التطبيع والتخلي والتبني.. هل سيتوقف؟

باسم برهوم

قد يتساءل القارئ لماذا كانت تتكرر العبارة ذاتها في كل بيان تصدره الرئاسة  الفلسطينية بعد كل اتفاقية تطبيع كانت تبرمها إحدى الدول العربية مع اسرائيل، وتنص هذه العبارة على أنه "ليس من حق أحد التحدث باسم الشعب الفلسطيني". بصريح العبارة تريد الرئاسة أن تقول لهذه الدول، حتى إن اردتم أن تطبعوا  وأن تقيموا علاقات مع إسرائيل، فإنه ليس من حق أحد التصرف أو التنازل عن حق من حقوق الشعب الفلسطيني، أو أن يدعي أنه يقوم بذلك خدمة لنا، كما أن هناك ضرورة  للتأكيد دائما أن للشعب الفلسطيني ممثلا شرعيا وحيدا هو منظمة التحرير الفلسطينية، وهي وحدها التي تتحدث باسمه من أجل أن ينال حقوقه.
 هذا المدخل مهم لتناول وتحليل ما قامت به بعض الدول العربية من تطبيع، ولماذا اعتبرناه خطرا على القضية الفلسطينية، وعلى مصالحنا وحقوقنا. هذه الدول قالت إنها قامت بما قامت به انطلاقا من مصالحها هي، كان يمكن أن نتفهم ذلك، وأن نتفهم أنها فعلت ذاك لدرء الخطر من رئيس أميركي يفهم السياسة بأنها إما أسود أو أبيض، أو أنك إما تكون معي أو تكون عدوي واقوم بتحطيمك، كنا سنفهم ذاك لو لم يصحب ذلك تخليا عربيا واضحا مع الأسف عن الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، قضية العرب المركزية. وكنا سنتفهم لو لم نلمس أن هناك ما هو أكثر من تخلٍ، إنه تبن للرواية الصهيونية، فهذه الاتفاقيات جاءت في ذروة تحقق هذه الرواية على الأرض بدعم من ترامب، خاصة ما يتعلق بالقدس.
السؤال الآن، وبعد أن أصبح ترامب الرئيس المنتهية ولايته، وفاز بالمقابل الديمقراطي بايدن، هل ستواصل هذه الدول حماسها واندفاعها في التطبيع والتخلي والتبني؟ 
السؤال منطقي جدا لأن بايدن يعلن أنه مع حل الدولتين، وأنه سيعيد العلاقات  الأميركية الفلسطينية، ويفتح قنصلية في القدس الشرقية المحتلة، التي هي بمثابة سفارة أميركية مع الشعب الفلسطيني، مقابل سفارة فلسطينية في واشنطن، هي مكتب منظمة التحرير الذي أغلقه ترامب. ومن الواضح أن بايدن وإن رحب  باتفاقيات التطبيع، فإنه يريد أن يتم ذلك في سياق البحث عن تسوية شاملة، وبالأساس إنهاء الصراع الفلسطيني للاسرائيلي  انطلاقا من حل الدولتين.
من هنا، فإن مواقف بايدن أفضل بكثير من مواقف دول التطبيع، الذين تجاهلوا مبدأ حل الدولتين وتجاهلوا القدس، وأبرموا اتفاقيات في إطار الرواية الصهيونية، لذلك كان نتنياهو واليمين الصهيوني، هم أكبر الرابحين، وبعد رحيل ترامب ما الذي ستفعله هذه الدول، بعد أن حولت الشعب الفلسطيني وكأنه شعب زائد في الشرق الأوسط لا مكان له في جغرافيا المنطقة، وبعد أن أصبحت إسرائيل هي الصديق والشقيق، والشعب الفلسطيني هو العدو (...؟؟) ماذا ستفعل هذه الدول عندما تعود القضية الفلسطينية على طاولة البحث؟؟
لا شك أننا بحاجة إلى أن نجري حوارا مع الأشقاء، وأن نفاوض الأعداء في الوقت نفسه، لأن الأشقاء فقدوا البوصلة وتاهت أمورهم. لقد تعود الشعب الفلسطيني أن لا يكره إلا من يصر على إلحاق الظلم والأذى له، ونحن متأكدون أن الأشقاء قد اخطأوا ولم يكن قصدهم الإصرار في إلحاق الظلم بنا.