المسار الفلسطيني التراثي ومقاومة الديانة الإبراهيمية التطبيعية

بقلم: هبة أ. بيضون

استكمالاً لما كتبت سابقا من مقالة استعرضت فيها ما ذكر في إحدى المقابلات مع الباحثة المصرية د. هبة جمال الدين حول بحثها المتعلق بالمخطط الصهيوني للسيطرة على العالم العربي من خلال ما يسمى الديانة الإبراهيمية، والذي تطرقت فيها الباحثة إلى مفهوم الإبراهيمية ونشأتها والغاية منها ومدى خطورتها، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى كثيرة تصب في فضح المؤامرة المخططة والمدروسة وأدوات تنفيذها، والذي يعتبر ما يسمى "التطبيع الإماراتي/ البحريني الصهيوني جزءاً لا يتجزأ منها، بهدف تصفية القضية الفلسطينية وإخضاع العالم العربي لإرادة دولة الكيان الصهيوني وسيطرتها عليه وعلى موارده ومقدراته، ما يحقق تنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى (من النيل إلى الفرات).

أقول بعد فضح الباحثة المصرية للمعلومات التي تمكنت من الإطلاع عليها في وثيقة تعتبر هي الأخطر من نوعها، والصادرة عن جامعة هارفارد عام 2004 والتي تتحدث عن فكرة إنشاء ما يسمى "مسار إبراهيم"، أخذت الجهات المعنية في فلسطين الموضوع بمنتهى الجدية والمسؤولية، وأدركت مدى خطورة ما قالته الباحثة عن الهدف غير المعلن من المسار، لتتخذ الجهات المعنية على رأسها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إجراءات عاجلة وفورية، بعد أن أدركت أن الإجراءات التي اجتهدت وقامت بها بعد رفضها الفكرة التي عرضت عليها عام 2006 حول مسار إبراهيم في فلسطين لم تكن كافية. حيث قام اتحاد مسار إبراهيم الخليل، وهو مؤسسة غير حكومية عاملة في تنمية وتطوير السياحة الفلسطينية،عام 2013، بالتقدم لترخيص حسب الأصول والإجراءات القانونية المتبعة بوزارة الداخلية فئة الاختصاص لتأسيس ما كان يسمى حتى فترة قريبة "مسار إبراهيم الخليل"، وعملت على تطبيقه تحت مسؤولية جهة الاختصاص، وهي وزارة السياحة والآثار، وتم تصميم المسار من شمال فلسطين إلى جنوبها بحيث يعزز الهوية الفلسطينية، وبذات الوقت ليعزز المقاومة الفلسطينية، وتم التركيز فيه على إبراز الرواية الفلسطينية وحرف المسار عن أي تطبيع، أي بمعنى آخر قامت الوزارة بـ "تأميم" المسار، وكان الاعتقاد في ذلك الوقت أن الوزارة نجحت في إعطاء المسار الصبغة الوطنية، وأنها أعادت تشكيله، وأنها فصلته عن المشروع الأميركي الذي عرض عليها، إلى أن كشفت د. هبة جمال الدين عن حقيقة المسار بعد التطبيع الذي حصل من قبل الإمارات والبحرين مع دولة الكيان ونبهت الوزارة لخطورته، وأن هذا المشروع كبير جداً ولا يزال قائماً ويمتد ليشمل الوطن العربي.

أدرك المسؤولون الفلسطينيون في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أنه لا تزال هناك شوائب تحوم حول مسار إبراهيم الخليل، وأن الجهد المبذول منذ تأسيس المسار لإبعاده عن المشروع الأميركي التطبيعي، لا يزال بحاجة إلى عمل ومراقبة وجهود كبيرة لإزالة هذه الشوائب، فاتخذت الوزارة الإجراءات اللازمة بهدف الانفكاك التام عن المؤسسة الأميركية لمسار إبراهيم/ جامعة هارفارد.

بدأت الوزارة باتخاذ إجراءات عملية لتأميم المسار، حيث تم تأسيس لجنة علمية خاصة مكونة من أكاديميين وعاملين في حقل السياحة الفلسطينية، وضعت هذه اللجنة رؤية جديدة للمسار، كما وضعت أهدافاً واستراتيجية تنفيذية، وكانت حريصة على ألا تتصرف بردة فعل، وإنما بشكل عملي ومدروس ومنظم واستراتيجي، فقد غيّرت اسم المسار من مسار إبراهيم إلى مسار فلسطين التراثي، ولكي لا يكون التغيير شكليا فقط لاسم المسار، فقد تم وضع رؤية للمسار الجديد، اعتمدت بشكل أساسي أن هذا المسار هو معزز للهوية والرواية الفلسطينية، وبذات الوقت أن يكون عاملاً أساسياً يسهم في عملية التنمية الاقتصادية، وتم وضع الأهداف الأساسية والتي من ضمنها أن هذا المسار هو ثقافي بيئي، يربط ما بين جميع البيئات والفضاء الفلسطيني  سواء كان مدنيا أو قرويا أو صحراويا.

كما كان من ضمن الجهود المبذولة التواصل مع مؤسسة اتحاد مسار إبراهيم الخليل بشكل رسمي وقانوني،  حيث تمت الاستجابة من قبل المؤسسة (اتحاد مسار إبراهيم الخليل) ووجهت رسالة رسمية من المؤسسة إلى مجلس الإدارة العالمي لمسار إبراهيم/ جامعة هارفارد، تضمنت في طيها استقالة رئيس مجلس إدارة اتحاد مسار إبراهيم الخليل الفلسطيني من عضوية مجلس الإدارة لمسار إبراهيم العالمي في أميركا، والأهم الذي تضمنته هذه الرسالة أن الفلسطينيين انفكوا انفكاكاً كاملاً وتم قطع العلاقة مع مسار إبراهيم بشكل كامل بحيث لم تعد هناك أية علاقة تربطهم بمسار إبراهيم/ جامعة هارفارد.

وبالإضافة إلى تغيير اسم المسار إلى مسار فلسطين التراثي، فقد حذف ما كان يسمى اتحاد مسار إبراهيم الخليل كل ما هو موجود على صفحات التواصل الاجتماعي، وتمت إزالة المواقع من الفيسبوك واليوتيوب وغيرها سواء كانت منشورات أو فيديوهات أو أفلاما أو أي مواد علمية، كما فعلت ذات الشيء في الأوراق الرسمية، وتم تغيير الشعار، وقد تم الطلب من وزارة الداخلية تغيير الاسم والشعار وتعديل التسجيل.

وهنا وجب التنويه إلى أن الوزارة حافظت على ما تم إنجازه منذ تأسيس هذه المؤسسة الفلسطينية عام 2013 حتى 2020 إلى أن تمت إعادة مأسستها وهيكلتها مؤخراً، وأن هذه المؤسسة هي مؤسسة وطنية بامتياز تدافع عن الحق والتاريخ الفلسطيني، ولم تتعامل إطلاقاً مع هذا المشروع الخطير الموجود شكلياً في جميع أنحاء الوطن العربي، بل عملت على تطوير وتعزيز الدروب والمسارات البيئية والطبيعية التي تم إنجازها في فلسطين تنمية للسياحة الريفية والبيئية التي تخدم الرواية الفلسطينية وتحافظ على تراثنا وهويتنا وثقافتنا وتاريخنا، حيث ان هذه المسارات تعتبر السياحة البديلة والرديفة للسياحة الدينية في فلسطين، لأن هناك فئة كبيرة من المجتمع الفلسطيني تهتم وتتعامل مع السياحة البيئية والريفية، وهو تعزيز وتنمية السيحة الداخلية الفلسطينية.

لقد كانت الوزارة ومؤسسات المجتمع المدني العاملة في القطاع السياحي مدافعة دائماً عن الهوية والرواية الفلسطينية وعملت على إعادة رسم هذا المسار وقدمت العديد من الخدمات المجتمعية من خلال المؤسسات الفلسطينية، كترميم بيوت وتعبيد  طرق المسارات ودعم جمعيات ومؤسسات مجتمعية ومحلية ونسوية ومؤسسات عاملة في التراث الفلسطيني، وذلك من خلال الحصول على دعم مباشر من الوزارة  وبعض المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي.

ومن الجدير ذكره أن جميع الجهات الفلسطينية ذات الصلة بالموضوع تطوعت وأجمعت مع وزارة السياحة والآثار على ضرورة أن يكون هذا المشروع هو مشروع مقاومة بدلا من أن يكون مشروعا تطبيعيا.

أنهي قولي بأن ما يسمى مسار إبراهيم هو فكرة ابتدعتها الصهيونية وصدّقتها، وتريد إقناع العالم بها، وأنه لا يوجد هناك مسار لسيدنا إبراهيم يمكن تحديده على الأرض في أي من الدول العربية ولا في فلسطين، وإنما تم ابتداع هذه الفكرة بهدف السيطرة على الدول العربية وتطبيع العلاقة معها وإيجاد مبرر إنساني يسمح لليهود بالتنقل في جميع البلاد العربية والإقامة فيها، بحجة أن لهم حقا إنسانيا بصفتهم أبناء سيدنا إبراهيم، وأن هذه المسارات ليست ملكية لأحد  من قاطنيها، ما يؤدي بالنهاية إلى خدمة مشروع إسرائيل الكبرى.

ما قامت به وزارة السياحة والآثار الفلسطينية مؤخرا من إجراءات، يؤكد على فلسطينية وملكية كل شبر من أرض المسار في فلسطين، وعلى أن ملكيته تعود إلى أصحاب الحق في هذه الأرض وهم الفلسطينيون، على أمل أن تتدارك بقية الدول العربية وتقوم بإجراءات مماثلة لما قامت به وزارة السياحة والآثار الفلسطينية والمؤسسات الفلسطينية لفصل صلتها بالمسار الإبراهيمي المشبوه ذي الأبعاد السياسية الخطيرة الذي ابتدعته الصهيونية وأطلقته من خلال جامعة هارفارد.