الطليعة التشكيلية الروسية ورقابة البلاشفة

تستقبل إمارة موناكو معرضاً بانورامياً اعتبر منارة الموسم الراهن النقدي والسياحي، وذلك لأهمية الموضوع وغيابه عن التظاهرات العامة، بخاصة أنه يستكمل مشهد التشكيل الأصيل في تيارات الربع الأول من القرن العشرين في أوروبا. يغوص المجهر التحليلي هذه المرة عمودياً في خصائص طلائع الحداثة الروسية التي وقعت بين الإنهيار المتدرج للقيصرية عام 1905 ووصول ستالين إلى رأس السلطة ومعاداته الشرسة للفنون عام 1930.

حملت إلى جدران الصالات الرحبة في «فوروم غريمالدي» أكثر من مئتي لوحة تمثل نقاط نجومية سطعت في هذه المرحلة الإستثنائية، استعيرت من أبرز المتاحف الروسية والأوروبية ويستمر العرض خلال شهر أيلول (سبتمبر).

تورط النظام الإقطاعي الروسي في مجابهة جحافل حشود وتظاهرات العمال والفلاحين في 1905 ونذكر «الأحد الأحمر» بسبب المجزرة التي حصلت في ساحة بطرسبورغ. وليس صحيحاً أن النظام البلشفي بعد 1917 شدد رقابته على الفنون في البداية. بالعكس اعتبر ثورته في الاتجاهين المدني والعسكري. بدليل انفتاح المعارض الرسمية في موسكو على فناني طلائع الحداثة في فرنسا. ففي 1905 تأسست في باريس مدرسة لونية رهيفة قادها هنري ماتيس وديران وفلامنك وماركيه. كان تأثير ألوانها العاطفية مضاعفاً في روسيا مقارنة بباريس. ووصل الأمر أن متحف الإرميتاج: كلف ماتيس بلوحتين عملاقتين الأولى بعنوان الموسيقى والثانية بعنوان الرقص، كان تأثيرهما كبيراً حتى على تجريدي مثل مالفتش، الذي امتصت شخوصه ما قبل التجريد عبق الألوان الصريحة الشعبية. وكان سبق ذلك معرض بانورامي لرأس الإنطباعية كلود مونيه، يعترف ماتيس عند زيارته لموسكو بأنه أصبح مصوراً بفضل مناظر حصاد القمح وكتل الشوفان الملونة التي كانت معروضة في هذه المناسبة من درر مونيه.

أما المعرض البانورامي لبول سيزان في موسكو عام 1907 فكانت صدمته وتأثيره أشد غوراً، تبنت أصوله أغلب طلائع الحداثة من المصورين المجدد (وتطبيق التكعيبية التحليلية من قبل بيكاسو وبراك) وكان لاريونوف درسها في باريس في معهد بيكاسو. ناهيك عن أن بعض الكتاب الفرنسيين المتنورين مثل أبوللينير اعتبروا النزعة التكعيبية عموماً توازي أطروحة الجدلية المادية الماركسية. هو ما يثبت أن البحث كان عن ثورة مغايرة للثورة الأيديولوجية كانت ثورة الفنانين تتملك بحثها صبوة ائتلافية مزدوجة: شمولية اللغة (ما يفسر حماستهم للحداثات المحدثة في الغرب) وروسية التعبير (الحس السلافي). كثيراً ما كان يحقق الشرط الأول قومية الطرف الثاني، فألوان ماتيس تناسب الموتيفات الشعبية وألوانها المحلية الروسية، وبخاصة ألوان الأيقونات البيزنطية.

ومع تمسكهم بالماضي البريء في التعبير نجد تفاؤلهم بالتقنية المتطورة، وهنا نذكر بصمات مارينتي رمز المستقبلية الإيطالية ومنظرها الذي لاقت محاضراته المتنقلة الكثير من الترحاب. وعلى رغم أجتماع طلائع الحداثة على هاتين الصبوتين المتناقضتين: الحداثة والتراث، فإن اختلافهم كان يملك من الحيوية ما يجنبهم نمطية الأدلجة الرسمية.

لعل أبرز أسماء فناني الطليعة الريادية في الحداثة الروسية هو كاندينسكي الذي هاجر قبل الثورة البلشفية مع زوجته عازفة البيانو.

يرجع إليه فضل اختراع التّجريد في ميونخ عام 1908 مصادفةً عندما لاحظ إحدى لوحاته المائية مقلوبة، وهكذا اختفت دلالات الموضوع وبقيت العلاقات اللونية.

شارك بتأسيس «جماعة الفارس الأزرق» التي دعمت معارض التجريدي الفرنسي دولونوي. وشارك في تدريس طلبة «مدرسة الباوهاوس» إلى جانب بول كليه حتى أغلقها النازيون عام 1936 وأحرقوا أعمال الإثنين ضمن كوكبة فنية اتهمت بانتاج الفن الفاسد.

أما مؤسسا التكعيبية - المستقبلية ذات الأصول الروسية فهما مالفيتش في «تصعيديته»، وتاتلان في بنائيته. ثم لاريانوف في إشعاعيته البنائية. كانوا على خلاف مخصب للتّجريد. يبحث الأول عن منمالية التجريد وتصوفه الاختزالي في حين يرى الثاني أن الأفضلية تقع في إمتحان العلاقات المادية (أو المواد) الحديثة، مستعيراً من ملصقات التكعيبية اهتمامها بنسيج السطوح ونحتها المتناغم على اختلاف اهتزازها. ويصل لاريونوف (مثل اينشتاين) إلى البحث عن الفوتون في الموجات النورانية، تبدو لوحاته أقرب إلى منعكسات الزجاج المعشق أو جهاز المرايا المتقابلة (الكاليودوسكوب). برزت ضمن هذه الكوكبة سيدات موهوبات مثل ناتاليا غوتشاروفا بلوحتها عن قطاف التفاح، مع تأويل روسي لاختزالات سيزان والتكعيبية التعبيرية، هذا هو شأن مالفيتش في مرحلة فلاحيه بلا وجوه السابقة للتجريد المطلق (برمز المربع الأسود ووصوله بعد ذلك إلى طريق مسدود في تجربة مربع أبيض على أرضية بيضاء).

الطليعية كانت روحاً عامة تجمع هؤلاء فقد صمم تاتلان في باريس عام 1919 برجاً شمولياً من أجل المعرض العالمي في باريس (ولم ينفذ) بارتفاع 400 متر. وهو مشكل من حلزون مزدوج معدني يلف بطريقة حركية حول «زيقورة» بابلية مركزية من المواد.

ثم يحكم أعضاء الحزب الشيوعي قبضتهم على الرقابة والفنون ولن يكون مصير التشكيليين بأفضل من مصير الزملاء الموسيقيين، وأغلب هؤلاء فضل النفي على مخاطر التعايش مع نظام يعادي الثقافة والإبداع.

في عام 1921 طرد كاندينسكي من عمله فاستقر نهائياً في ألمانيا، ويشهد عام 1922 خروج شاغال نهائياً من مدينته فيتسبك ليستقر في ضيعة فرنسية، وكذلك لاريونوف. في عام 1930 عانى مالفيتش من السجن والتعذيب قبل هروبه مع بداية ليل ستالين.

 

المصدر: "الحياة اللندنية"- أسعد عرابي