تطبيق الـ "TikTok".. ما خفي أعظم!!

  • عبير البرغوثي

تنتشر على الشبكة العالمية مئات وربما آلاف التطبيقات تحت عنوان التواصل الاجتماعي من قبل مطورين أفراد وما تلبث أن تتحول لمنتجات تمتلكها وتحركها وتديرها عمالقة الشركات العالمية، ومع اتساع رقعة استخدام تلك التطبيقات وانخراط آلاف المستخدمين بها، ما تلبث أن تتحول تلك التطبيقات الى ساحة للشد والجذب بين المتنافسين على الاستحواذ عليها، والأمثلة على هذه الصراعات كثيرة بين المنتجين والطامعين من أفراد وشركات وحتى دول.

 الحروب التجارية ليست بالجديدة فالتاريخ مليء بالشواهد، وقصص الاستحواذ والتملك ووضع اليد على أفكار وابتكارات انطلق بها أفراد لتصبح من ممتلكات شركات عملاقة، واللافت للانتباه خلال طفرة وثورة تقنية المعلومات وما صاحبها من انتشار واتساع لاستخدام منصات وشبكات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية بشكل عام، ازدحامها بتطبيقات تخاطب الفرد وتفتح أبوابها بكل سهولة لانخراط الأطفال والمراهقين تحت عنوان التواصل أو مشاركة اللحظات اليومية بمقاطع وفيديوهات، البعض يصنفها طريفة، والآخر يراها مجرد لقطات للترفيه الى آخره من  النماذج، لكنها في كل الاحوال منصات تخترق عقول الأطفال قبل أن تجمع بياناتهم الشخصية وتنتهك أصغر دوائر خصوصية الأفراد والأسر والمجتمع في نهاية المطاف.

مراجعة هذا الموضوع على درجة عالية من الأهمية الوطنية للمجتمع الفلسطيني في مرحلة تنهمر فيها المخاطر علينا من كافة الاتجاهات، لأن أمن وسلامة المعلومات الشخصية والاحتمالات العالية بانتهاك خصوصية الأفراد والمستخدمين، تعتبر نقطة جوهرية مهمة عند دراستها ومقارنتها بقوانين حماية البيانات الخاصة وسرية البيانات الفردية والأمن الوطني للبيانات باعتبارها أصولا وطنية ينبغي حمايتها وتجريم من يستخدمها بما يخالف "قانون البيانات"، وهذه نقطة مهمة للجهات المعنية بموضوع حداثة وشمولية قانون البيانات في فلسطين للتحقق من منظومة القوانين والتشريعات الخاصة، ومن هو صاحب البيانات التي يتم تداولها عبر الاجهزة والتطبيقات الذكية، فهل هي شركات تقديم خدمات الاتصالات، ام الشخص المستخدم، أم الشركة المنتجة للجهاز الذكي، أم الجهة التي يتم حفظ البيانات فيها، أم أن البيانات هي ملكية وطنية خالصة لا يسمح لأي جهة غير فلسطينية بامتلاكها أو التصرف بها؟ هذه أسئلة نترك لذوي الاختصاص البحث والاجابة عليها واتخاذ الإجراءات التي تعزز أمن وسلامة البيانات على كافة مستوياتها في ظل ما يشهده العالم من ثورة في البيانات وطرق بثها وطرق اتاحتها وحفظها وكذلك فرص قرصنتها واستخدامها لأغراض قد تخالف القوانين والأنظمة المعمول بها.

الجانب الأكثر أهمية أيضا، الذي نتناوله من خلال هذا المقال يتعلق بالمحتوى الذي تتيحه تلك التطبيقات ومنها على سبيل المثال تطبيق الـ "TikTok"، والعديد من النماذج والأمثلة الأخرى التي باتت في متناول كافة مكونات المجتمع، تطبيقات تزدحم بالمحتوى بالغ الخطورة على كافة الأجيال لا سيما الأطفال، محتوى يؤسس لأجيال قد تتبع التقليد لغيرها في تصرفات وسلوكيات مخالفة لقيم المجتمع الفلسطيني، سلوك قد يتأثر بمظاهر غير أخلاقية، ونماذج من العنف أو الإيذاء المقصود وغير المقصود للمجتمع، الى جانب تنامي ظاهرة الإدمان على التطبيقات على حساب قيم العمل والتواصل والتفاعل الايجابي مع الاسرة والمجتمع، ليحل مكانها المتابعة والتقليد الأعمى للمشاهير على هذه التطبيقات في السلوك والمظهر والعادات وغيرها، خاصة في ظل انبهار الأطفال بما يرون على تطبيق مثل الـ ""Tiktok لفيديوهات مددها الزمنية قصيرة لا تتعدى الـ 15 ثانية، انها ثقافة يحركها الطمع التجاري لتطبيق يطلق العنان لكافة أنواع المقاطع المصورة بهدف زيادة عدد المستخدمين وتحقيق الارباح والعوائد بغض النظر عن المحتوى ومدى مناسبته للأعمار أو ثقافات الشعوب ودون اكتراث للثمن الذي قد تدفعه الاسرة والمجتمع بسبب الآثار السلبية التي يتركها المحتوى السيئ والمنافي للقيم والاصول والاديان، لأن ترك البوابة مشرعة لكافة أنواع المقاطع يعني انفلاتًا وتصريحًا مفتوحًا لعرض ما يخل بالآداب العامة ويتعارض مع الثقافة التي تسعى الاسرة لبناء أبنائها عليها، ولذلك ما تبنيه الأسر في أعوام تهدمه هذه التطبيقات في لحظات.

لا شك ان تطبيق الـ "TikTok" وغيره من عشرات التطبيقات المنتشرة على الشبكة العالمية وتحت عنوان شبكات التواصل الاجتماعي، تقرع ناقوس خطر، لأنها لا تؤثر فقط في الاجيال الحالية، وانما تشكل محتوى الاطفال وما سيكونون عليه في المستقبل، تحديًا خطيرًا يواجه مدى جودة الانسان الذي نسعى لأن يكون قيادتنا في المستقبل، لان أطفال اليوم هم مجتمع المستقبل، واذا تركوا لتغزوهم المحتويات الفاسدة من بعض التطبيقات، فكيف سيكونوا في المستقبل؟ وكيف ستكون حياة مجتمعنا في قادم الايام؟

تحد مهم ومسؤولية مشتركة لكافة مكونات المجتمع الفلسطيني، من الأسرة في متابعة شؤون أبنائها، ومشاركتهم فيما يشاهدون وفيما يتابعون، وهذه نقطة لا تتعلق بالتجسس على الأبناء أو انتهاك خصوصياتهم كما يصفها البعض، لكنها ثقافة عنوانها لا يوجد بين الآباء والأبناء أسرار،  ومتابعة التطبيقات وتوفير الاجهزة للاطفال يجب ان يكون بمتابعة واشراف من الاهل، وليس من باب إشغال الاطفال وإبعادهم ليقعوا في مستنقعات كان يمكن تداركها لو كان الاهل والابناء أصدقاء.

وهي تحد أيضًا للمؤسسات المعنية بالمتابعة والتقييم والترخيص وفتح المجال والفضاء الفلسطيني لحركة وتنقل هذه التطبيقات، مهمة على درجة عالية من الاهتمام، كيف نضع معايير قبول او رفض المحتوى، وكيف نضع معايير منح وسحب الترخيص لأي تطبيق؟ وفي مقدمة ذلك كيف نقوم بالتوعية والتعريف وخلق ثقافة ايجابية وملتزمة، ثقافة تحارب سقوط المحتوى، وتحارب التقليد الاعمى، وتحارب ان نتحول لمجرد وقود لتحريك التطبيقات دونما عائد، جهود مشتركة على مستوى المؤسسات التعليمية والثقافة والاتصالات لنكون مستخدمين ايجابيين للخدمات التي تتيحها ثورة التطبيقات وشبكات التواصل دون إضرار بقيمنا ونسيجنا المجتمعي، ويراعي خصوصية هويتنا الفكرية والثقافية ونحن نعيش مرحلة في غاية الخطورة في ظل استمرار الاحتلال.