"لاعب النرد" ما زال يلعب...!!

شاهد عيان- محمود أبو الهيجاء

اثنا عشر عاما، مضت على رحيل شاعرنا الكبير محمود درويش وسؤاله الغامض ما زال في لجته التراجيدية " من أنا لأقول لكم / ما أقول لكم " ولعلنا نراه سؤالا لنا ان نعرف من نحن، حتى قال لنا ما قاله لنا...؟؟ فالواقع ان الشاعر يسأل وهو أدرى بحاله، أدرى من هو، وكيف اصبح، وماذا تورث، وبالمصادفة التي لم تكن غير ما اراد القدر، وما اشتهت الطبيعة من اغنيات، بات مصابا "بجن المعلقة الجاهلية" وكان قد رأى بمصادفة التكشف، ذلك القمر الشاحب مثل" ليمونة يتحرش بالساهرات" ما يعني ان ذلك الجن قد تمكن منه، واستوطن رؤاه بقصيدة تاريخية، نحسبها تعلقت الى جانب تلك السبع التي كانت معلقات على استار الكعبة.
السؤال لنا، هكذا أراه، وان كان السؤال على هذا القدر من المواربة، فمن نحن حقا حتى كان لنا محمود درويش، وقال لنا ما قاله لنا، لا في لاعب النرد فحسب وانما في كل ما قال من بوح ونوح واغنيات...؟؟؟ لا اقصد هنا سؤال الهوية، وانما سؤال الماهية الجمالية، ونحن نعرف الى حد الافتتان ماهية الشاعر هذه التي تجاوز بها مثلا حيرة الشعراء الوجودية، ومثالهم في هذه الحيرة، ايليا ابو ماضي، الذي تاه في سؤال وجودي قارب الالحاد " جئت لا اعرف من اين، ولكني اتيت...!! " ففي تخليق جمالي جعل درويش المصادفة عربة تتجول في حقول التكشف والمعرفة، بإجابات وضعت حدا للسؤال الوجودي، حتى وهي على هيئة افتراضات ومصادفات، يعرف الشاعر انها لم تعد ممكنة " كان يمكن ان لا يكون ابي / قد تزوج امي مصادفة ( تزوج سيد احمد، حورية، وقضي الامر) / او اكون مثل اختي التي صرخت ثم ماتت " أو " كانت مصادفة ان اكون / انا الحي في حادث الباص / حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية " سنعرف كما الشاعر قد عرف، لماذا كان هو الحي في هذا الحادث، حتى يعترف " لاني نسيت الوجود واحواله / عندما كنت اقرأ في الليل قصة حب / تقمصت دور المؤلف فيها / ودور الحبيب الضحية / كنت شهيد الهوى في الرواية / والحي في حادثة السير "...!! المصادفة اذن لم تكن غير الضرورة في تجلياتها الفيزياوية والكيمياوية معا، لتسيير الوجود والموجود سوية بعربتها في دروبه الواضحة تارة، والغامضة تارة اخرى.
واعود للسؤال الموارب من نحن حقا في هذا السياق، من نحن إن لم نصعد تلك العربة، لا على نحو القصيدة فحسب، وانما على نحو التماهي مع الضرورات الجمالية التي تهندم العيش بقيم العيش النبيلة، واولها الحرية التي هي وعي الضرورة، للنجاة لا من رمية النرد القاسية في رؤية الشاعر التي جعلته "بين مفترس وفريسة" وانما النجاة من تسطيح الافكار، واستسهال القول، وفوضى الافتاء، ورمية نرد الاسلحة الفوضوية، التي لن تجعلنا سوى فرائس طيعة للذبح...!! لا بد لنا من صعود تلك العربة وندرك ماهيتنا الجمالية، فلعلنا نكون قادرين على لجم دحرجات النرد العبثية في هذا الواقع المثقل بالعثرات والاحتلال، فنعيد بناء متاريس المعاني، ونحافظ على "المكان الزراعي كي لا ينكسر" كي نصبح لا كما توقع الشاعر ان يصبح في رميات نرده " زيتونة، ومعلم جغرافيا، وخبيرا بمملكة النحل" فحسب، وانما ايضا خبراء بحقول الامل والعمل، وكتابا للتاريخ ورعاة للجغرافيا، ومملكة لشرفات التطلع، بقهوة التأني، وعسل الرؤية. 
ستحتاج معلقة درويش هذه، لقراءات مطولة، وهذا ما نقصد به ان "لاعب النرد" ما زال يلعب، ومع كل قراءة سنرى رمية اخرى لذلك النرد، تكشف وتتكشف عن الضرورة القصوى، ان نعرف تماما من نحن في بيوت القصيدة..؟؟