لافروف.. التوازن البراغماتي

باسم برهوم

في ربيع عام 2010، أثناء وجودي في مهمة رسمية في مجلس اوروبا في ستراسبورغ، لاحظت الاحترام الذي يحظى به وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في الاوساط الاوروبية سواء من اتفق أو اختلف مع السياسة الروسية. عندما كان يخاطب الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا استطاع ان يمتلك الحضور بشخصيته القوية وكلامه المتوازن الذي يربط بذكاء بين مصالح بلاده ومتطلبات السياسة الدولية والقانون والمواثيق الدولية، ومن يبدع ضمن هذه المعادلة لا يمكن الا تحترمه.

لافروف ليس شخصا في نهاية المطاف، انه تعبير عن سياسة دولة، ولمعرفة القيمة الشخصية لهذا الرجل علينا ان نعرف: ما الذي تريده بلاده؟ وما الذي تريد ان تحققه؟ وكيف كان ناجحا ام فاشلا في تمرير ذلك بطريق تجمع بين المرونة والحزم في الساحة الدولية؟ ومن وجهة نظري فان لافروف كان ناجحا.

ولكي يدرك القارئ المقصود، علينا ان نلاحظ انه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بدت روسيا وكأنها دولة من العالم الثالث، منهارة اقتصاديا تعاني من توترات وتكابد للخروج من أزماتها وكانت التقديرات ان روسيا لن تستعيد مكانتها على الساحة الدولي إلا بعد عقود طويلة.

ربما أحد أهم قرارات الرئيس بوتين هو في اختياره لافروف وزيرا للخارجية، وهذا دليل آخر على دهاء وذكاء بوتين.

وبالمناسبة، وقبل تعيين لافروف عام 2004، كان هذا الأخير مندوب روسيا في الأمم المتحدة وهناك بدا نجمه يلمع واكتسابه لاحترام الاصدقاء والخصوم، وخلال خدمته في الخارجية منذ 16 عاما، استطاع ان يحقق المصالح الروسية ببراغماتية ملفتة مع الحفاظ على دبلوماسية متوازنة، اي من دون اي تهور في خرق للعبة او انتهاك سافر للقانون الدولي.

ما جعلني اكتب هذا المقال الآن وابراز مزايا هذا الوزير وبالتالي السياسية الخارجية الروسية، هو تصريح يثبت بدقة ما أريد الاشارة إليه. قبل ايام صرح لافروف قائلا: "ان روسيا مع تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها، ولكن ليس على حساب الشعب  الفلسطيني".

أراد لافروف ان يُعلم المتعجلين في اسرائيل وجيرانها من العرب هذا الشكل من التطبيع هو قفز عن الواقع والقانون الدولي، أي ان هذا ليس سلاما حقيقيا لأنه تجاهل المشكلة الرئيسية للصراع. وهذا التصريح يؤكد فلسفة الدمج بين المصالح الروسية مع هذه الدول، وهي كبيرة، ولكن مع ابقاء درجة مهمة من احترام المبادئ  الكبرى،  والقانون الدولي.

في ستراسبورغ، في مجلس اوروبا قبل عشر سنوات، لمست الاحترام الأوروبي والدولي لهذا الرجل، واعتقد انه لا يزال يحظى به، والشعب الفلسطيني يحترم كل أولئك الذين يمارسون السياسة بتوازن واعتدال ويحترمون القانون الدولي ومعايير العلاقات الدولية. وبالمقارنة مع السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة فان لافروف يمكن ان يكون نموذجا يدرس.