تمكين المرأة اقتصاديًّا.. درع واق من الفقر والعنف ومدخل لتنمية مستدامة

95 % من المشاريع صاحباتها نساء تأثرت سلبيا.. و27٪ من الاعمال التي تملكها نساء توقفت خلال الجائحة

رام الله - الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- تتجلى القيمة الحقيقية للمبادرات والحلول عندما تأتي في وقتها، وتكون استجابة مباشرة وعملية لإيجاد حلول لأزمة قائمة، وليس من باب النظريات المجردة. وفي مجال التمكين الاقتصادي والاجتماعي تكون القابلية للتطبيق وتحقيق النتائج هي الفيصل، وحينما يتعلق الموضوع بالصمود الاقتصادي في مواجهة تداعيات جائحة كورونا والبحث عن مبادرات تعزز صمودنا جميعًا، تكون المبادرات والأفكار والمشاريع أكثر أهمية، لأننا نرتكز أولاً وأخيرًا على مقومات عاملنا الداخلي، ونراهن على قدرة أبناء شعبنا نساءً ورجالاً على اكتشاف طرق الدفاع على البقاء على قيد الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بكل قوة وبكل شموخ وبكل عطاء، ولسان حال الجميع يقول: نحن من يصنع الفرق في كل مجال، ونحن من يكتب شهادة الحياة والوفاة لكافة المواضيع حينما يتعلق الأمر بالصمود والبقاء.

رغم أن الجائحة والازمة الاقتصادية التي خلقتها على مستوى العالم ومنها الوضع الفلسطيني، الذي يعاني من تداعيات متنوعة ومتزامنة ومتلاحقة بسبب الاستهداف السياسي والاقتصادي وتجفيف منابع ومصادر الدعم، إلا أن هذه الجائحة خلقت تحديات مباشرة تتطلب حلولاً ومبادرات ذكية وشاملة على مستوى مركبات المجتمع، مبادرات تواجه التداعيات على المشاريع القائمة وأفكار لفتح باب التمكين لفرص جديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار الدور النسوي في بناء الخطط والاولويات، لأن الضرر وقع على الجميع، مع تداعيات أكثر حدة على القطاع النسوي، فوفق بيانات وزارة الاقتصاد فإن ما نسبته 95% من المشاريع صاحباتها نساء تأثرت أعمالهن بشكل سلبي، و42% من الشركات الصغيرة والمتوسطة انخفض الطلب على منتجاتها، إضافة إلى أن هناك 9% من الشركات لم تتمكن من الوصول الى المواد الخام، ومن المؤشرات الخطيرة أن 27% من الأعمال التي تملكها نساء تم اغلاقها، ويرتبط ذلك بكون 73% من النساء صاحبات الاعمال كن قادرات على الاستمرار بعملهن من شهر الى أربعة شهور فقط.

 

مبادرات النساء لخلق فرص عمل ذاتية بوابة صمود

المرأة الفلسطينية خلاقة ومبدعة وتتجلى إبداعاتها في الأزمات، ليس فقط في نطاق مساهمتها على مستوى المشاركات الرسمية ودورها الأسري التقليدي، بل فيما يولد من مبادرات تخلق الأمل وتصنع نموذجاً وقوة مثال تحفز الآخرين، ففي ظل الجائحة تعطلت قدرات الدول القوية بسبب توقف الاعمال والانشطة وتراجع ماكينة الانتاج وعجلة الاقتصاد، وبات السؤال كيف يكون تعزيز الصمود والبقاء الاقتصادي؟ وكيف يكون للتمكين واتاحة الفرصة لنساء وباقي مكونات المجتمع التعبير عن أفكارهم ومساهماتهم؟ وكيف لا تضيع الضرورات في ظل انشغال البعض في الحديث عن الاولويات التي فرضتها جائحة كورونا على الحياة اليومية للناس في مختلف المسارات؟

في هذا السياق يقول مسيف جميل مسيف/ باحث اقتصادي- معهد ماس " استنادًا إلى تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2010، يتألف التمكين الاقتصادي للمرأة من العديد من المفاهيم: الفرص الاقتصادية من خلال تعزيز روح المبادرة أو تحسين فرص الحصول على التمويل؛ الحالة القانونية وتحسين فرص الحصول على الملكية والميراث والحقوق في الأراضي، المشاركة في صنع القرار الاقتصادي، فالتمكين الاقتصادي للمرأة يعد مدخلاً للتخفيف من حدة الفقر والعنف الواقع عليها، لسبب رئيسي وهو أن اندماج المرأة في النشاط الاقتصادي وارتفاع نسبة مشاركتها في سوق العمل، يؤدي إلى تحقيق العديد من المكاسب الاقتصادية، منها الحصول على فرص التوظيف التي تؤمن لها مصدراً دائماً للدخل، كذلك تحقيق الاستثمار الأمثل للموارد".

وتابع مسيف: "يشكل موضوع تمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية واحدا من أهداف التنمية الاقتصادية في سائر الدول النامية. ولا شك أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين إسهام المرأة في البناء المجتمعي وتعزيز قدرتها من جانب، وبين النهوض والتطور الاقتصادي والتنموي من جانب آخر؛ فقد قدم تقرير البنك الدولي (2001) الذي حمل عنوان "جندرة التنمية من خلال المساواة في الحقوق والموارد والصوت" دليلاً قويًّا على أن إقصاء المرأة عن المشاركة الإنتاجية الملموسة اقتصاديًّا يضر بفاعلية ونجاعة السياسات الحكومية التنموية".

 

تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها اقتصادياً مدخل لتنمية مستدامة

ويتابع مسيف: "أكّدت التوصيات التي أثمرت عن المؤتمر العالمي للمرأة في بكين، أنه لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون مشاركة إيجابية وفعالة من المرأة في البناء الاقتصادي، ومن بين غايات التنمية في الألفية الثالثة التي تمّ الاتفاق عليها في إعلان الأمم المتحدة في (أيلول 2000)، تشجيع المرأة وتمكينها لاستئصال المشاكل الاقتصادية كالجوع والفقر المدقع. ومن هنا، فإن هذه المؤتمرات العالمية والتقارير الدولية تؤدي إلى استنتاج يتمحور في أن العلاقة بين جانبي المعادلة، من حيث التطور الاقتصادي وتمكين المرأة هي إيجابية، لكن إذا ما نظرنا إلى جانبي المعادلة (التطور الاقتصادي وتمكين المرأة) في الواقع الفلسطيني، نجد أن الجانبين يتميزان بالعديد من المشاكل والتدهور الهيكلي لهما. فعلى صعيد واقع الاقتصاد الفلسطيني؛ نجد أنه اقتصاد صغير نسبيًّا وضعيف في بنيته، وتابع في حركته للمؤثرات الخارجية، خصوصًا الإسرائيلية منها، ويعاني من إدارة ذاتية فيها القليل من الكفاءة والفعالية؛ فأزمة الاقتصاد الفلسطيني هي أزمة "مركبة" تبدأ أولاً وبشكل أساسي باستمرار الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وتمر بمزاجية المساعدات الدولية، وتنتهي بضعف كفاءة الإدارة الذاتية وفاعليتها".

ويؤكد مسيف "على صعيد التمكين الاقتصادي للمرأة الفلسطينية؛ نجد أنه يعاني من العديد من المعيقات؛ فقد شكّلت نسبة النساء داخل القوى العاملة حوالي 12% عبر السنوات السابقة إذ إنها تعتبر الأقل على مستوى دول الشرق الأوسط مقابل الرجال 67.6%، في حين شكلت البطالة للنساء من مجموع النساء أكثر من 80% خلال جائحة "كورونا" مقابل الرجال 50% في الضفة وغزة. كما تركز النشاط الاقتصادي للمرأة الفلسطينية في قطاع الخدمات والزراعة، فالمرأة الفلسطينية تفتقد التوازن من حيث توزيعها على مجمل القطاعات الاقتصادية، وحضورها في القطاعات الاقتصادية الأخرى (غير الخدمات والزراعة) شبه معدوم. كذلك بالنسبة للأسر التي ترأسها النساء؛ شكلت 9.55% من مجموع الأسر الفلسطينية، إضافة إلى أن فجوة الأجور بين المرأة والرجل ما زالت كبيرة، حيث بلغ معدل الأجرة اليومية للنساء 67.9 شيقل، وللرجال 79.8 شيقل لعام ما قبل الجائحة وبالتأكيد هذه النسب اختلفت بشكل كبير ما بعد الجائحة".

 

بناء سياسات لردم الفجوة الجندرية.. ضرورة اقتصادية

ويوضح مسيف "كل هذه المؤشرات الاقتصادية تدل على أن هنالك فجوة اقتصادية كبيرة بين المرأة والرجل على الصعيد الاقتصادي، ما يؤكد ضرورة أن عملية التمكين الاقتصادي للمرأة الفلسطينية تتطلب منّا جهودًا حثيثة تتمحور في فحص سياساتنا الوطنية والقطاعية حتى ننشئ سياسات تسعى لردم فجوات التمييز القائمة في كل قطاع، لضمان  استثمار أمثل لرأس المال البشري الفلسطيني الذي يعتبر الثروة الاقتصادية الحقيقية والوحيدة ضمن معطيات البيئة الاقتصادية في فلسطين. فالمرأة الفلسطينية جزء لا يتجزأ ممن يتحملون تبعات الواقع الاقتصادي المرير الذي يعاني منه أطياف الشعب الفلسطيني كافة، وربما يكون هم المرأة أكثر من الرجل في تحمل الكثير من الأعباء الاجتماعية الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية المتردية؛ نظرًا لأن قربها من الأسرة أكثر من الرجل، وهذا يجعلها أقرب إلى هم كل فرد من أفراد الأسرة، من حيث الانشغال المتزايد لإنجاز متطلبات الأسرة واحتياجاتها (التعليمية، الغذائية، الصحية، النفسية مثلاً)، وعادة يعطي الرجل زوجته مصروف البيت وتكون المرأة مسؤولة عن تدبير الغذاء والملبس والكثير من احتياجات الأسرة".  "وإذا تحدثنا حول المشاركة الاقتصادية للمرأة بهدف رفع دخل الأسرة (وهذا بحد ذاته ضروري جداً)؛ لأنه ضمن الواقع الاقتصادي الحالي، فإن عمل الرجل وحده غالبًا لا يمكن أن يحقق التوازن بين دخله ومتطلبات أسرته الكاملة، ناهيك عن الحاجة الماسة لمساهمة المرأة في البناء الاقتصادي كثروة بشرية فلسطينية، لكن للأسف ضمن هذا الواقع نجد أن هناك العديد من العراقيل والعقبات الاجتماعية والثقافية، التي تحول دون مشاركة المرأة الاقتصادية بالشكل المطلوب، وهذا بحد ذاته يدلل على أن وضع النساء في فلسطين يتسم بنوع من التناقض؛ فمن ناحية ترتفع مستويات الالتحاق بالتعليم بين النساء، ومن ناحية أخرى ما زالت مشاركة المرأة متدنية في سوق العمل الرسمي، وما زالت قيمة مشاركة المرأة منقوصة في سوق العمل غير الرسمي، وخصوصًا الزراعة" يقول مسيف .

 

"الحماية الموجهة" لمساندة الفئات الضعيفة اولوية لمواجهة "كورونا"

ويشير مسيف إلى "أن توفير نظام حماية اجتماعية شامل من شأنه أن يقلل التبعات الاقتصادية والاجتماعية للكورونا على كافة الفئات المهمشة بما فيها النساء، حيث تأثرت النساء في فترة الإغلاق الشامل شأنها شأن جميع العاملين لكن العودة للعمل جزئيًّا كانت صعبة بالنسبة للأمهات العاملات كون الحضانات مغلقة واجتماعيا تعد رعاية الاطفال مسؤولية الأم، من ناحية أخرى فإن طبيعة الأعمال التي تقوم بها النساء مثل قطاع الحضانات على سبيل المثال تأثر بشكل كبير من أزمة كورونا وأغلق في المراحل الأولى من الجائحة ما أدى لتوقف عدد من النساء عن العمل.

في سياق متصل كذلك شهد المجتمع الفلسطيني  تزايدًا في حالات العنف الأسري نتيجة الضغوطات الاقتصادية التي كانت النساء ضحيتها وهذا أثر بشكل سلبي على الحالة النفسية للمرأة في المجتمع بشكل عام، وأدى الى مزيد من المشاكل الاجتماعية التي يصعب حصرها ورصدها وبالتالي تكون النتيجة انعكاسات سلبية على عمل المرأة والحد من دورها في المجتمع والأسرة والتربية". وحول برنامج التمكين الاقتصادي المطلوب بهدف تمكين المرأة اقتصاديا وبشكل يساعدها على مواجهة الازمات الحالية وفي المستقبل يؤكد مسيف "المطلوب أولاً التركيز على تنظيم قطاع المشاريع الصغيرة عموماً الذي تنخرط فيه معظم النساء، وهذا يتطلب العمل على توحيد الجهود المبعثرة التي تهدر في إنشاء مشاريع متشابهة وإغراق السوق الفلسطيني بنفس المنتجات دون حتى العمل على تطويرها لتصبح قادرة على المنافسة، وتحقيق ذلك يتطلب توفير بيئة قانونية تشجع على قيام النساء بتأسيس مشاريعهن الخاصة من خلال حزمة من التسهيلات مثل الإعفاء الضريبي وحتى الإعفاء الجمركي لبعض المعدات التي يتم استيرادها من الخارج، إضافة الى توفير المنح المشروطة بدلاً من القروض التي تثقل كاهل المرأة وتزج بها في بعض الأحيان في السجن، نتيجة عدم القدرة على السداد، وهذا يتطلب تدخلاً من القطاع الخاص إلى جانب ما تقوم به المؤسسات التي تدعم المشاريع الريادية للمرأة عمومًا، كما من الضروري إحياء التعاونيات بما يضمن توفير دخل مرض ومنصف للمرأة العاملة، وهذا أيضًا مرتبط بتوفير البيئة القانونية الملائمة وكذلك العمل على فتح الأسواق الخارجية". 

وحول أبرز الحلول الاقتصادية التي قد تساعد على تمكين المرأة اقتصاديا خلال الجائحة، يؤكد مسيف" من الضروري جدا متابعة قضايا الفصل التعسفي التي تمت في مؤسسات القطاع الخاص وتعويض الموظفات اللواتي تعرضن للفصل ماديًّا عن فترة الفصل وكذلك العمل على إعادتهن خاصة الموظفات في البنوك وشركات التأمين، اللواتي تمّ إجبارهن على الاستقالة وفي الحقيقة كان عبارة عن فصل تعسفي، مع  العمل على تنظيم عمل النساء والحد من استغلالهن للعمل في قطاع العمل غير المنظم من خلال متابعة إبرام عقود معهن تحفظ حقوقهن وفق ما نص عليه قانون العمل الفلسطيني، وعدم استغلال أية ظروف سواء كانت سياسية أو غير سياسية".

 

ثمن اجراءات التقشف الاقتصادي والفصل التعسفي من العمل تجاه النساء

أسئلة صعبة والإجابة عليها عمليا تتطلب تضافر كافة الجهود، سواء لتعزيز محركات الانتاج القائمة وإعانتها على مواجهة الاضرار التي لحقت بها خلال الفترة الماضية بسبب تداعيات الأزمة المستمرة ومخاطرها، والأهم من ذلك أيضا البحث عن عناصر الدعم الكامنة في القدرات غير المستثمرة وفق توزيعها الجغرافي على امتداد المدن والتجمعات الفلسطينية، وفي مقدمة ذلك إطلاق العنان لمبادرات جديدة عبر بوابة تمكين النساء، وتمكين القدرات الشعبية التي يمكن لها الاستفادة من طبيعتها وارتباطها المباشر مع قدرات واحتياجات التجمعات ومن ثم التوسع والمساهمة على نطاقات اوسع.

في سؤال تم توجيهه لوزارة العمل حول البرامج التي اعتمدتها الوزارة وقد تساعد على التمكين الاقتصادي للمرأة بشكل عام وخلال جائحة كورونا بشكل خاص، تقول لما عواد/ رئيس وحدة النوع الاجتماعي في الوزارة: "استناداً إلى مرسوم السيد الرئيس بإعلان حالة الطوارئ في فلسطين لمواجهة فايروس كورونا، وما تبع ذلك من قرارات حكومية، فقد قامت وزارة العمل خلال هذه الفترة بالعمل بشكل مكثّف للحد من الآثار الاقتصادية الناتجة عن حالة الطوارئ، من خلال إصدار عدة قرارات تتعلق بقطاع العمل، وفي مقدمتها قرار تنظيم دوام الأمهات العاملات في القطاع الخاص، أسوة بقرار دوام الأمهات في القطاع العام، الذي يسمح للأمهات العاملات ممن لديهنّ أطفال دون سن 11 سنة بالتغيب عن العمل بالتنسيق مع صاحب العمل دون المساس بحقوقهن، وإصدار قرار  بإغلاق مراكز التدريب المهني الحكومية والخاصة، حفاظًا على سلامة وصحة كل من المدربين/ات والمتدربين/ات والطواقم الإدارية، كما قمنا بتعميم أرقام هواتف موظفين من الوزارة لتلقي الشكاوى والاستفسارات من مختلف المحافظات على مدار الساعة،  وتشكيل اللجنة الاشرافية العليا واللجنة الفنية المشتركة (وزارة العمل والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين) لإدارة برنامج المساعدات الطارئة للعمال والعاملات العاملين في القطاعات الأكثر تضرراً في السوق المحلية خلال فترة الطوارئ، الى جانب قرار بتشكيل اللجنة العليا لحل ومتابعة الشكاوى المتعلقة بالعمال وأصحاب العمل  القضايا المترتبة على والوباء في سوق العمل".

وتضيف عواد: "في ضوء استمرار حالة الطوارئ الناتجة عن انتشار فايروس كورونا، وما رافقها من إجراءات تمثلت في إغلاق المحافظات ووقف معظم الأنشطة الاقتصادية، وما سببه ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد، وتحديدًا في سوق العمل الذي يعاني أصلاً من تحديات كبيرة أهمها ارتفاع نسب البطالة، فقد سارعت وزارة العمل لوضع خطة استجابة طارئة للحد من الآثار الناتجة عن استمرار الوباء وفرض حالة الطوارئ، آخذة بعين الاعتبار تعرض عشرات الآلاف من العمال والعاملات في السوق المحلي، خاصة عمال المياومة والعاملين في الأنشطة الضعيفة والمتوقفة إضافة إلى مئات المنشآت والأعمال المهددة بالتوقف الكلي أو الجزئي، حيث أظهرت  مؤشرات واقع سوق العمل والمنشآت الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء أن ما نسبته 96% من المنشآت هي صغيرة وبالغة الصغر (تشغل أقل من 10 عمال)، فيما بلغ عدد الأفراد داخل القوى العاملة 15 سنة فأكثر حوالي 1.357.000، وبلغ عدد العاطلين عن العمل حوالي 344 ألف بمعدل 25%، كما قدر عدد العاملين في القطاعات غير المنظمة 320600 ألف،  منهم 288400 ذكور  و32200 من الإناث".

 

الاضرار العامة للجائحة اشد وقعًا على الانشطة والفئات الهشة اقتصاديًّا

وحول أبرز التداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تنعكس على النساء اللواتي فقدن أعمالهن خلال الجائحة، حيث إن 27% من الاعمال التي تملكها نساء أغلقت بسبب الجائحة، توضح عواد  "حتى اليوم تجاوزت الفترة الزمنية لانتشار الفيروس كل السيناريوهات المتوقعة، ولا يُعرف على وجه الدقة متى العودة إلى الحياة الطبيعية، ورغم عودة بعض الأنشطة الاقتصادية إلى العمل، إلا أن آثار كورونا ستؤثر بشكل كبير على معظم الأنشطة الاقتصادية، ووفق البيانات المتوفرة للوزارة من مصادر متعددة، فإنّ أنشطة التعليم الخاص (رياض الأطفال والمدارس الخاصة)، نجد أن ما يزيد على 80% منها هي مؤسسات متضررة ولم تتمكن من الالتزام بدفع رواتب موظفيها وموظفاتها بسبب أزماتها المالية الناتجة عن عدم قدرتها على استيفاء الرسوم والأقساط المدرسية خلال الأشهر من شباط وحتى أيار، مع العلم أن عدد المدارس الخاصة 434 مدرسة والروضات 1783 روضة، وبلغ عدد العاملين فيها ما يقارب 17 ألف عامل، وفي قطاع الخدمات والسياحة كانت نسبة المنشآت النشطة فقط 5%، مع التأكيد أن قطاع السياحة كان من أكثر القطاعات تضررًا، حيث يعمل في هذا القطاع 13 ألف عامل (يعملون لحسابهم او لدى الاسرة) إضافة الى 21 الف عامل (يعملون بأجر)، حاليًّا ممكن القول: إن 75% من العمال  والعاملات في قطاعات مختلفة فقدوا عوائدهم المالية بشكل كلي أو جزئي خلال شهري آذار ونيسان، بشكل عام فإن هناك ارتفاعًا كبيرًا في مستويات البطالة وزيادة عدد العاطلين والعاملات عن العمل خلال جائحة كورونا وكنتيجة لها".

 

المشاريع النسوية الصغيرة مبادرات تتطلب دعمًا المتابعة

في هذا المجال تتوافق والمعطيات والمعلومات التي أشارت لها وزارة الاقتصاد أن أغلبية أنشطة النساء تتركز في القطاع الزراعي والانتاج الغذائي، والقطاع الحرفي، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضًا ان قوة العمل الفلسطينية لم تستثمر بعد كافة الامكانات التي يمكن توفيرها من زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، خاصة وان نسبة المشاركة لم تتجاوز 21% وفق احدث البيانات، ما يعني أن هناك مخزونًا كبيرًا قد يشكل إضافة للاقتصاد في حال تم تمكينه من الانخراط والمساهمة في مشاريع وفرص عمل جديدة.

وفي هذا الصدد تقول عبير عمران/ رئيس وحدة النوع الاجتماعي في وزارة الاقتصاد الوطني: "تتركز أعمال النساء في قطاعات الزراعة والانتاج الغذائي، والقطاع الحرفي، إذ تبلغ نسبة مشاركة  النساء في القوى العاملة 21% من مجمل النساء في سن العمل لعام 2018، وخلال الجائحة  تأثر ما نسبته 95% من المشاريع صاحباتها نساء بشكل سلبي، كما انخفض الطلب على منتجات 42% من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تملكها نساء، اضافة الى أن 9% من هذه الشركات لم تتمكن من الوصول الى المواد الخام، و73% من صاحبات الاعمال كن قادرات على الاستمرار بعملهن من شهر الى أربعة شهور فقط، كما كان من تداعيات الجائحة السلبية أن 27% من الاعمال التي تملكها نساء تم اغلاقها، وأخيرا 207 من النساء صاحبات الأعمال سجلن في السجل التجاري لدى وزارة الاقتصاد الوطني لعام 2019". لا تملك المشاريع النسوية الصغيرة والمنزلية عصا سحرية لتغيير أحوال الأسر بين عشية وضحاها، لكنها استراتيجية مهمة للاعتماد على الذات، إنها أداة متاحة بين اليدين لاستخدامها رغم تواضعها في البدايات لكنها تمثل اليد العليا بديلاً ليد المساعدات أو الصدقات مهما كانت ومهما كان مصدرها، وفتح المجالات لخلق فرص التشغيل الذاتي للنساء والتمكين الاقتصادي للمرأة يعد مدخلاً للتخفيف من حده الفقر والعنف الواقع عليها اجتماعيًّا بدمج المرأة في النشاط الاقتصادي وارتفاع نسبة مشاركتها في سوق العمل يؤدى الي تحقيق مكاسب اقتصادية منها الحصول على فرص تؤمن لها مصدر دخل دائم والوصول الى النمو الاقتصادي يؤدي الى تحسين الوضع الاجتماعي الواقع عليها.

في هذا السياق تقول عمران: "كان من ضمن تدخلات وزارة الاقتصاد خلال فترة الاغلاق بسبب الجائحة إطلاق مبادرة صندوق التضامن التكاملية، بقيمة 50 ألف دولار كندي، من ضمن نشاطات مشروع GROW، بهدف شراء المنتجات النسوية لعدم قدرتهن على تسويقها خلال فترة الاغلاق بسبب الجائحة، وحماية المنتجات من التلف، وتحقيق دخل لصاحبات المنتجات، بالاضافة الى شراء مدخلات الانتاج لصاحبات المنتجات اللواتي لم يستطعن شراء المواد الخام في ظل الجائحة لمساعدتهن على استمرار أعمالهن، إضافة إلى العمل على أربعة مشاريع ممولة من الحكومة الكندية بقيمة 38 مليون دولار كندي لدعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، في ظل الجائحة مع الاستجابة للمتغيرات التي ظهرت بسبب الاغلاق، وافتتاح مشروع "خيطان" في المنطقة الصناعية في جنين، الذي بدوره سيخلق فرص عمل في قطاع النسيج، وغيرها من المبادرات والدعم والتمكين من كافة الشركاء، هذه خطوات مهمة تستنهض طاقاتنا كمجتمع لنكون منتجين ومستهلكين أولاً لما يصنع بأيدينا، لان المنتج الوطني أولاً ودعم مشاريع العمل النسوي ثانيا، ضرورة ليكون التمكين انتاجيًّا وليس مجرد عناوين على الورق".

 

خروج النساء من سوق العمل زيادة لمعدلات الفقر ومعدلات البطالة

هناك الكثير من الآثار التي ستترتب على فقدان النساء لأعمالهن خاصة ممن يمتلكن مشاريع صغيرة، وايضًا العاملات بشكل جزئي أو غير رسمي كبائعات في المحلات التجارية أو في المطاعم والكافيهات وغيرها من هذا النوع من الأعمال، حيث تكون معرضة لفقدان وظيفتها في أية لحظة لأسباب تتعلق بإغلاق المنشأة أو عدم قدرتها على توفير ميزانيات تتعلق باستمرارية العمل ودفع رواتب للعاملين فيها، ما هو المطلوب لدعم هؤلاء النساء خلال الأزمات خاصة اذا كانت مسؤولة عن إعالة نفسها أو أسرتها، وتفتقد لاي معيل . في هذا الجانب قال أشرف حمدان/ خبير في قضايا النوع الاجتماعي واحصاءات الجندر: "لا بد أن هناك تداعيات للجائحة على المشاريع الصغيرة التي تملكها النساء، وظهر ذلك بشكل واضح وجلي في أن 27% من المشاريع الصغيرة التي تملكها النساء أغلقت ما يعني انقطاع المصدر الرئيسي للأسرة في اعالتها وخاصة في حال أن هذه المشاريع تملكها وتديرها نساء، كما انعكست آثار اغلاق المشاريع على نسبة المشاركة للنساء في قوة العمل لتصل الى 15.4% لعام 2020 مقارنة مع 17.6% في الربع الثاني من عام 2019، وانعكاس تأثيرها اقتصاديا على الأسرة بالكامل تمثل بانخفاض نسبة المشاركة في قوة العمل وارتفاع نسبة الفقر، حيث تصبح الأسرة غير قادرة على توفير أدنى احتياجاتها، إضافة الى الآثار الاجتماعية للإغلاق والتوقف عن العمل لهذه المشاريع التي تمثلت بازدياد المشاكل الاسرية والعنف في داخل الأسرة بين افراد الاسرة والمرأة بشكل رئيسي، كما صحبه مشاكل مجتمعية تتمثل بارتفاع في وتيرة السرقات وارتفاع في حالات القتل نتيجة لعدم وجود مصادر للدخل على مستوى الاسرة كاملة، ومن جهة أخرى في حال كانت المرأة تعمل لدى المحلات أو الكافيهات أو محلات بيع الملابس او اية منشأة اخرى وفقدت عملها ستقع عليها الآثار نفسها وخاصة فقدانها للدخل ما سيؤثر بشكل كبير على دخل الاسرة بالكامل وخاصة ان هذا الدخل الشهري يساهم في تعليم اخوانها واخواتها او يساعد في سداد اقساط الاسرة او حتى توفير الاحتياجات الاساسية لهذا فإن آثار فقدان العمل لن ينعكس على الاناث فقط وانما على كافة أفراد الاسرة".

 

تنويع ودعم المشاريع النسوية عملية مستمرة

وحول المطلوب لدعم النساء خلال الازمات يقول حمدان: "اذا كانت المرأة تملك مشروعًا خاصًّا واضطرت لإغلاقه لظروف خاصة وترغب بالاستمرار، فالمطلوب هو وجود مؤسسات مالية تقدم المساعدة للنساء بشروط ميسرة تقدم قروضًا لها تساعدها ماليًّا وفنيًّا، ويمكن للنساء اللواتي يعملن لدى المحلات او الكافيهات وفقدن عملهن أن يتوجهن لطلب المساعدة من وزارة التنمية الاجتماعية للحصول على المساعدات المالية لاعالتهن وأسرهن بمساعدة مستمرة وبشكل شهري بشرط ان تكون المساعدات مستمرة لفترة طويلة، فعلى سبيل المثال صاحبات الحضانات والعاملات كن من أكثر المتضررات في الاغلاقات خلال فترة الجائحة وبالتالي توجهن للتنمية الاجتماعية للحصول على مساعدات وتم تقديم مساعدات مالية بقيم مالية قليلة لفترة محدودة اي مساعدات اغاثية، المطلوب مساعدات مالية لفترة طويلة تضمن لهم الحياة الكريمة، ولو كان لدينا مؤسسات للضمان الاجتماعي لكانت ساعدت النساء على إعالة أنفسهن واعالة اسرهن دون الحاجة لطلب مساعدة من اي مؤسسة".