الحاج منصور "طابو كفر الديك".. قرن ونيف من العمر

سلفيت- الحياة الجديدة- جمال عبد الحفيظ- محاطا بأبنائه الخمسة وأحفاده المئتين، اعتاد الحاج منصور علي أحمد من بلدة كفر الديك غرب محافظة سلفيت أن يروي أمامهم بشغف يملأ وجهه، وذاكرة مكدَّسة بالحكايات الشعبية ونبرة صادقة، حكايات من تاريخ فلسطين والعالم بذاكرة متقدة ملمة بكل التفاصيل رغم أنه عاش قرنًا من الزمان وزاد، يحكي قصصًا عمرها أكثر من عشرة عقود كشاهد حي على تاريخ وطن وذاكرة تزخر بالقصص التي لا تذكرها حتى كتب التاريخ من سياق الأحداث التي عاشها ويذكرها، كونه أحد أكبر المعمرين الفلسطينيين.
تجاعيد وجهه تحمل كل منها قصة وحكاية، تفاصيلها تروي تاريخ فلسطين الطويل الذي تعاقبت عليه احتلالات وحروب رسمت ملامح الواقع الراهن الذي يعيشه الفلسطينيون، كيف لا وهو شاهد حي على أربع حقبات عاشها الفلسطينيون بدءًا من حكم الإمبراطورية العثمانية مرورًا بالانتداب البريطاني والحكم الأردني الذي تلاه الاحتلال الإسرائيلي.
مئة وستة أعوام، هي عمر الحاج منصور أظهرت على وجهه علامات السنين، وخطوط الزمن تركت في ملامحه أثرًا، إلا أنه يمتلك همة عالية وعشقًا كبيرًا لأرضه لا يتخيل نفسه بعيدًا عنها وعن زيتونها، ما زال يعمل وكأنه سيعيش أبدًا. هذه الأعوام المئة والستة أهلت الحاج منصور ليصبح طابو بلدته كفر الديك يساهم في حل العديد من النزاعات بين أبناء بلدته على حدود الاراضي ومساحاتها وحدودها.
يعود الحاج منصور في سياق حديثه لـ"الحياة الجديدة" بذاكرته إلى نشأته الأولى حيث ولد في قرية كفر الديك وترعرع فيها، وأنهى فيها ما يعادل بتسميات اليوم الصف الثالث الابتدائي، ثم بدأ العمل مع والده في أرضه الزراعية التي ورثها عنه بعد ذلك، حينها بدأت تتشكل الحروف الأولى لقصة عشقه للأرض التي رضع حبها باكرًا، لم تعرف يداه سوى خشونة الأرض التي تمده بالخير كلما ضرب فيها فأسه للزراعة، وهذه المهنة التي تعلَّمها منذ نعومة أظفاره، حيث كانت الزراعة في ذلك الوقت مصدر دخل لمعظم الأسر الفلسطينية. ثم عمل مزارعاً في منطقة رأس العين يزرع القمح والخضراوات وغيرها بأجر يومي. 
بين الماضي والحاضر
يستذكر الحاج منصور طبيعة الحياة القديمة والعمل بالزراعة، وتعاون الأهالي والتكاتف بينهم خلال فترة قطف المحاصيل الزراعية، من خلال ما كان يعرف بـ "العونة".
يقول الحاج منصور: "لم يخل بيت في كفر الديك وفي معظم قرى فلسطين من الطابون البلدي، الذي تعتمد عليه الأسرة لإنتاج الخبز والطبخ الصحي، بعيدًا عن أكل اليوم المشبع بالمواد الحافظة والكيماويات الضارة التي باتت سببًا في انتشار الأمراض الفتاكة والمزمنة، حسب ما يرى الحاج منصور.
ومن المقارنات التي عقدها الحاج منصور بين حياة الماضي والحاضر، الترابط الاجتماعي والعائلي والأسرى بين أهالي البلدة والمشاركة في الأفراح والأتراح وبساطة العيش والاهتمام بالأرض والإنتاج الذاتي، كله هذا تراجع لصالح الحياة العصرية والوظيفة وتعقيدات الحياة، على النقيض منه في الوقت الحالي الذي أصبح الأخ لا يشعر بحال أخيه أو جاره، قائلًا: "الحياة في الماضي أفضل وأجمل بكثير من الحاضر، الأمان وراحة البال تعم في القرية، ما أجمل أيام الزيتون والحصيدة واللمة بين الناس والود والمحبة بينهم".
طابو كفر الديك
الحاج منصور أكبر معمر في بلدة كفر الديك، وما زال يحتفظ بذاكرة قوية ملمة بمعظم التفاصيل، وكثيرًا ما يلجأ إليه أهالي قريته لحل النزاعات والمشاكل على حدود الأراضي، حتى سمي "طابو كفر الديك".
ما زالت ذاكرة المعمّر الحاج منصور علي أحمد وصحته بحالة جيدة، وهو يعتقد أن ذلك توفيق من الله تعالى، وبفضل المجهود الجسماني الدائم الذي يبذله في أرضه وبين زيتوناته واعتماده نظامًا غذائيًّا صحيًّا ومنتظمًا.