"اسكندرية نيويورك" الأنا والآخر وكيمياء الاغتراب

عمار جمهور

يعكس فيلم "اسكندرية نيويورك" الذي كتبه يوسف شاهين وخالد يوسف وأخرجه يوسف شاهين عام 2004، يعتبر الرابع ضمن سلسلة افلامه التي تروي سيرته الذاتية. ويمتاز بعمقه الفلسفي والفكري، ويعكس فلسفة الكاتب والمخرج ورؤيته بشأن "الشرق والغرب"، "الأنا والآخر"، حيث يسرد شاهين تجربته الشخصية الممزوجة بالتجربة العامة بقالب فني سينمائي لخلق نموذج واقعي يجسد معاناة الكل العربي.

يستخدم شاهين العمل ليعرض كيفية تغيير المعتقدات السياسية بشأن "اميركا" كنموذج حضاري احتضن الحرية ودافع عن القيم البراقة والانسانية، لتسقط صورتها ونموذجها، من خلال سلسلة التجارب الشخصية والاحداث السياسية في المنطقة العربية، التي تتوج بالانحياز الاميركي الكامل لاسرائيل في صراعها مع العرب والفلسطينيين.

قدم العمل الفني حوارا فكريا عميقا يتمثل برفض تصوير الشرق بما فيه "مصر" على ان مضمونه يختزل بكونه مجرد فلكلور ومقتنيات اثرية تفتقد البعد الحضاري والفكري. وقدم نقدا لاذعا لاميركا رأس حربة الفكر الرأسمالي الغربي، التي بنيت قيمتها الوجودية والفكرية على تدعيم الفرد ومصلحته التي تصب بالضرورة في خدمة المصلحة الوطنية العليا، ويستعرض بطريقة نقدية انهيار هذه الاطروحة من خلال مواقفها المنحازة وسياساتها وادعاءاتها المتناقضة. وتناول كيفية تراجع المنظومة القيمية والاخلاقية للنظام برمته من خلال تراجع جودة ومضمون الاعمال الفنية الغربية، ليصف السينما الاميركية الحديثة بـ "غلاسة ستلوني"، مشيرا الى ان الشهوانية والسطحية والاكشن، التي باتت سمة طاغية على الاعمال السينمائية الاميركية ترتكز على النزعة الاستهلاكية، وتفتقد لأي بعد قيمي وفكري. ويرى انها بنيت على انقاض الذائقة الحسية الجمالية والإبداعية لقواعد الفن واصوله.

عرض الفيلم مكونات ثقافية وجودية حول مكانة الشرق "الاسكندرية" التي تربت فيها اجيال من الاصدقاء ذوي الخلفيات الفكرية والاصول العرقية والدينية المختلفة، مظهرا قيمتها التاريخية والثقافية المستمدة اساسا من عراقة اسمها. ووظف شاهين امكانيات عظيمة تتمثل بالعروض الراقصة الاخاذة، مستخدماً موسيقى الاوبرا في مصر ليعطي اشارة واضحة لعراقتها ومكانتها التنويرية في الشرق.

تتمحور قصة الفيلم حول حياة شاهين في الولايات المتحدة، وبداية دراسته الاخراج السينمائي ومعاناته كعربي يدرس الاخراج في معهد سينمائي في بلد السينما "هوليوود". وقصة عشقه لاحدى زميلاته التي اخفت عنه حقيقة وجود ابن له، لتبوح له بسره بعد عشرات السنين. حين يعود للولايات المتحدة في أيامه الاخيرة لتكريمه عن مجمل اعماله، حيث تشكل اعماله قيمة فنية وفكرية للسينما العالمية، بعد ان تجاهلته اميركا التي كانت بمثابة بلده الأم خلال مسيرته الفنية، ولم تعرفه بسبب تجاهلها للآخر ورفضها له ولمكوناته الحضارية والثقافية كونه شرقيا.   

مثل الفيلم حالة الاغتراب التي يتعرض لها "العربي" في الغرب، مستخدما "نيويورك نموذجا"، حيث يرفض الابن الاميركي ذو الاصول العربية حقيقة وجود اب عربي له، فالابن يرفض حقيقة كونه عربياً، فيما يرفض الاب ان يكون له ابن اميركي بهذه السطحية والعنصرية، معتبرا ان ابنه يعتبر احد مخلفات اميركا وجرائمها، التي ابتدأت بـ "هيروشيما" وانتهت بوجود ابن له.

الفيلم يعتبر لوحة فنية بامتياز، جسد من خلالها شاهين صراع "الأنا والآخر"، "الهامش والمركز"، اذ يرى الابن "الشرق" نقيضاً "للغرب" ولا امكانية للتعايش بينهما، كون "الشرق" يمثل منظومة من التخلف والجهل والرجعية، التي نُمط بها العربي في الذهنية الغربية، من خلال بناء الانطباعات وتنميط الصورة الذهنية في العقلية الغربية في قوالب محددة.

 ليست مصادفة ان يهدي شاهين هذا العمل الى روح المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد، الذي يعتبر الفيلم تجسيدا فنيا لفكره ورؤيته وفلسفته، التي طرحها في كتبه ومقالاته وخاصة "الاستشراق"، اذ يظهر سعيد كيفية تشكيل الصورة عن الاخر وخاصة العربي في الذهنية الغربية التي جاءت بناء على الانطباعات المغلوطة وفقا لرؤى "نخبة" ليست بالضرورة صاحبة معرفة، تروي انطباعاتها للعالم من خلال وسائل الاعلام غير المؤهلة لتشكل الرأي العام وفقا لرؤيتها المغلوطة.