قديمك نديمك

كمة ورد غطاها- يوسف أبو عواد

قالها المعتمد بن عباد الاندلسي قبل عدة قرون:

وزهدني في الناس معرفتي بهم،

وطول اختباري صاحبا بعد صاحب

 فلم ترني الأيام خلا تسرني

مباديه إلا ساءني في العواقب

ولا قلت أرجوه لدفع ملمة

من الدهر إلا كان إحدى النوائب

وقبله قالها ابو فراس الحمداني:

وإن الذي يبقى على العهد منهم

وإن كثرت دعواهم لقليل

أقلب طرفي لا أرى غير صاحب

يميل مع النعماء حيث تميل

وقالها المتنبي بصريح العبارة:

صديقك أنت لا من قلت خلي

وإن كثر التجمل بالكلام

هذا أيام الوفاء والمرجلة والشهامة، فما هو حال صداقات اليوم في عصر العولمة والمصالح، وتواري القيم، أصبحنا في وقت يصح فيه القول:

ومن العداوة ما ينالك نفعه

ومن الصداقة ما يضر ويؤلم

صداقات اليوم صداقات مصالح يزداد فيها الاقتراب ويسخن التواصل، ما دامت هناك مصلحة على الطاولة، وبانقضاء المصلحة تفتر العلاقة، وتنتهي لتصبح شيئا من الماضي، إلا من رحم ربي من صداقات بنيت على أساس من التوافق والمودة والاحترام المتبادل، صداقات وطدتها مواقف الوفاء والأصالة، والعيش والملح، صداقات تعود بعض بداياتها الى أيام الدراسة، أو زمالة العمل، أو الجوار، وطوت من عمرها سنوات وعقود، ولم تخضع لأيديولوجية المصالح، أو ينال من أصالتها رياء المواقف، وزيف المجاملات الكذابة.

هذه هي الصداقات التي يعتد بها، صداقات الكيف لا صداقات الكم، صداقات المواقف والمبادئ، وصداقات الماضي الجميل هي الصداقات المترع كأسها بنقاء الجوهر، وبهجة المواقف وعزوة المحضر، والصديق من هؤلاء، هو من عناه افلاطون بقوله: صديقي هو شخصي الثاني، ومثل هذا الصديق هو من قال عنه فولتير:

إن كل أمجاد العالم لا تعادل صديقا صادقا.