نتنياهو فقد عصاه السحرية

د. رمزي عودة *

في ظل توالي تبعات فوز بايدن في الانتخابات الأميركية، لم يكن مصادفة وصف أحد قادة الاحتجاجات الاسرائيلية المطالبة برحيل رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بأن الأخير يشبه هتلر النازي، يبدو أنها اشارة الى أن المظاهرات ضد نتنياهو بدأت تتجه الى مكان آخر بعيدا عن الملامح العامة التي يتفق عليها الإسرائيليون.

ومن الواضح أن هنالك تصاعد في مخاوف الشارع الاسرائيلي حول استمرار حكم نتنياهو الذي تجاوز الستة عشر عاما، إضافة الى ملفات الفساد التي تلاحقه في المحاكم، وتردي الوضع الاقتصادي في اسرائيل نتيجة لانتشار جائحة كورونا في ظل سوء الادارة لهذا الملف.

وفي الواقع، فقد شكل فوز بايدن ضربة قوية لنتنياهو الذي فقد حليفه الاستراتيجي ترامب، بعد أن قدم له الأخير خدمات لم يكن أحد يتوقعها من أي ادارة أميركية؛ مثل نقل السفارة، والاعتراف بيهودية الدولة وفرض صفقة القرن وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وقطع المساعدات عن السلطة الوطنية وعن الأونروا.

وكل هذه الخدمات لن تكون على طاولة إدارة بايدن ونائبته هاريس.  بالمقابل، من المتوقع أن تعمد إدارة بايدن الى إلغاء العديد من سياسات ترامب السابقة، إضافة الى إدانة الإستمرار في بناء المستوطنات وإسقاط صفقة القرن كمرجعية للتسوية.

وبالمجمل، فإن سياسات أكثر توازنا ستمثل هوية السياسة الخارجية الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبالضرورة، فان السياق السابق، لا يعني أن التحالف بين الولايات المتحدة واسرائيل سينهار، فبايدن وهاريس يمثلان محورا مهما من الديمقراطيين ينظر الى إسرائيل كحليف استراتيجي، وقد عارضا علنا فرض أيه ضغوط أميركية على إسرائيل عبر تقليص المساعدات الأميركية. ومع هذا، يبدو أن فترة شهر العسل بين الإدارة الأميركية وبين نتنياهو ستنتهي قريبا، لا سيما أن بايدن وكما هو متوقع سيفرض ضغوطا على إسرائيل للعودة إلى المفاوضات وفقا لقرار 242، كما أنه لن يفرض ضغوطا كما فعل غريمه ترامب على الدول العربية للتطبيع والتحالف مع اسرائيل، وهي أوراق إستخدمها نتنياهو بحكمة سحرية في تعزيز قاعدته الشعبية في الآونة الأخيرة بشكل متسع.

في الحقيقة، فإن كافة الأوراق السياسية التي إستغلها نتنياهو لتعزيز مكانته السياسية ورفع شعبيته، كانت مرتبطة بفوز ترامب. ومع هزيمة الأخير، فإن أوراق الأول قد سقطت.

ومن جانب آخر، فإن إستغلال "البعبع" الايراني في تشجيع التحالف مع الإقليم العربي لم يعد هنالك ما يسوغه، وخاصة أن البرنامج الانتخابي لبايدن تحدث بصراحة عن إعادة مسار العلاقات الدبلوماسية مع إيران فيما يحتمل أن يعاد العمل باتفاق 5+1. وهذا التطور إن حدث، فإن المنطقة ستكون أكثر هدوءا مع إدارة بايدن، وستتحسن بالضرورة العلاقات العربية الفلسطينية، وستكون المنطقة بالنتيجة أكثر التصاقا بحكومات معتدلة، وحتما فان نتنياهو "ملك تل أبيب" كما يحب أن يصف نفسه لن يكون واحدا من هذه الحكومات في القريب العاجل.

في هذا السياق، يجادل ديفيد هالبفينغر في مقالته المنشورة مؤخرا في صحيفة (نيويورك تايمز) بأن فوز بايدن قد "خفض من ترتيب إسرائيل على قائمة أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأضعف هذا الفوز مكانة نتنياهو على الساحة العالمية، كما أضعف حجة رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الناخبين المضطربين، باعتبار أنه لا يزال زعيمهم الذي لا غنى عنه". وفي الإطار ذاته، أفادت بعض التقارير الإخبارية بأن فوز بايدن يمكن أن يعجل في إجراء الانتخابات الإسرائيلية في وقت سيدعم هذا الفوز ويعظم من آمال المعارضة الإسرائيلية في إسقاط حليف ترامب نتنياهو.

وتدعم إستطلاعات الرأي مؤخرا هذه التوقعات، والتي تشير في مجملها إلى تراجع شعبية نتنياهو، حيث أن نحو 54% من المستطلعين يرغبون بإنسحابه من الحياة السياسية. في الوقت الذي تشير فيه هذه الاستطلاعات الى إرتفاع حصة الاحزاب المعارضة لليكود في أي إنتخابات قادمة لا سيما تحالف أحزاب اليمين بزعامة نفتالي بينيت، والذي من المتوقع أن يحصل على 21 مقعدا مقابل 28 مقعدا لليكود. بالمحصلة النهائية من التحليل السابق، فإنه يمكن لنا أن نستنتج بأن نتنياهو يواجه مغبة السقوط بعد هزيمة ترامب، حيث تتشابه سياستهما الشعبوية كثيرا سواء في إذكاء التوترات السياسية واللعب على التناقضات وتزييف الحقائق وإستغلال إستياء عامة الناس والعمال على السياسات العامة. ومن الواضح أن نتنياهو الذي تلكأ في تهنئة بايدن بعد فوزه في الانتخابات، لن يستطيع أن يتعامل مع مشاعر الغضب المتفشية تجاهه في أوساط إدارة بايدن بسبب عدائه لباراك أوباما وصداقته مع ترامب على حد تعبير إيتمار آيخنر في مقالته في "يديعوت أحرونوت".

وبالضرورة، فإن نتنياهو الذي اتكأ طيلة الأربع سنوات السابقة على شعبوية حليفه ترامب لن يكون بالإمكان استمراره بعد أن فقد هذا الحليف، وفقد نتيجة لذلك ألعابه السحرية التي برع في استخدامها في المنطقة.

--------

* باحث ومحاضر جامعي