا الله في طهي أنواع محددة من الغذاء كالقدر وغيرها. وتقدر عدد مصانع الفخار في قطاع غزة قبل عام ١٩٧٠م بحوالي ٥٠ مصنعا، بقي منها ثلاثة فقط حاليا في قطاع غزة، في حين أغلقت معظمها يصارع عطا الله الذي يعتمد على أبنائه في العمل بقاء هذه المهنة. وتعاني صناعة الفخار في قطاع غزة من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بمنع التصدير، حيث كانت الضفة الغربية ودول أخرى تستهلك جزءا كبيرا من الانتاج، الأمر الذي انعكس سلبا على قدرتها التشغيلية وأغلقت الكثير من المعامل وأفلست أخرى وسرحت عمالها.

ويحصل الكثير من المواطنين في قطاع غزة على هذه الأواني الفخارية من خلال التوجه إلى شارع الفواخير الذي يعتبر من أقدم المعالم الأثرية في قطاع غزة، إذ تنتشر على جنباته المعارض البدائية لبيع وعرض كافة أشكال الأواني الفخارية الجاهزة.

ولكن التجول في شارع "الفواخير" قد يثير الكثير من المخاوف حول اندثار قريب لهذه المهنة، فهناك فقط القليل من المواطنين الذين يحاولون شراء تلك المنتجات، فالمواطن سالم الثوابته "٥٥ عاما"، أكد لمراسل "الحياة الجديدة" أنه ينتقي كل أسبوع أكثر من عشرين فخارة يستخدمها في طهي "القدرة" في مطعمه الواقع شمال قطاع غزة. ولم يجزم الثوابته على قدرته في الاستمرار بالاستعانة بتلك الأواني الفخارية، مشيرا إلى أن البعض يحاول إدخال أواني من بلدان عربية تتمتع ببناء أقوى من المصنوعة في قطاع غزة، والتي تستخدم لمرة واحدة فقط في عملية طهي بعض المأكولات.