شينخوا : العالم المتعثر يتطلب قيادة أقوى من جانب مجموعة العشرين

بكين  (شينخوا) يزخر التاريخ بالأزمات التي خرج منها العالم مكانا أفضل وأكثر أمانا، وأظهرت تلك الأوقات الحرجة أن القوة الرئيسية لتغيير المد تكمن في القيادة الفعالة. 

هذا ما يتطلع إليه المجتمع الدولي مع اجتماع قادة الاقتصادات العشرين الكبرى في العالم  في قمتهم الافتراضية الثانية في هذا العام الاستثنائي وسط أزمة مزدوجة لا تزال مستعرة للصحة العامة والاقتصاد. 

في جميع أنحاء العالم، مازالت جائحة كوفيد-19 تتسبب في أضرار، والاقتصاد العالمي يترنح في ركود عميق، والحمائية والأحادية والهيمنة تشكل تهديدا خطيرا للسلام والتنمية في العالم. 

ومع وقوف الإنسانية مرة أخرى على مفترق طرق، تتحمل مجموعة العشرين مسؤولية حاسمة. فالعالم المتعثر يحتاج من لاعبيه الرئيسيين الارتقاء إلى مستوى التحدي المزدوج بقوة أكبر مما فعلوا عندما عقدوا قمتين خلال عام واحد في أعقاب الانهيار المالي العالمي عام 2008. 

ولا يزال حشد الجهود الدولية وتضافرها لمعالجة أخطر أزمة صحية عامة عالمية منذ قرن من الأولويات القصوى. ففي الوقت الذي يجتمع فيه قادة مجموعة العشرين، أصاب كوفيد-19 أكثر من 57 مليون شخص وأودى بحياة أكثر من 1.3 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ويواصل عدد حالات الإصابة في العالم ارتفاعه. 

يعد فيروس كورونا الجديد غير المرئي تذكرة قوية بالترابط العالمي. ففي مواجهة العدو المشترك، لن يكون أحد في أمان حتى يصبح الجميع في أمان. وبالنظر إلى الخلفية القاتمة الحالية، فإن ما قاله الرئيس الصيني شي جين بينغ في القمة الاستثنائية لمجموعة العشرين في مارس يظل أمرا ملحا: فمن الضرورة بمكان أن يقوم المجتمع الدولي "بتعزيز الثقة، والعمل باتحاد، والعمل معا في استجابة جماعية". 

ويتعين على أعضاء مجموعة العشرين أن يكونوا مثالا يحتذى به للتعاون الدولي في مكافحة الجائحة، بوسائل ليس أقلها دعم منظمة الصحة العالمية في لعب دورها، وتعزيز الجبهة الموحدة التي اتفقوا على بنائها في اجتماع مارس. 

وفي استجابتها، يتعين على جميع البلدان أن تضع حياة الناس في المقام الأول، وتحترم العلم والحقائق، وتعزز التضامن العالمي. وأولئك المصممون على تسييس الجائحة واتخاذ من الآخرين كبش فداء أو وصمهم لن يعملوا سوى على إضعاف الحملة العالمية ضد الفيروس على حساب الجميع، بما في ذلك شعوبهم. ويتعين على مجموعة العشرين أن ترفض بشدة مثل هذه المناورات السياسية المثيرة للانقسام. 

بالنظر إلى الدور الأساسي للقاحات، يتعين على مجموعة العشرين تعزيز التعاون في أبحاث اللقاحات وتطويرها وتوزيعها ورفض قومية اللقاحات رفضا قاطعا. إنها بحاجة إلى المساعدة في ضمان التعامل مع اللقاحات الآمنة والفعالة باعتبارها منفعة عامة عالمية وإتاحتها وبأسعار معقولة للجميع، لا سيما في البلدان النامية وأقل البلدان نموا. 

بالتأكيد لن يكون كوفيد-19 آخر أزمة صحية عالمية. لذا يتعين على مجموعة العشرين أن تدعم بقوة الدور التوجيهي لمنظمة الصحة العالمية في إعداد العالم للأزمات المستقبلية، والأخذ بزمام المبادرة في تبادل المعلومات، وتعزيز التعاون الدولي، ومساعدة البلدان النامية على إنشاء وتحسين أنظمة الصحة العامة لديها. 

هناك مهمة شاقة أخرى أمام قادة مجموعة العشرين تتمثل في إنقاذ الاقتصاد العالمي من أعمق ركود منذ الكساد الكبير وإعادته إلى مسار النمو المستقر. فقد قدر صندوق النقد الدولي مؤخرا بأن الاقتصاد العالمي سينكمش بشكل حاد بنسبة 4.4 في المائة في عام 2020، وهو أسوأ بكثير مما كان عليه خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008، ما دفع إلى ارتقاء مجموعة العشرين من منتدى على المستوى الوزاري إلى قمة للقادة. 

يتطلب تحقيق انتعاش اقتصادي عالمي ديناميكي تعاونا مفيدا للجميع. وبصفتها الاقتصادات الرائدة في العالم، يتعين على الدول الأعضاء في مجموعة العشرين إرسال رسالة واضحة مفادها أنها ستعزز تنسيق سياسة الاقتصاد الكلي، وتسهل تدفق الأفراد والسلع عبر الحدود وسط الجائحة، وتحافظ على سوق مالي عالمي مستقر، وتبقي على السلاسل الصناعية وسلاسل الإمداد سليمة وقوية. 

ويتطلب تحقيق انتعاش اقتصادي عالمي شامل انفتاحا أكبر. إذ يتعين على أعضاء مجموعة العشرين أن يقودوا عملية معارضة الأحادية والحمائية ومغالطات "الفصل" المزعومة، وبناء اقتصاد عالمي مفتوح، وحماية النظام التجاري متعدد الأطراف ونواته منظمة التجارة العالمية. 

إن اللهجة والممارسات الانعزالية تسبق بوقت طويل حدوث الجائحة، التي أدت إلى بروزها وتضخيمها. ولكن إذا ما تركت دون رادع، فإنها ستفشل أي فرصة للتعافي والنمو العالمي. 

وكما شدد شي في الكلمة التي ألقاها في القمة الـ12 لمجموعة بريكس التي عقدت عبر رابط الفيديو يوم الثلاثاء، فإن "الممارسة المتعلقة باستخدام الجائحة للسعي لمناهضة العولمة أو رفع الصوت للمطالبة بـ"الفصل الاقتصادي" و"الأنظمة الموازية" سينتهي بها الأمر إلى الإضرار بالمصالح الذاتية لمن يقومون بذلك وبالمصالح المشتركة للجميع". 

تلتزم الصين بتقاسم فرص التنمية مع بقية العالم، وتطبق ما تتعهد به بشأن الانفتاح. فقد أدخلت قانون الاستثمار الأجنبي الجديد حيز التنفيذ في اليوم الأول من هذا العام. وبعد وضع الجائحة تحت السيطرة الفعالة داخل حدودها، أقامت سلسلة من المعارض التجارية الدولية، بما فيها الدورة الثالثة من معرض الصين الدولي للواردات. وقد بدأ أيضا في تعزيز نمط جديد للتنمية يتخذ من السوق المحلية دعامة أساسية وتدعم فيه الأسواق المحلية والدولية بعضها البعض. 

وقال شي في كلمته خلال مراسم افتتاح الدورة الثالثة من معرض الصين الدولي للواردات "هدفنا هو تحويل السوق الصينية إلى سوق للعالم، سوق يتشارك فيها الجميع، وسوق يستطيع الجميع الوصول إليها". 

والأهم من ذلك، أن تحقيق انتعاش اقتصادي عالمي مستدام يتطلب الابتكار. فالاقتصاد العالمي، مدفوعا بثورة صناعية جديدة ومتأثرا بالجائحة، يمر بمرحلة انتقالية من محركات نمو تقليدية إلى أخرى جديدة. 

وقد أتاح مرض فيروس كورونا الجديد، رغم أنه ضرب العديد من الشركات والقطاعات في جميع أنحاء العالم، فرصا جديدة لبعض الأشكال الجديدة من الصناعات لتبزغ وتنمو وتزدهر. هذه البراعم الاقتصادية تعد بدعم الانتعاش وتعزيز النمو في المستقبل. 

وبالتالي، يتعين على أعضاء مجموعة العشرين الدفاع عن التعاون العالمي في مجال الابتكار والعلو فوق الأسوار الجغرافية والأخرى التي هي من صنع الإنسان والتي تعوق تدفق الأكفاء والتبادلات التكنولوجية، بحيث يمكن لثمار الابتكارات الخارقة أن تعود بالفوائد على الجميع. 

وفي كلمته خلال المناقشة العامة للدورة الـ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، حث شي جميع البلدان على "السعي لتحقيق التنمية المبتكرة والمنسقة والخضراء والمفتوحة للجميع، واغتنام الفرص التاريخية التي تتيحها الجولة الجديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية والتحول الصناعي، وتحقيق انتعاش أخضر للاقتصاد العالمي في حقبة ما بعد كوفيد-19، وبالتالي خلق قوة قوية تدفع التنمية المستدامة". 

يواجه الجنس البشري مرة أخرى مفترق طرق، وجميع الأنظار تتجه نحو من هم في المقدمة. ويتعين على مجموعة العشرين، التي تضم أكبر اقتصادات العالم، تلبية النداء والمساعدة في ضمان خروج العالم من الأزمة مرة أخرى مكانا أفضل وأكثر أمانا.