الشهيد المناضل/ وليد إبراهيم سليمان أبو جاموس

الذاكرة الوفية-عيسى عبد الحفيظ

ولد الشهيد المناضل/ وليد إبراهيم سليمان أبو جاموس (أبو رمزي) في بلدة عصيرة الشمالية محافظة نابلس بتاريخ 9/4/1949م، تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارسها ثم انتقل إلى نابلس لمتابعة دراسته، غادرت عائلته مدينة نابلس إلى الأردن بعد هزيمة حزيران عام 1967م، حيث تابع دراسته وحصل على شهادة الثانوية العام من مدارسها عام 1968م، سافر إلى لبنان، والتحق بجامعة بيروت العربية لإكمال دراسته الجامعية (قسم الجغرافيا).

خلال تأزم الأوضاع السياسية في لبنان والصدامات الأولى بين الجيش اللبناني والثورة الفلسطينية وما تعرضت له دفعته للالتحاق مبكراً بالثورة مقاتلاً ومدافعاً عنها في وجه ما يخطط لها.

كان من أوائل الملتحقين في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) عند تأسيسها عام 1972م، وتولى مسؤولية قسم الاستماع ونشرات الصحف اليومية.

انتقل وليد أبو جاموس إلى قسم التحرير بعد أن أثبت كفاءة ومقدرة في تنظيم قسم الاستماع وحسن سير عمله، قبل أن يتولى مسؤولية (مدير التحرير) ونائباً لرئيس الوكالة.

استطاع بعلاقاته الجيدة استقطاب العديد من الكفاءات المهنية والأكاديمية وزجها بالعمل من أجل خلق رسالة إعلامية فلسطينية صادقة في وجه زيف الإعلام الصهيوني، وتحت مسؤوليته تأسس القسم الإنجليزي حيث تولى مسؤوليته في بيروت البروفيسور المعروف (رشيد الخالدي).

عمل وليد أبو جاموس بتفان ونكران ذات في كل المواقع دون أي اعتبار للموقع الرسمي الذي يشغله، فتلقاه تارة مراسلاً، وتارة أخرى مندوباً، وتارة محرر استماع، ومرة محرر نشرات استماع، حتى ارتبط اسمه باسم الوكالة فكان يُعرف في كل المواقع ومكاتب الثورة الفلسطينية باسم (سليمان وفا).

كان قريباً جداً من الرئيس الشهيد/ ياسر عرفات، وكان يعتبره العنوان الرسمي لوكالة (وفا) لذا فقد انتخبه ليكون مرافقأً له في العديد من رحلاته الرسمية الخارجية المهمة.

خلال اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982م، كان لـ (سليمان وفا) دور فاعل في تأمين احتياجات الوكالة المادية اللوجستية والأماكن البديلة فيما لو تم قصف المقر الرئيس للوكالة، وقد استطاع بإدارته المباشرة اليومية من تأمين استمرار سلس ومتناسق لجهود العاملين والصحفيين في مواقعهم البديلة.

عند خروج قوات الثورة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية من بيروت، انتقل (سليمان وفا) إلى تونس حيث أصبح هناك المقر الرئيسي لوكالة (وفا) بعد أن أصبحت تونس مقراً لمنظمة التحرير الفلسطينية.

استطاع بجهود جبارة تجميع كادر الوكالة الأساسي وأعاد توزيعه بين المقر الرئيسي وبعض البلدان لضمان استمرارية العمل بعد أن اتخذت الوكالة مقراً مستقلاً في ضاحية المنزه بالعاصمة التونسية، وتأمينه ببعض الوسائل الأساسية الكفيلة باستمرارية العمل ومتابعة الشأن الفلسطيني في مختلف تجمعاته.

أعيد العمل تحت إدارته بالنشرة العربية والنشرة الإنجليزية، وأضيفت النشرة الفرنسية، وكان هنالك مخطط لإصدار النشرة العبرية، لكن الإمكانات المحدودة من قوى بشرية وفنية أعاقت هذا الإصدار.

استمر وليد أبو جاموس بقيادة عمل الوكالة اليومي طيلة فترة التواجد بتونس بصفته نائباً لرئيس الوكالة ومديراً للتحرير، حتى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م.

في شهر حزيران عام 1994م، عقد الرئيس/ أبو عمار اجتماعاً في مقر إقامة السفير الفلسطيني بتونس حضره جمع من كوادر المنظمة، حيث قرر الرئيس أن يكون (سليمان وفا) من بين الكوادر التي ترافقه في رحلة العودة إلى أرض الوطن.

بعد عودته إلى أرض الوطن بدأ (سليمان وفا) رحلة بناء جديدة وبإمكانيات تقترب من الصفر، فلا كوادر قد عادت بعد إلى الوطن ولا مقرات ولا إمكانات فنية وتقنية، ومن غرفة متواضعة في مقر الرئاسة في المنتدى بدأ (سليمان وفا) بث أول نشرات الوكالة الورقية بمساعدة من إخوانه في مكتب الرئيس ومن معارفه.

استطاع سليمان وفي فترة قياسية التعرف على الكوادر والكفاءات الإعلامية في الوطن، وتمكن من استقطاب بعضها للعمل في الوكالة بعد أن اتخذ مقراً مستقلاً لها في شارع النصر.

بعد عودة بعض كوادر الوكالة الأساسية أعاد العمل بالنشرة الإنجليزية إلى جانب النشرة العربية، وأضاف إلى ما تصدره الوكالة نشرة ترصد الصحافة العبرية وأخبار إسرائيل وتوزع بشكل محدود.

توسع عمل الوكالة تحت إدارته المباشرة، واتخذت مقراً قريباً من مقر الرئاسة وبدأ العمل من أجل ترسيخ هيكلية للعمل، تكون متوافقة من توجه السلطة لبناء مؤسسات تعمل وفق نسق منتظم وقواعد إدارية واضحة.

كان (سليمان وفا) يعمل وظل يعمل واصلاً الليل بالنهار، هكذا كان أثناء المعارك وهكذا كان وقت الأزمات يدير باقتدار وهدوء أهم الأنباء والأخبار لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، محافظاً على علاقات ودودة حميمة صادقة مع زملائه، وكل من لهم علاقة به من الصحفيين ووكالات الأنباء، وتعامل مع عمله ومهنته وزملائه بأمانة ومسؤولية وصدق الحس والانتماء الوطني، وعدالة القضية التي ظل يناضل من أجل انتصارها.

لقد أعطي (سليمان وفا) كل عقله وعواطفه من أجل أن تأخذ الوكالة مكانتها المتميزة بين أقرانها ولتقف في مصاف الوكالات العالمية من خلال الخبر الصادق والصياغة العلمية والمهنية.

لم يكن (سليمان وفا) مجرد مدير عام لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) أو أحد الكوادر الإعلامية البارزة في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، بل كان طرازاً فريداً من المسؤولين، بل كان بمثابة أخ وصديق لجميع من عرفه وعمل معه، حيث كان مكتبه ملتقى للتنفيس وتبادل التداعيات بين كل من هم في دائرة همومه.

كان (سليمان وفا) عضواً في اتحاد الكُتاب والصحفيين الفلسطينيين في الخارج، وكذلك عضواً في نقابة الصحفيين الفلسطينيين فور عودته إلى أرض الوطن.

بعد سهرة على غير ترتيب ولا مواعيد مسبقة جمعته بحشد من أصدقائه القدامى والجدد، استعادوا فيها ذكريات النضال المشترك والعمل المضني، افترق الجمع، ليتفاجأ الجميع بنبأ وفاته بنوبة قلبية حادة لم تمهله طويلاً بعد ساعات من هذا التجمع الذي بدا وكأنه وداع بين الأصدقاء ورفاق النضال المشترك وذلك يوم الأحد الرابع من شهر رمضان، الموافق 12/12/1999م في مدينة غزة.

نُقل الجثمان من مستشفى الشفاء بغزة على سيارة عسكرية طافت به في موكب جنائزي عسكري شعبي شوارع غزة مروراً بوكالة (وفا)، ماراً بجامعة الأزهر ومحاذاة سرايا غزة والساحة كان الموكب مهيباً صامتاً في حركة منظمة كحياته. وتوقف أمام الجامع العمري الكبير للصلاة الأخيرة على جثمانه ومنه نحو مقبرة الشهداء ليوارى ثرى الوطن. أطلقت ثلة من حرس الشرف إحدى وعشرين طلقة تحية وتقديراً للراحل الكبير وعطائه.

وقد أبّن الراحل الكبير (سليمان وفا) الأخ/ أحمد عبد الرحمن أمين عام مجلس الوزراء آنذاك قائلاً: (نودع اليوم مناضلاً فدائياً وكاتباً كان يكتب بالدم لفلسطين .... وجندياً مجهولاً قضى عمره ينتقل من موقع لآخر ومن مدينة لأخرى ومن مخيم إلى مخيم ومن منفى إلى منفى من أجل فلسطين، لك الأفضل نم هنيئاً يا أخي سليمان .... وكن في صورتنا الأفضل، لك الأفضل في أن كفاح شعبنا يعرفه العالم على ثقة أن رسالتك وجهادك وكفاحك نبراس وشُعلة تضيء الطريق أمام أجيالنا وأمام أبنائك، وسنظل أوفياء للعهد وسنواصل المسيرة حتى النصر.

رحل الفارس في صمت مثل كثير من الفرسان العظام، ترجل عن حصانه دون أن يزعج أحداً كعادته، أراد أن يمضي دون أية إشارة، فكانت المفاجأة التي أذهلت جميع من عرفوه ولم يعرفه.

مثلما كان في حياته جندياً فاعلاً نشطاً مجهولاً هادئاً متزن الخطوات، رحل (سليمان وفا) بصمت ودون ضجيج لم يخرج عن عاداته التي التزم بها حتى في موته.

المناضل/ وليد أبو جاموس متزوج ورزق بثلاث أولاد هم: (رمزي، رامي، رائد).

رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جنانه

وإنا لله وإنا إليه راجعون.