راهب فلسطيني: أرفض أن أكون ذميا..!

بيت لحم-الحياة الجديدة-أسامة العيسة-يسعى الأرشمندريت أغابيوس جورج أبو سعدى، لتقديم التاريخ المسيحيّ العربي، بطريقة جديدة، في كتابه الصادر حديثا: (المسيحية العربية والمشرقية: دراسة تاريخية)، خصوصا وانه يرى بان الموضوع الذي يبحثه، لم ينل حقه من البحث والتأريخ في الثقافة العربية.

ويرى أبو سعدى، وهو من مدينة بيت ساحور، انه: "لم يُكتب الكثير عن التاريخ العربيّ المسيحيّ، والذي كُتب لم يرق إلى المستوى العلمي التاريخي المطلوب، باستثناء القليل من الكتاب العرب. إلّا ان هناك طمسا لا يخلو من غرابة للتاريخ العربيّ المسيحيّ، سواء في كتب التاريخ العربي أو مناهج الدراسة العربية أو حتى في الدراما العربية، التاريخية منها والمعاصرة".

ويضيف: "إن محاولات شتى سادت عبر العصور لطمس معالم المسيحية العربية في المشرق وتغييبها عن الأذهان والوجود، والأغراض من ذلك تعددت في نفوس المغرضين. وقد دأبت المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية في العالم العربي على سلب المسيحيّين حقهم في التاريخ العربي، فجاءت مناهجها الدراسية منصبة كاملة على استعراض التاريخ الإسلامي، فنرى تجاهلا للتاريخ العربي قبل الإسلام (الجاهلية) على حساب إبراز التاريخ الإسلامي، مما أدى إلى تجاهل تاريخ العرب المسيحيين حتّى في ظل الإسلام. ولم يزل الصمت يحوم حتى يومنا هذا وسط المجتمع العربي بكل طبقاته حول الدور التاريخي للعرب المسيحيّين. ومن هنا نبعت الضرورة إلى تسليط الضوء على المسيحية العربية، وإبراز دورها، وتوضيح علاقتها الأصلية بالعرب والعروبة منذ نشاتها إلى الان"

بهذه المفاهيم المسبقة، تقدم أبو سعدى، لينبش في التاريخ العربي، ليقدم ما يعتبره مسكوتا عنه، ويحدد منهجه: "إن أي كتابة علمية عن تاريخ العرب المسيحيّين ينبغي ان تحدد بدقة مقبولة، اصولهم ومواقع سكناهم وانتشارهم، والتواريخ الصحيحة لقبولهم الايمان المسيحي، والكيانات السياسية التي أوجدوها عبر المراحل التاريخية ودورهم في الحياة العامة، ومصيرهم الحالي، وذلك كله نابع من ان معرفة جذورنا واصول حضارتنا سلاح يجب ان نتسلح به في هذا العالم المتزاحم من حولنا".

ويحدد أبو سعدى، أهداف دارسته، بعدة نقاط:

*التذكير بالعرب المسيحيّين، والتعريف بدور المسيحية في نهضة العرب وترقية الفكر والآداب العربية.

*إعلامنا بحاضر المسيحية وواقعها ووجودها ومعاناتها وسط مجتمع مشرقي عربي تسود المرجعية الدينية.

ويضيف: "هدف هذا الكتاب جاء نتيجة عملية طمس ممنهجة لتاريخ العرب المسيحيين من كتب التاريخ المتداولة في حقل التعليم، حيث لم أجد فيها اكثر من بضعة كلمات تتحدث عن هويتهم وتاريخهم وحضارتهم وانتمائهم إلى الارض والانسان، ومساهماتهم الفكرية والثقافية والأدبية الجمة في بناء الحضارة العربية قبل الاسلام والتي استمرت خلاله وبعده، وتنظيمهم الكنسي من خلال الاديار والكنائس والمدارس اللاهوتية والعلمية المتنوعة. فهل لا يعقل ألا تتضمن مناهج التربية والتعليم في بلادنا والبلدان الأخرى دراسات موسعة ومفصلة عن هؤلاء العرب المسيحيين الاقحاح وغرهم من المسيحيين المشرقيين كحق من حقوقهم المشروعة؟ أمّا ان يبدا التاريخ من حقبة معينة متغاضيا عن حقبة تاريخية سابقة عريقة في الاصالة الدينية والحضارية، فهذا يعني الغاء للآخر".

ويقول عن نفسه، بانه: "آمن منذ نعومة اظفاره ولا يزال يؤمن بوحدة أبناء الشعب العربي الواحد، مسيحييه ومسلميه".

ويؤكد: "أنا كعربي مسيحي أرفض أن اكون ذميا، أو من أهل الذمة لان ما قدمته من نضالات واسهامات للحضارة العربية يجعلني أكون من بناة هذه الحضارة وجزءا اصيلا من تكوينها".

ويضيف: "عندما نقول العرب المسيحين، فاننا نعني مكونا عربيا أصيلا وهو حليف طبيعي للعرب المسلمين في المنطقة العربية في ظل الصراع الذي يتجاذب المنطقة منذ عقود"

أثنى على الكتاب الكاردينال ليوناردو ساندري، رئيس مجمع الكنائس الشرقية: "انني أثني، أيُّها الأب، على دراستك للمسيحية العربية والمشرقية، وآمل أن تقديرا أكبر لذاك التراث الثمين سيُساعد في تعزيز ليس فقط هُويّة المسيحيين في تلك الأراضي، بل وايضا أواصر الصداقة، التي بقيت تنمو لعدة قرون بين العرب المسيحيين واخوانهم من الديانات الاخرى".

وكتب الأمير الحسين بن طلال، رئيس مجلس أمناء المعهد الملكي للدراسات الدينية في مقدمته للكتاب: "لا يدور السؤال الآن حول مستقبل المسيحيين العرب، وإنما العرب جميعا ومصيرهم المشترك. فعلينا جميعا، مسلمين ومسيحيين، الصمود في وجه هذه التحديات، والتشبث بالوطن، والاستمرار في النهوض بالدور الحضاري المأمول مهما غلت الأثمان وكلّف الأمر من تضحيات".