الملهاة اللبنانية وملهاة العرب

باسم برهوم

معادلة غريبة تتحكم بعقلية الطبقة السياسبة اللبنانية. فمعظم هذه الطبقة- ان لم يكن كلها- تقول ان معظم مشاكل لبنان هي بسبب النظام الطائفي، باعتباره غطاء للفساد والفاسدين وكل الظواهر السلبية، وفي الوقت نفسه تتمسك هذة الطبقة بالطائفية باعتبارها اداة التجييش الغريزية التي تخافظ على مصالح زعماء قبائل الطوائف وتضمن استمرارهم رغم الخراب الشامل للبنان.

قبل عام عندما خرج اللبنانيون الى الشوارع في ثورة 17 تشرين الأول ورفعوا شعار "كلن يعني كلن" بمعنى التخلص من كل الطبلة السياسية، التي يتهمونها بالفساد. في حينها شعر بعض المراقبين ببعض التفاؤل بإمكانية التغيير ولو جزئيا، ولكن من يعرف قوة النظام الطائفي وقدرته على امتصاص اي تغيير من خلال اعادة اجواء التجييش الطائفية حتى لقسم كبير من الثوار يدرك ان مسألة التغيير تبدو بعيدة المنال. فالثقافة الطائفية، والشعور الدائم بأن الطائفة مهددة عند كل الطوائف هي الثقافة المسيطرة وتمنع اي تشكيل سياسي عابر للطوائف من الاستمرار وتمنع اي تغيير حقيقي.

وبعد الانهيار الشامل للأحوال الاقتصادية والاجتماعية وازدياد نسب الفقر والبطالة، كانت بعض التقديرات تعتقد ان هذا الواقع قد يقود بالفعل الى ظهور حركات وتجمعات عابرة للطوائف وان تصبح قادرة على التأثير، ولكن هذه التجمعات بقيت هشة.

وبعد انفجار مرفأ بيروت المريع وما أحدثه من خسائر بشرية ومادية هائلة، عادت التوقعات تتحدث ان هذه المأساة قد تغير في الثقافة السائدة، ولكن اثبتت الطبقة السياسية انها اقوى من الزلازل والبراكين.

وفي كل يوم يمر يتعزز الاعتقاد بأن النظام الطائفي راسخ وهو اقوى مما نعتقد، ومن يتابع بشكل حثيث الشأن اللبناني يشعر ان الغالبية قد أدمنت لعبة النفاق بالشعارات الجامعة، ولكن على ارض الواقع، ورغم كوارث الانهيار فإن من ينتصر هم الطائفية وأمراء الطوائف المتحكمون بنفس كل لبناني.

انها بالفعل ملهاة لبنانية اصبحت مملة، والعالم اليوم اقرب الى فكرة اعلان هذا البلد، الذي نحبه ونحرص عليه، دولة فاشلة تضاف مع الأسف لنادي الدول العربية الفاشلة. وبالتالي فإن شعار الثوار "كلن يعني كلن" قد يصبح شعارا للمجتمع الدولي "كل البلد يعني كلها".

انه شيء مؤلم ومؤلم جدا، فنحن- الفلسطينيين- لنا مشاعر خاصة جدا في حب لبنان ونشعر ان الشعب اللبناني الشقيق هو الأقرب، ولا نحب له الا الخير، ولكن لن يغير حال لبنان الا اللبنانيون انفسهم.. كفى لهذهالملهاة الطائفية التي اغرقت الشعب اللبناني بالعتمة والفقر.

على اية حال فإن واقع الدول الاخرى لا يختلف عن الواقع اللبناني كثيرا فهي بدورها، إما دول اصبحت فاشلة، أو دول عاجزة مستسلمة أو دول رضخت للارادة الصهيونية بالكامل، اننا امام ملهاة عربية اكبر وأشمل من الملهاة اللبنانية.