العودة إلى المدارس بين الضرورة والحذر!

عبير البرغوثي

خلال الأيام القليلة القادمة يبدأ العام الدراسي الجديد، ما يزيد على مليون طالب وطالبة يتوجهون لنحو 3 آلاف مدرسة لتعود الحياة لعشرات آلاف الشُعب الصفية وفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن قطاع التعليم في الأراضي الفلسطينية، عام جديد يأتي بعد عام سابق كنا قد أغلقناه في ظل أعداد محدودة من الإصابات حينما تفشت جائحة كورونا على امتداد دول العالم ومنها دولة فلسطين، لكن العام الجديد يأتي في ظل مؤشرات أصعب مما كانت عليه الأمور قبل أشهر من الآن، فمع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في مختلف المحافظات الفلسطينية خلال الأسابيع الأخيرة، يتساءل أولياء الأمورعما إذا كانت عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة آمنة وممكنة وضمن اجراءات تحافظ على سلامة الأطفال قبل وخلال وبعد العودة الى مدارسهم؟

إنها مرحلة في غاية الصعوبة والخطورة للإجابة على هذا السؤال، فالأسر والأبناء يعيشون تهديد مخاطر مستمرة حتى الآن بسبب جائحة (كوفيد-19) لأن مخاطر الإصابة تكاد تكون عالية حتى في ظل الاختلاط المحدود في البيوت والشوارع على حد سواء، وتمثّل العودة إلى المدارس خطوة مهمة لحياة الجميع ومستقبلهم، لكن هل نحن أمام عملية آمنة من كافة جوانبها؟ وهل ستكون العودة بعيدة عن مخاطر غزو كوفيد-19لأجساد طلابنا؟

تساؤلات على طاولة بحث كافة الجهات المعنية على أبواب العام الدراسي الجديد، تساؤلات وتفكير حول أوضاع الصحة العامة، والفوائد والأخطار المتأتية من استئناف العملية التعليمية وفتح المدارس، وما هو النموذج التدريسي المناسب على الصعيدين الوجاهي كان أم عن بعد؟ وما هي الإجراءات والجاهزية المؤسسية والبنية التحتية الصحية والوقائية والجهوزية الطبية في مختلف المؤسسات التعليمية؟ ليس فقط في المدارس المهمة في المدن الرئيسية وانما وصولاً إلى أصغر مدرسة في التجمعات السكانية النائية؟ كلها أسئلة تشغل تفكير المسؤولين والأهل وطواقم التدريس، فأطفال وتلاميذ اليوم هم فلذات الأكباد وعليهم نعوّل لمستقبل فلسطين، وحمايتهم صحيًّا وتمكينهم تعليميًّا استمرار لبناء الانسان والاستثمار في رأس مالنا البشري الذي به نعتز ونفتخر، نقول ذلك للتأكيد أن تكون المصلحة الأولى لكل طالب في مركز هذه القرارات رغم ادراكنا بوجود تفاوت من منطقة لأخرى ومن مدرسة الى أخرى لاسباب متعددة ليس مكان تحليلها ومعالجتها في هذا المقال.

هل من الآمن لطفلي أن يعود إلى المدرسة؟

أشارت منظمة اليونيسيف كجهة دولية معنية بالأطفال الى أنه "ينبغي ألا يُعاد فتح المدارس إلا عندما تكون آمنة للطلاب"، هذا نداء مهم لاتخاذ الاجراءات التحضيرية والوقائية الشاملة قبل دعوة الطلبة للتوجه لمدارسهم، لان العودة ليست كما الأعوام السابقة في كل المعايير، كل شيء بات مختلفًا عما اعتادت عليه الأسر وهي تحتفل بذهاب طفلها الاول في أول يوم من مسيرته التعليمية، فكان هذا اليوم بمثابة يوم عيد وفرح للأسرة، لكن هذا العام يبدو مغلفًا بالخوف والقلق الشديد، لأن عدم الذهاب للمدرسة في حال الاعلان عن بدء العام الدراسي استسلامًا للخوف يشكل خسارة كبيرة للأطفال، والذهاب أيضًا لا يرفع أيادي الأمهات عن قلوبهن وهن يودعن أطفالهن على أبواب المدارس، فالخوف من الاصابة بفيروس كورونا ممكنة تحت كل الظروف، فهل نحن مستعدون؟

من المرجح أن تفتح المدارس وفق خطة رسمية للعام الجديد ووفق بروتوكولات صحية لحماية الطلاب والطواقم التعليمية وصولاً لحماية أسر الطلاب، لكن هناك توقعات متنوعة من قبل عديد الخبراء دوليًّا بامكانية حدوث ارتداد جديد لموجة من الإصابات قد تؤدي إلى صدور قرارات بإغلاق المدارس ولو مؤقتًا من جديد ليس في فلسطين فقط، بل في عديد البلدان، ظروف من حالة عدم اليقين يخلقها استمرار انتشار هذا الوباء وبمعدلات أعلى مما كانت عليه في العام الدراسي السابق، مستجدات ينبغي أن تكون تحت أعين كافة الجهات في هذا السياق، الجميع مطالبون بالمشاركة والمتابعة ومراقبة كافة المؤشرات حول التطور المستمر للوضع الوبائي والصحي، وعلينا أن نتحلى بالمرونة وأن نكون مستعدين للتكيّف من أجل التحقق من سلامة العملية التعليمية من الأسرة الى المدرسة الى كافة المركبات ذات العلاقة لأن الهدف كما أسلفنا ضمان تحقيق سلامة كل طفل.

هناك العديد من الأسئلة التي يطرحها أولياء الأمور قبل أيام من بدء أو تأجيل العودة للمدارس، وأهمها: ما هي الخطوات التي اتخذَتها المدرسة لضمان سلامة الطلاب؟ كيف ستدعم المدرسة الصحة العقلية للطلاب وتكافح الوصم ضد الأشخاص الذين أصيبوا أو قد يصابون بالمرض؟ كيف ستُحيل المدرسة الأطفال الذين قد يحتاجون إلى إحالة للحصول على دعم متخصص؟ هل ستتغير أي من سياسات المدرسة في مجال الوقاية وبخصوص التنمرالمرتبط بهذا المرض حالما تفتح أبوابها من جديد؟ وكيف يمكن للأسر أن تدعم جهود المدرسة في المحافظة على السلامة، بما في ذلك من خلال لجان أولياء الأمور أو عبر شبكات مستجدة في ظل الجائحة؟ وكذلك ما هي الإجراءات التي تم وضعها لمعالجة الحالات التي قد يتخلّف فيها الطفل عن العملية التدريسية بسبب الحجر أو الإصابة؟

نحن أمام عام ليس كباقي الأعوام الدراسية بكل المقاييس، عام يحمل المخاطر والتهديدات في كل الخيارات، ورغم إدراكنا لحجم هذه المخاطر ودرجاتها، إلا أنه لا يمكننا مجرد الانتظار بصمت، فإجراءات التعافي والتعايش مع الجائحة يفترض بمؤسساتنا  التعليمية الدراسة المعمقة لما أثير من تساؤلات، ونفترض أن لديها خطة وطنية كاملة بدأت التحضير لها منذ انتهاء العام الدراسي السابق، بما يحمي طلابنا وطواقمنا التعليمية والتدريسية ويحافظ على مسيرتنا التعليمية في كافة مراحلها.

لا شك أن الاستفادة من دراسات المنظمات الدولية وتجارب الدول التي سبقتنا في العودة للمدارس تشكل مدخلات مهمة رغم خصوصية كل دولة بشكل عام وظروفنا في الأراضي الفلسطينية بشكل خاص، لكن يمكن الاستفادة من خطط مواجهة الاكتظاظ وضمان التباعد الجسدي من خلال نموذج معين كالتدرّج في بدء اليوم الدراسي وإنهائه، بحيث يبدأ وينتهي في أوقات مختلفة لمجموعات مختلفة من الطلاب يكون مدخلاً مهماً للتفكير به عملياً، الى جانب تنظيم دوام المدارس على فترات بغية تقليص عدد الطلاب في الصفوف وتقليل حركتهم في الوقت نفسه لتخفيف الاختلاط الممكن تجنبه، وكذلك تنظيم وتفعيل برنامج التدرّج في أوقات تناول الوجبات والتنقل التي تعتبر من الحلقات المهمة التي قد تشكل حال بقائها فرصة لانتقال الإصابات.

إلى جانب ذلك ينبغي التركيز على الصحة العامة للمرافق الحيوية في المدارس، وخاصة مرافق المياه والنظافة الصحية باعتبارها بوابة القلعة، فتلوثها بالفيروس يعني سقوط القلعة الصحية وتفشي الوباء وفقدان السيطرة وهي المؤشر الحقيقي على سلامة قرار إعادة فتح المدارس على نحو آمن فجاهزية مختلف المدارس الصحية ليست مجرد عنصر رفاهي بل هي شرط وجودي الآن، مرافق صحية ومعقمات طبية يساندها إجراءات توعية ومتابعة من مختصين من فريق المدرسة للإشراف والرقابة على الاجراءات الصحية، بما في ذلك البروتوكولات التي أكدت عليها وزارة الصحة بشكل عام ومنها: غسل اليدين، والآداب التنفسية (أي احتواء السعال والعطس بالذراع بعد ثني الكوع)، وإجراءات التباعد الجسدي، وإجراءات تنظيف المرافق والممارسات الآمنة لإعداد الأغذية، ونقطة الارتكاز لنجاح هذه السياسات يعتمد على الطواقم التدريسية كونهم قدوة في ممارسات التباعد الجسدي وممارسات النظافة الصحية في المدرسة حتى لو تطلب ذلك التدريب العام للجميع لان الخطر لا يفرق بين مدرس وطالب، والحماية تبدأ من الجميع لتحمي الجميع.

يبقى أن نشير إلى أن موسم العودة للمدارس يتزامن هذا العام مع ظروف مالية صعبة تعيشها الاسر الفلسطينية في ظل ما تشهده الحكومة من حصار وقيود مالية ساهمت في تأخير دفع الرواتب والاجور لمختلف العاملين، قيود وازمة مالية بثوب ضغوط سياسية بسبب المواقف الفلسطينية الثابتة من صفقة القرن وما تبعها، الى جانب ما يعانيه القطاع الخاص  بسبب تداعيات أزمة كورونا على الاداء الاقتصادي في مختلف المجالات، وتأثر العاملين وأسرهم ايضاً بوقع الازمة على هذه القطاعات، ظروف مالية معقدة ومتطلبات مالية مهمة لبدء العام الدراسي، وانتظام عجلة التعليم بكافة مكوناتها، للطلاب والمدرسين واحتياجات المؤسسات التعليمية للوقود المالي لضمان قدراتها على القيام بدورها. نحن على أعتاب عام في غاية التعقيدات المالية والصحية، عام ينذر بتحديات جسام ينبغي ان نتحلى بالشجاعة والصبر والمسؤولية من كافة مواقعنا على اجتيازها بما يحقق مصلحة العملية التعليمية وفي القلب منها صحة وسلامة طلابنا لانهم القلب النابض لاستمرارية مسيرتنا التعليمية رغم كل الظروف.