فسيفساء بيت جالا تزيد المدينة ألقاً

بيت جالا- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- من المتوقع أن يضيف إظهار أرضية فسيفسائية في مدينة بيت جالا، المزيد من الألق على البلدة القديمة في المدينة التي تسعى البلدية إلى ترويجها سياحيا.

انهمك العمال، بإشراف الدكتور محمد غياظة من وزارة السياحة والآثار، بإزالة الأتربة، بجانب كنيسة مار نقولا التاريخية في المدينة. ويعلم غياظة، وفريقه، ما ينتظرهم، ففي عام 2002م، كشفت حفريات أثرية إنقاذية عن أرضية فسيفسائية، خلال ترميم شارع، ولكن كما يقول غياظة، تم ردمها بالرمال، حفاظا عليها، وعُبد الشارع فوقها.

وحصلت بلدية بيت جالا على تمويل، من أجل إعادة ترميم الموقع وتأهيله، مكنها من إعادة الحفر من جديد، والكشف عن الأرضية الفسيفسائية، لإظهارها، ضمن خطتها للترويج السياحي للبلدة القديمة.

ما كشف عنه من الأرضية الفسيفسائية يصل إلى نحو خمسة أمتار، ويقدر غياظة أن هذه الأرضية مرتبطة بأرضية فسيفسائية أخرى داخل كنيسة مار نقولا، وهو شفيع مدينة بيت جالا، والقديس المحبوب من قبل أهالي المدينة، الذين يروون عنه الحكايات المرتبطة ليس فقط بالعجائب الدينية، ولكن أيضا بالأحداث السياسية مثل نكبة عام 1948، ويحتفلون كل عام بعيده، في مواكب، يرددون فيها الأهازيج التي تعلي من قيمته، وتبجله.

وتعود الأرضية الفسيفسائية إلى العصر البيزنطي، ولا تختلف الزخارف والرسومات عليها، عما هو وكذلك الألوان الجملية، معروف من الفن البيزنطي المكتشف في فلسطين.

قال غياطة لمراسلنا: "بعد تنظيفها سيتم حماية الأرضية الفسيفسائية، وإتاحتها للجمهور المحلي والسياح، وهذا أمر مهم، يساعد على الاطلاع على ارثنا الثقافي".

ويعتقد غياظة، بأن للفسيفساء المكتشفة امتداد في المنطقة، لذا تم حفر حفرتين أثريتين، في محاولة لمعرفة المزيد عن تاريخ الموقع، وأثاره.

وأضاف غياظة: "تتحدث هذه الفسيفساء الجميلة عن تاريخ المدينة، وارثها الثقافي، وتشكل إضافة ثرية للمعالم التي تعرف بها بيت جالا".

في الحفرية الإنقاذية الأولى عام 2002م، شارك الدكتور وائل حمامرة، مدير قسم الإصدارات والمنشورات في وزارة السياحة والآثار، وهو سعيد بإعادة الكشف عن الأرضية وإتاحتها للناس.

يقول حمامرة: "في أثناء اضطلاع بلدية بيت جالا بأعمال حفر وإعداد بنية تحتية في شارع بجانب كنيسة مار نقولا في شهر حزيران عام 2002م عثر على مقطع من أرضية فسيفسائية، وعلى إثر ذلك توجهت طواقم وزارة السياحة والآثار لمعاينة الموقع، ثم تقرر إجراء تنقيبات أثرية للكشف عن هذا المعلم المهم، وكان ذلك في ظروف صعبة خلال انتفاضة الأقصى، وظرف مدينة بيت جالا الأكثر خصوصية التي كانت تتعرض للقصف الاحتلالي، والاغلاقات، استغللنا فترات الهدوء القليلة لمتابعة عملنا. أشرفت حينه بالإشراف على أعمال التنقيب التي أظهرت وجود جدران لغرفة كبيرة الحجم، تصل مساحتها إلى نحو 4,50 × 4,50 م، وهي مرصوفة بالفسيفساء متعددة الألوان التي تعود بتاريخها إلى الفترة البيزنطية، ما بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين. صممت السجادة الملونة في الطرف الشرقي من الغرفة، واحتوت على زخارف هندسية بأشكال سداسية، وكوّن اندماج كل أربعة أشكال منها شكلا ثمانيا، وأحيطت السجادة بإطار مجدول وفسيفساء بيضاء".

في زاوية غرفة الفسيفساء توجد حفرة صغيرة، الهدف منها، حسب حمامرة: "هو السماح للمياه بان تتجمع بها عند غسل الأرضية، وبالتالي عدم تسربها أسفل الأرضية مما قد يؤدي إلى تكون الرطوبة وتلفها"

يضيف حمامرة: "يوجد في الجدار الجنوبي للغرفة بقايا دعامتين ربما كانت تحمل سقف الغرفة، وكسيت جدران الغرفة بالقصارة على مدار مرحلتين من السكن والاستخدام فيها. تشير الدلائل بأن هذه الغرفة قد اتصلت مع بقايا غرفة أخرى تقع إلى الشرق، وكانت هي أيضا مرصوفة بالفسيفساء، إلا أن عوامل الزمن والانحدار الطبيعي في المنطقة أدى إلى تلف معظمها. تمتد معالم المنطقة المكتشفة من جدران وأرضيات فسيفسائية بالاتجاه الشمالي المسكون من قبل الأهالي المجاورين للموقع".

خلال عمل فريق حمامرة، اكتشفت كميات كبيرة من عظام الحيوانات في الطبقات السطحية من الموقع والتي دلت، حسب حمامرة، على النظام الغذائي للسكان المحليين، وأظهرت بعض المؤشرات ربما على وجود مشغل حرفي قديم في المنطقة، استخدم بعض أنواع العظام من اجل صناعة المسابح، التي سوقت للحجاج المسيحيين أو الزوار خلال الفترة العثمانية.

ويرى حمامرة: "تكمن أهمية هذه الأرضية الفسيفسائية، بأنها من الدلائل الرئيسية التي تظهر تاريخ السكن في بيت جالا، خلال الفترة البيزنطية، وربما أنها كانت جزء أساسيا من المرافق الإنشائية القديمة التابعة لدير مار نقولا، وبعد استكمال أعمال التنقيب المتاحة تمت أعمال التوثيق النهائي والصيانة والتثبيت لأرضية الفسيفساء، ثم أعيد تغطيتها من اجل الحفاظ عليها".

ويضيف: "حاولنا استكشاف المنطقة الجنوبية الشرقية من الشارع للتعرف على إمكانية امتداد الموقع الأثري بهذا الاتجاه، ولكنه تبين لنا وجود قبر أثري كبير يعود إلى نهاية الفترة الهيلينستية (اليونانية)، أو الرومانية. ويعرف نمط هذا القبر أثريا باسم الكولومباريم، وهو من الأنماط الشهيرة في فلسطين، ومن المؤسف، أنه نهب في السابق. تحتوي جوانب القبر فتحات صغيرة مشكلة بصفوف، ووظيفة هذه الفتحات مختلف عليه عند علماء الآثار، فمنهم من يقول بأنها ربما كانت مخصصة لوضع رماد الموتى بعد حرق أجسادهم، أو لوضع لبعض مرفقاتهم الجنائزية، وهنالك من يرى أنها كانت مخصصة لتربية الحمام".

أعمال ترميم الموقع مستمرة، ويشعر غياظة، مثل حمامرة، بالغبطة، في العودة إلى الموقع من جديد، لنبشه، وإعادته إلى الحياة، كتحفة أثرية فنية، تشهد على الإرث الثقافي والتاريخ العمراني المحلي.